د.رجب العويسي يكتب: مؤسسات التعليم والبحث والابتكار الوطنية وإعادة إنتاج واقعها لما بعد كورونا

د. رجب بن علي العويسي- خبير الدراسات الاجتماعية والتعليمية في مجلس الدولة

جائحة كورونا ( كوفيد19) التي عصفت بالعالم منذ ما يزيد عن العام ونصف العام، غيرت وجه الحياة في جوانبها المختلفة، الاجتماعية والاقتصادية والفكرية والثقافية وعادات الشعوب وتقاليدها، كما أسدلت الستار على الكثير من الممارسات والعادات والتقاليد التي رافقت ممارسات الشعوب واتجهت بها إلى الخروج عن المألوف، وفي الوقت نفسه عملت على إصلاح الكثير من الممارسات الاقتصادية والاجتماعية والتقنية ومراجعتها، وإعادة التفكير فيها بطريقة أكثر ابتكارية ومهنية تتناسب وطبيعة الظروف الصعبة التي عاشتها البشرية، ومع الخسائر الاقتصادية التي تكبدها العالم في إطارات إجراءات المنع والإغلاق والتعليق والإيقاف المتخذة بشأن الأنشطة الاقتصادية والصناعية والتجارية والإنتاجية والخدمات، وقطاعات السياحة والسفر، واللوجستيات، والتسويق وغيرها كثير، فقد مني العالم بخسائر كبيرة في الأرواح نظرا لزيادة أعداد الوفيات حول العالم، كما لم تعد المؤسسات الصحية قادرة على استيعاب أعداد المرضى والمنومين والمرقدين في العناية المركزة ، حتى ضاقت الأرض على البشرية بما رحبت وضاقت عليهم أنفسهم، أحداث وظروف غيرت وجه الحياة والعالم، ما زالت تعيش البشرية أقسى ايامها أيلاما وصعوبة وأصعب لحظاتها قسوة وشدة، فإنا لله وإنا إليه راجعون.

ومع كل هذه التحديات برز في العالم المتقدم والساعي للنمو والتطوير، دور محوري لمؤسسات التعليم والبحث والابتكار على مختلف تخصصاتها في إعادة تصحيح الواقع وتغيير معادلة التوازن، فالخسائر التي أوجدها كورونا رافقها ثورة علمية كبيرة في مجال الطب والاكتشافات الطبية والعقاقير والأمصال واللقاحات واجراء التجارب السريرية وإعادة انتاج المنظومات الصحية بشكل أفضل مما هي عليه من عقود، وبما تناسب مع حجم الخطر الناتج عن كوفيد 19 وسلالاته المتجددة، وانبرت مؤسسات التعليم العالي والجامعات ومراكز البحث والابتكار وحتى مراكز البحوث الاجتماعية والإنسانية في إدارة ثورة الواقع، من خلال إيجاد معالجات يستشعر الإنسان قيمتها في انتشاله من عقدة الألم ومستنقع الفوضى الفكرية التي عاشها مع كورونا، وسكرات الموت التي ألمت به، وانبرت مؤسسات التعليم والبحث والابتكار نحو إعادة حركة التطوير العلمي والتفكير في إيجاد علاجات لمواجهة الفيروس، وإنتاج الأمصال وإجراء البحوث والاختبارات وإنتاج العقاقير والمستلزمات الطبية العلاجية منها والوقائية التي تطلبتها جائحة كورونا، وبينما انشغل العالم بذلك لم نوفق نحن في واقعنا العربي والإقليمي والوطني في مشاركة العالم في إنتاج بعض ما يحتاجه، رغم وجود المبادرات الفردية والمجتمعية العلمية والطبية والتي يخبر عنها الإعلام إلا قليلا ، ومع ذلك لم تجد من يتبناها أو يأخذ بيدها في بناء مسار علمي وبحثي قادر على تحقيق نتاج واضح على الأرض يمكن ان يعتمد عليها ويضاف إلى براءات الاختراع المنتجة المعترف بها دوليا.
وإذا كانت دول العالم المتقدم وعبر قطاعات التعليم والبحث والابتكار استطاعت أن تقدم نتاجا بدأت البشرية تقرأ فيه مسارات الأمل، وفرجة الخلاص من هذه الجائحة ، وبدأ العالم اليوم ينتج لقاحاته في معالجه مرضى كورونا، وتحصين المواطنين من موجاته القادمة، ومخاطره المتعاظمة والمتنامية، أو على أقل تقدير استشعار وجود حلول ممكنة تبشر بنهايته، ومع تراجع مؤسساتنا التعليمية والبحثية ومؤسسات الابتكار عن تقاسم المسؤوليات نحو مشاركة العالم هذا الإنجاز، وتنازلها حتى عن أبسط حقوقها في التوعية والتثقيف، وإنتاج البرامج التعليمية الموجهة لمختلف الفئات العمرية في المجتمع، في أحلك ظروف الأزمة، وارتفاع حالة القلق والخوف، وزيادة مستوى التحديات النفسية والفكرية التي قتلت المرضى وأمرضت الأصحاء، وإذا كنا لم ننجح في مرحلة الاستعداد لهذه الجائحة ، أو في خلق البدائل التعليمية والعلمية والبحثية التي تساعدنا في سرعة الخروج من هذه السقطات؛ فإن المرجو هو أن لا يستمر هذا التعاطي السلبي لمؤسسات التعليم والبحث والابتكار الوطنية مع الواقع الجديد حتى مع بدء العالم التفكير والاستعداد لمرحلة ما بعد كورونا.


وبالتالي فإن تأخر مؤسسات التعليم والبحث والابتكار الوطنية في إثبات بصمة حضور لها في المشهد العلمي والبحثي والإنتاج العلمي والطبي العالمي، لا يعطي هذه المؤسسات مبررا في الاستمرارية في هذا التأخر، بل عليها الآن أن تفكر بشكل جدي لمرحلة ما بعد كوفيد19، كيف تتعامل مؤسسات التعليم من مدارس ومعاهد ومراكز علمية وكليات وجامعات مع الواقع العالمي الجديد الذي فرضته جائحة كورونا بكل تفاصيله في ظل إعادة تطوير المناهج والأنشطة والكتب الدراسية وأليات التعليم ومنظومات التقويم وطرق إعداد المعلم، وإنتاج بيئة التعليم، ودور المختبرات العلمية بالمدارس والجامعات، والاهتمام بالتقنية ، بل إعادة رسم هوية التعليم لما بعد كورونا، ومنظومة الأخلاق والقيم والمبادئ التي يجب أن تسري في منظومة العمل داخل مؤسسات التعليم، والمهارات التي يجب أن يتقنها الطلبة، والتكاليف البيتية ومشروعات التخرج، لتتجه إلى فلسفة التعليم ذاته وأولوياته القادمة في ظل قراءة للإخفاقات، وحالة التأخر التي مارسها التعليم، وأبرزت عدم قدرته على الوفاء بالتزامات نحو الطالب والأسرة والمجتمع والدولة، أو في إعداد متعلم منتج يستطيع أن يمارس حياته بكل أريحية في الظروف الصعبة، وفي الوقت نفسه مستوى الصلاحيات الممنوحة لمؤسسات البحث العلمي والابتكار واستقلالية الجامعات، والخطاب التعليمي، والشراكة الحاصلة بين مؤسساته، وتوأمة الجامعات والمدارس، ومنظومة تقييم الأداء المؤسسي لمؤسسات التعليم، والبرامج التعليمية المقدمة للطلبة، وآلية عمل مراكز الابتكار، وكيفية الاستفادة من المراكز البحثية وتفعيل دورها ،ومنحها الصلاحيات العلمية والبحثية، والشراكات التي تربطها بالقطاع الحكومي والخاص والشراكات الدولية المباشرة، والسياسات والخطط والبرامج، وغيرها من التفاصيل الدقيقة في عمل هذه المنظومة في بنيتها التنظيمية والهيكلية والمهنية والمحتوى العلمي والتعليمي.

أخيرا فإن التركة الثقيلة التي خلفها كورونا باتت بحاجة إلى بوصلة توجه مسار مؤسسات التعليم والبحث والابتكار الوطنية، وخلق مسار تعليمي آخر يتناغم مع حجم الظروف التي ارتبطت بهذه الجائحة ، فهل سيكون لمؤسسات التعليم والبحث والابتكار السبق في إصلاح ذاتها، وإعادة تقييم مسارها، وتقويم برامجها، وهندسة عملياتها الإدارية والفنية والتعليمية والبحثية بطريقة تتناسب مع مرحلة ما بعد الجائحة؛ أم ستظل كعادتها تنتظر ما يفعل العالم لتقوم بتوريد تجاربه وتطبيق مبادراته ونقل ممارساته إلى الصفوف الدراسية وقاعات التدريس؟.

اترك رداً

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى