د.رجب العويسي يكتب عن تنويع مسارات التعليم في اهتمامات جلالة السلطان

د. رجب بن علي العويسي خبير الدراسات الاجتماعية والتعليمية
في مجلس الدولة

جاءت التوجيهات السامية لحضرة صاحب الجلالة السلطان هيثم بن طارق المعظم -حفظه الله- أثناء ترؤسه لمجلس الوزراء الموقر في الخامس عشر من يونيو 2021 بـ ” ضرورة الإسراع في اتخاذ الإجراءات اللازمة لتحليل الاحتياجات والمتطلبات الضرورية لتطبيق التعليم التقني والمهني في التعليم ما بعد الأساسي بما يتوافق مع متطلبات سوق العمل واحتياجاته المستقبلية، وأهمية تبني منهجية متكاملة لآلية تطبيق ذلك وتحديد الخبرات والموارد البشرية اللازمة في هذا الشأن”؛ مرحلة مفصلية في تنويع مسارات التعليم والتوسيع في خياراته المهنية والتقنية، واتخاذ إجراءات عملية لتحليل الاحتياجات والمتطلبات الضرورية لتطبيق نظام التنويع في المسارات التعليمية، وتجسيدا عمليا لمرتكزات خطاب عمان المستقبل الذي ألقاه جلالته في الثالث والعشرين من فبراير لعام 2020 ، والذي وضع التعليم بوابة عمان إلى المستقبل، وخارطة طريق يتقاسم مع قطاعات الدولة الاقتصادية والإنتاجية والخدمية تحقيق رؤيتها الطموحة” عمان 2040″ ، في ظل موجهات قائمة على جملة من الأهداف والغايات للوصول إلى نظام تعليمي كفؤ، قادر على صناعة الفارق وتحقيق المنافسة وتوفير الكفاءات البشرية الفاعلة في إدارة عمليات التحول في مجالات الابتكار والبحث العلمي وريادة الأعمال، وحضوره في إدارة وإنتاج وهيكلة المشاريع التي تقوم على الابتكار والذكاء الاصطناعي والتقنيات المتقدمة ، ويمتلك فرص اكبر لتدريب الشباب وتمكينهم من الانخراط في سوق العمل لضمان استقرارهم ، ومواكبة تطلعاتهم.

وعليه تضع التوجيهات السامية مسألة التنويع في مسارات التعليم ما بعد الأساسي، الخيار الاستراتيجي الأبرز الذي يعيد إنتاج واقع التعليم من جديد، ليتناسب مع معطيات المرحلة، وتوجهات الثورة الصناعية الرابعة، واقتصاد المعرفة، والتوجهات الوطنية نحو فلسفة التنويع الاقتصادين وبناء القدرة التنافسية لعمان في جلب الاستثمارات الخارجية وتكوين مجتمع صناعي يعتمد على نفسه ويدير حركة انتاجه بذاته ، وخلق ثورة كبيرة في الاقتصاد مستفيدة من تراكمية المخرجات وتنوع التخصصات، والميزة التنافسية لعمان لتصنع منها قوة اقتصادية سواء الجغرافية والسياسية والأمنية و الطبيعية والبيئية والسياحية التي تنشط حركة التعليم نحو انتاج التخصصات الفاعلة فيها، والوظائف المساهمة في إدارة وتنشيط حركة وأنشطة حركة الاقتصادات الواعدة ، مثل: كاقتصاد السياحة واللوجستيات والطاقة المتجددة ، والاقتصاد الأخضر، واقتصاد الثقافة والسلام والأمن، بما يضمن توجيه نظام التعليم نحو انتاج مخرجات تعليمية تمتلك المهارة والخبرة والتجربة وفقه الإنتاجية وروح العطاء، وقابليتها للتكيف مع معطيات الواقع ومتطلبات سوق العمل، والمهارات التنافسية التي تتيح لها فرص نجاح وبصمة حضور لها على المستوى المحلي والعالمي في ظل تأكيد مواءمة مناهج نظام التعليم مع احتياجات تطور الصناعة والاقتصاد العماني، وتأكيدا لوضع هذا النهج الذي انطلقت منه رؤية التطوير ومنهجية العمل القادمة، ولعل إقرار جلالته أعزة الله لبدء تنفيذ رؤية عمان 2040 في فترات سابقة، إيذانا بأن يسلك التعليم مرحلة متقدمة في سياساته وبرامجه وخططه ومناهجه وانشطته ومكوناته ، تتجه به إلى تحقيق الإنتاجية، وإعادة صياغة لحن التطوير فيه عبر مراجعات جادة تتجه به إلى الابتكارية والتجديد والتحول النوعي، والانتقال إلى المهارة، وتحقيق المعايير، والوصول على المنافسة، وإحداث تحول جذري في فقه المتعلمين وقناعاتهم وتوجهاتهم، وإثبات بصمة حضور للمخرجات التعليمية في مؤسسات التعليم العالي أو مخرجات الدبلوم العام في امتلاكهم المهارات الأصيلة المرنة القادرة على الاسهام الفاعل في إدارة عمليات التطوير والإنتاج ، وصناعة الفرص وحفز روح المنافسة، بما ينعكس على أداء هذه المخرجات في سوق العمل، وتكيفها مع واقع التحولات التي يشهدها في عوامل الإنتاج، وبيئة العمل، والسياسات والإجراءات والحوافز، وانماط التحول التي يعيشها سعيا لتحقيق مكاسب نوعية، تظهر في المنتج التعليمي ذاته، وتبرز في الحقائق والمؤشرات الإنتاجية الأخرى التي تعمل على تحقيقها هذه الكفاءات في كل مواقع العمل والمسؤولية.

أخيرا فإن وضع التوجيهات السامية موضع التنفيذ يستدعي جهدا وطنيا يقوم على جملة من الإجراءات التي يجب أن تتخذها مؤسسات التعليم والاقتصاد مجتمعة في سبيل وضع تنويع مسارات التعليم في حيز العمل، تخطيطا وتنظيما وتقييما وتفعيلا واستشرافا، وفق إطارين، أولهما: على مستوى مؤسسات التعليم العالي والجامعي، بحيث يتجه العمل الوطني نحو إعادة تقييم المسارات وكفاءة التخصصات في قطاع التعليم الجامعي والعالي، من خلال دراسة وتحليل نوعية التخصصات التي تحتاجها، وإنتاج تخصصات أكثر مواءمة لتحقيق أولويات رؤية عمان 2040 ، مراعية الظروف والمتغيرات الماثلة في هذا الجانب، والعمل على ضبط سياسات التعليم العالي وتقنين مساراته، ورصد مراحل تطور سوق العمل الوطني الحالي والاحتياجات الوطنية المستقبلية من التخصصات أخذة في الاعتبار التخصصات ذات القيمة المضافة التي تشكل الوجه الأبرز في ظل الثورة الصناعية الرابعة، للحد من استمرار حالة الهدر والفاقد الناتج من تداخل التخصصات وتكدسها، وتقييم موقع المهارة في هذه المخرجات، بالشكل الذي يضمن توجيهها لصالح مواءمة مخرجات الجامعات مع واقع سوق العمل. وأما الإطار الثاني، فعلى مستوى التعليم المدرسي ( ما بعد الأساسي) بحيث تتفرع مسارات التعليم ما بعد الأساسي إلى التفرعات الثلاثة: الأكاديمية والفنية والتقنية، لتبدأ مع الطالب بنهاية الصف التاسع من التعليم الأساسي، وتطرح في الصفوف الأخرى مسارات التنويع في تشعيب الطلبة لنطاقات التعليم الثلاثة الرئيسية ( أكاديمي ومهني وتقني ) بالإضافة إلى الخطة الدراسية لهذه الصفوف والتي تتجه إلى المواد التخصصية والاساسية والاختيارية والعامة، بالشكل الذي يضمن المحافظة على مسارات التوازن في نموذج التعليم المقدم، فمن جهة يتسم بالتخصصية والمهنية، والتركيز على انتاج المهارة وصناعة الموهبة وخلق الاحترافية، والمعرفة بقواعد العمل وضوابطه والقوانين والتشريعات، ومن جهة أخرى يعمل على تقديم نمط تعليمي مبتكر ونوعي قادر على أن يحافظ على قدر واسع من الابعاد التاريخية والاجتماعية والثقافية في سلوك المتعلم بما لا يفقد المتعلم هويته والتعليم خصوصيته، بل يمنحه مساحة أوسع في خلق فرصة للتناغم بين مكونات هذه الخطة، وما تحمله في سبيل بناء المتعلم او الخريج مهاريا ومهنيا وثقافيا وفكريا لضمان قدرة المنتج على صناعة التحول والتكيف مع الواقع في ظل المهارات الناعمة التي تعزز فيه روح التغيير وحماس الأداء وحكمة التصرف ومهنية الإنتاج ومصداقية التوجه، وتؤسس فيه حب العمل والانجاز، وشغف التحدي والعطاء، والتعلم والممارسة التأملية الذاتية. . وإلى لقاء قادم يتناول بعض ملامح هذا التوجه في وزارة التربية والتعليم في فترات سابقة.

اترك رداً

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى