د.رجب العويسي يكتب: شكرا لكل أم وأب صنع فارق التعليم عن بعد

د. رجب بن علي العويسي

مع قرب انتهاء العام الدراسي 2020/2021 تتجه الأنظار إلى أولياء الأمور والآباء والأمهات الذين صنعوا للتعليم عن بعد حضوره، وأوجدوا له مكانته، وأسسّوا له موقعه، وتدرجوا معه على مدى عام دراسي كامل بما حمله من مواقف وأحداث، وتضحيات وإنجازات، لنعبر لهم عن صادق الشكر، وعظيم الامتنان بما صنعته أيديهم من إنجاز، وما تركته من بصمة عمل، ستبقى شاهدة في سجل الأيام، فلهم الشكر والتقدير، والتحية والإجلال والإكبار، وسلام لهم على جهد لم يفتر، وعطاء لن ينفد، وإنجاز حسم المواقف، وأعاد تصحيح المعادلة، ودحض شبهة” تدني مشاركة أولياء الأمور في تعلم أبنائهم” التي لطالما رصدتها الدراسات والبحوث، وصدحت بها أفواه الباحثين والمنظرين، ودونتها أقلام الكتاب وغيرهم من المهتمين بعلم التربية حتى تلقاها مجتمع التعليم بدون تمحيص لها، أو فهم عميق لدلالاتها، إلى أن جاء  نظام التعليم عن بعد بنموذج تعليمي آخر أدحض هذه الشبهة، وأثبت بالشواهد الواقعية الحية حقيقة غائبة عن الأذهان، أفصحت عن ما صنعه أولياء الأمور والآباء والأمهات في تعليم أبنائهم من فارق يفوق التوقعات، وإنجاز تربوي سيظل ذاكرة تاريخية في سجل التعليم، وأعطى صورة مشرقة عززت من أهمية حضور التعليم عن بعد كمسار تعليمي، ليس في الظروف الصعبة فحسب؛ بل أيضا في الواقع الاعتيادي- إن أعيد تصحيحه، وصياغة مفاهيمه، وآليات عمله، واجتثت الزوائد السلبية التي أضاعت محتواه وهدفه وغاياته وأثقلت كاهل أولياء الأمور والطلبة طلباته ومستلزماته.

ومع ما واجهه التعليم عن بعد من تحديات وظروف، ومقلقات وضغوطات، وممكنات ومميزات، بما لا يسع المقال لذكره، إلا أن الهاجس التعليمي الذي حمله أولياء الأمور حول أولوية تعلم أبنائهم، وضع نظام التعليم عن بعد أمام قبول مجتمعي له، وحرص على الاستفادة منه، مقاربة مصغرة للواقع التعليمي الذي يريده المجتمع لأبنائه في مواجهة حالة الانقطاع عن الدراسة، والتراكمات النفسية والفكرية والتعليمية والاجتماعية والاقتصادية الناتجة من فجوة انقطاع الطلبة عن الدراسة أو تكليفهم بمسار تعليمي مقنن، وانعكاساته على فقه الأجيال وحياتهم العملية والشخصية، مما كان له عظيم الأثر نحو الانتقال إلى هذا التعليم ووضعه حيز التنفيذ، عملا بمبادئ التعلم المستديم، وإلزامية التعليم، وحق من هم في سن التعليم الأساسي في الحصول على تعليم  جيد.

لقد شكلت إرادة أولياء الأمور ووقوفهم مع أبنائهم وحرصهم على متابعتهم لحظة بلحظة، وخطوة بخطوة في ظل رقابة واستشعار وحدس بالتوقعات، وسؤال مستمر للمعلمين، وتواصل معهم عبر مجموعات الواتساب أو غيره فيما يتعلق بالخطط والجدول الدراسي، وتوقيت الحصص المتزامنة وغير المتزامنة، وقبل ذلك تعليم الأبناء كيفية التعامل مع المنصة، ليمارس ولي الأمر دور المعلم والموجه والمشرف، بل دور منظومة التعليم بكل تفاصيلها في بيته ومع أسرته، حتى استقام الأمر، وبدأ العام الدراسي بخطوات جريئة، وإرادة صلبة، وعزيمة راسخة، تقاسم الجميع فيها هواجس التعليم عن بعد وعوائقه وتحدياته وظروفه، وعايش أولياء الأمر كل مراحل التحول، والتحديات والإخفاقات في أبعاده الهيكلية والتنظيمية والأدائية والسيناريوهات البديلة، لم تثنهم إرادتهم الطموحة عن عزيمة التصدي لها، أو شغف المعرفة بها، وفقه التعامل مع أبجدياته، وأسهمت الروح المعنوية العالية لدى أولياء الأمور والآباء والأمهات في إعادة إنتاج المسار التعليمي بما يتناغم مع ظروف جائحة كورونا (كوفيد19).

وجسّد تعاطي أولياء الأمور مع التعليم عن بعد حقيقة الشراكة بين البيت والمدرسة، والحضور النوعي المشرّف لأولياء الأمور والآباء والأمهات في ميدان الممارسة التعليمية، مرحلة عبرت فيها المنازل عن مدرسة أصيلة للحياة، ليس في تدريس القراءة والكتابة وتعليم العلوم فحسب، بل في إعادة هندسة حياة الأبناء في ظلال العلم والمعرفة، والتعليم والتعلم، لتسكب عليها الأسرة فرص الأمان والسلام الداخلي والألفة، تفاصيل كثيرة لحياة متجددة ملء إهابها الحب والتآلف، والتعاون والتكامل، ويرفرف على سمائها السلام والوئام، ويتعايش في ظلها حس المسؤولية مع شغف العلم، وحب التعليم، ونهضة الوعي، وحس الانتماء، وروح المسؤولية، حتى أصبحت عمليات التعليم عن بعد رابطة اجتماعية، تعيش على تفاعلاتها الأسرة، وتحظى بتفكير الجمعي والتئامها فطري، في إيجاد أفضل الحلول المناسبة للأبناء، في تذليل الصعوبات وتشخيص عملي للتحديات التي يواجهها الأبناء في إتقان أبجديات التعليم عن بعد، وبالتالي ما يعنيه ذلك اليوم من الحاجة إلى استشعار عظمة هذا الدور، وإعادة الاعتبار لما قدمته الأمهات والآباء والأسرة من تضحيات في المال والجهد والوقت، وما بذلته في سبيل تعلم أبنائها وقبولهم لهذا التعليم واستمرارهم فيه من جهد نفسي وفكري وتعليمين والتزام بمشاركتهم هذا المسار والوقوف معهم في كل مراحله وظروفه من بداية اليوم الدراسي وحتى نهايته.

أخيرا، فإن ما سجله أولياء الأمور شمعة مضيئة لن تنطفئ، ونهج أصيل نحو التعليم لن يتغير بتغير الظروف والأحوال، والأزمنة والأمكنة، وشاهد إثبات على ما قدمته الأسر من تضحيات جسيمة، وعطاء غير مجذوذ، وعمل متقن محمود، مارس فيه أولياء الأمور والآباء الأمهات مهام ومسؤوليات الممارسين التعليميين في مرحلة صعبة، وظروف استثنائية مقلقة، ويبقى على مؤسسات التعليم مسؤولية الاعتراف بهذا الدور، وتسجيله في وثائق التعليم، ذلك أنّ ما سطرّه أولياء الأمور والأمهات من شواهد الإنجاز، أبلغ من أي مقال وأصدق من أي كلام.

اترك رداً

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى