بعد ردود الفعل حول خفضها؛ ما التخصصات التي ينبغي أن يكون لها النصيب الأكبر في بعثات التعليم العالي؟

د. رجب بن علي العويسي-خبير الدراسات الاجتماعية والتعليمية في مجلس الدولة

أثار إعلان وزارة التعليم العالي والبحث العلمي والابتكار عن الفرص الدراسية الداخلية والخارجية لطلبة الدبلوم العام للعام الأكاديمي 2021- 2022 ، وخفض البعثات الخارجية إلى (400) بعثه خارجية، على الرغم من زيادة الفرص الدراسية بنسبة زيادة بلغت 17.4% مقارنة بالعام الاكاديمي 2020/ 2021، والتي بلغ مجموعها الكلي 33.320 ألف فرصة دراسية، أثار عبر منصات التواصل الاجتماعي وبشكل خاص التدوين الاجتماعي المصغر ” تويتر” وتحت هاشتاق ” نطالب بإرجاع البعثات الخارجية” ردود أفعال الشارع العماني من الطلبة وأولياء الأمور حول هذه التوجهات والمبررات التي اعتمدتها الجهات المعنية حول هذا الخفض؛ ومع عدم الدخول في تفاصيل هذا الخفض في عدد البعثات الخارجية ومسبباته وآثاره، والخيارات التي يفترض ان تطرحها الحكومة في سبيل تهدئة الشارع، وما إذا كنا مع تقليص عدد البعثات الخارجية من عدمه، وهو أمر في تقديرنا الشخصي يحتاج إلى مزيد من القراءة الفاحصة، والفهم المعمق، والتحليل الدقيق للحالة العمانية، فمع قراءة الواقع الاقتصادي الوطني وتداعياته على التعليم والحياة المعيشية للمواطن، تأتي أهمية إيجاد مساحة من الأمل في الوقوف على رغبات الطلبة وخياراتهم وطموحاتهم والاستجابة لرغباتهم في الحصول على الفرص الدراسية خارج السلطنة، وبالتالي مزيد من المكاشفة والشفافية والوضوح فيما إذا كانت المسألة مرتبطة بفترة زمنية معينة نتيجة ما تمر به السلطنة من جائحة كورونا ( كوفيد19)، وقابلية ذلك للمراجعة وإعادة النظر في هذا القرار مع تحسن الظروف، ثم نوع الخيارات والامتيازات التي يمكن أن تطرح أمام الطلبة في مثل هذه الحالات وإمكانية فتح تخصصات أكثر إستراتيجية تتطلبها المؤسسات الصحية الوطنية، خاصة مع زيادة الفرص الدراسية لهذا العام بنحو ما يقارب من الخمس عن العام الأكاديمي الحالي.

وبالتالي ينطلق طرحنا للموضوع من فرضية ما شكلته جائحة كورونا ( كوفيد19) من ضغط كبير على المنظومة الصحية بشكل خاص، والأعداد المرتفعة من الإصابات والوفيات التي عايشتها السلطنة في فترات سابقة، والحديث المتكرر لمعالي وزير الصحة بأن المنظومة الصحية في خطر في ظل محدودية استيعابها لهذه الأعداد، وأن السلطنة تعاني من نقص حاد في الكفاءات الطبية التخصصية التي يتطلبها التعامل مع مرضى (كوفيد19) ، لذلك مثلت التحديات والتراكمات التي أشرنا لبعضها محطة لالتقاط الأنفاس تعيد فيها المنظومة الصحية الاعتبار للعديد من الاجندة المرتبطة ببناء الكفاءات البشرية والقدرات الوطنية والادارة والتنظيم وتعزيز الكفاءة التخصصات، في ظل ما يشكله المورد البشري من أهمية في نجاح هذه المنظومة وقدرتها على التكيف مع الواقع الجديد واستجابتها للأزمات المتعاقبة، خاصة مع الطموح بأن يشكل افتتاح بعض المدن الطبية في قادم الوقت مثل المدينة الطبية التي تشرف على إنشائها شرطة عمان السلطانية، منطلقا لتوفير الكفاءات الطبية المتخصصة، وسد العجز الحاصل في التخصصات الطبية، خاصة عن إشغال المستشفيات والمؤسسات الصحية الحكومية بعدد كبير من الوافدين، وفي المقابل تشكل الأمراض غير المعدية تحديات كبيرة ترمي بثقلها على المنظومة الصحية الوطنية وما تسببه من أزمات صحية ونفسية واجتماعية على المستوى الوطني والاجتماعي والأسري والشخصي، في ظل ما تشير إليه إحصائيات منظمة الصحة العالمية لعام 2018 بأن الأمراض غير المعدية مسؤولة عن حوالي 72% من إجمالي الوفيات في السلطنة، وما أشارت إليه نتائج المسح الوطني للأمراض غير المعدية الذي نفذته وزارة الصحة عام 2018 من أن وفيات أمراض القلب والأوعية الدموية بلغت ما نسبته 36% وشكلت المرتبة الأولى من بين الأمراض غير المعدية، ثم تلتها مجمل أمراض السرطان بما نسبته 11% كما بلغت وفيات مرض السكري بنسبة 8%.؛ كما كانت نسبة المصابين به في السلطنة 15.7 % من البالغين، وأنه يوجد أكثر من 7500 مريض سكري في السلطنة سنويا ونسبة ارتفاع ضغط الدم 33.3%، وارتفاع الكولسترول 35.5% ؛ وأشار إلى أن من بين الأمراض غير المعدية ” زيادة الوزن والسمنة المفرطة ، – التي صنفت كأحد الأمراض المزمنة – حيث تجاوزت نسبة السمنة 66%؛ كل ذلك وغيره يفرض اليوم معطيات جديدة على المنظومة الصحية التكيف معها، ولا يتم ذلك إلا بتعزيز كفاءة المنظومة بالتخصصات الطبية ، والكوادر الوطنية القادرة على رسم ملامح المنظومة مستقبلا، وما دام الأمر كذلك، فإن استغلال الفرص الناتجة عن المقاعد الدراسية أولوية في بناء المنظومة الصحية، وعبر تعزيز المدخلات البشرية القادرة على صناعة الفارق ، وتوجيه الجهود الوطنية في هذه الفترة إلى إعطاء هذه المنظومة بقطاعاتها المختلفة مساحة أوسع من الفرص الدراسية ، وتوجيه مخرجات دبلوم العام للدخول في التخصصات الطبية والوظائف الطبية المساندة وفق المعايير المعتمدة مع التحسين والاضافة وإعادة تقييمها، كونها مرتكزات للنهوض بهذا القطاع وتطويره ومراجعة التحديات المرتبطة بنقص العنصر البشري في المؤسسات الصحية والكفاءة التخصصية فيه.

من هنا يأتي تساؤلنا، إلى أي يمكن الاستفادة من الفرص الدراسية والمقاعد المطروحة في مؤسسات التعليم العالي الخاصة وجامعة السلطان قابوس وجامعة التقنية والعلوم التطبيقية والبعثات الخارجية في توجيه الاهتمام إلى التخصصات الطبية؟، فمع القناعة بأن استفادة جميع التخصصات من الفرص الدراسية وتحقق تكافؤ الفرص التعليمية أولوية وطنية، إلا أن الحالة الاستثنائية الصحية التي يمر بها العالم والسلطنة جراء جائحة كورونا ( كوفيد19) تفرض اليوم تبني سياسات أكثر عملية ومرونة في مراجعة معايير قبول الطلبة في التخصصات الطبية، والاستفادة من فرص ابتعاث الطلبة العمانيين للدراسة للخارج في التخصصات الطبية نظرا للحاجة الماسة اليها، إذا ما علمنا أن جامعة السلطان قابوس تقصر مخرجات الطب فيها على الطب العام دون غيره من التخصصات الطبية النوعية التي تحتاجها المستشفيات في التخصصات الطبية والطبية المساعدة مع التركيز على التخصصات الدقيقة التي تحتاج إليها السلطنة في ظل معطيات الحالة الصحية، سواء من الأطباء المتخصصين والاستشاريين أو الكوادر الطبية الأخرى في التخدير والجراحة والجينات وغيرها، هذا الأمر ينعكس أيضا على جامعة السلطان قابوس من خلال إعطاء فرص أكبر للمقاعد الدراسية لكلية الطب وكلية التمريض وتعزيز دورها ورفع سقف أدائها بشكل يعزز من فرص رفد المؤسسات الصحية بالكوادر الطبية المؤهلة، مع طرح تخصصات دقيقة جديدة في برنامجها الدراسي، وأن يعاد تحديث آليات القبول لها في الأعوام الخمسة القادمة بالشكل الذي يسهم في تغطية احتياجات السلطنة من التخصصات الطبية الكفؤة والمتخصصة والوظائف الطبية المساندة لها؛ فهل سيستفاد من التوسع في الفرص الدراسية الداخلية في منح التخصصات الطبية التخصصية النصيب الأكبر، أم سيظل الأمر على حالة دون أن تحرك أحداث الجائحة ومؤشر الأمراض غير المعدية، والأمراض المزمنة، أي ساكن في مسار إعادة هيكلة وإنتاج المنظومة الصحية الوطنية وتطويرها وتحسين أدائها لتلبية احتياجات السلطنة – كأحد طموحات رؤية عمان 2040؟

اترك رداً

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى