شخصية عمانية بارزة: تعرف على أول رئيس مجلس وزراء في السلطنة

 

أثير-تاريخ عمان

إعداد: د. محمد بن حمد العريمي

 

في إطار تناولها لسيَر الشخصيات العمانية السياسية والاقتصادية والاجتماعية والفكرية المختلفة؛ تقترب “أثير” في هذا التقرير من سيرة إحدى الشخصيات العمانية البارزة الذي كان لها حضورها البارز في العديد من الأحداث السياسية والاجتماعية في السلطنة خلال القرن العشرين، والذي تقلد منصب أول رئيس للمحكمة العدلية عام 1919م، وأول رئيس وزراء في تاريخ السلطنة السياسي الحديث عام 1920م.؛إنه السيد نادر بن فيصل بن تركي.

ولادته ونشأته

ولد عام 1307 هـ بقصر بيت العلم ونشأ وتربى في حضن والده السلطان، وتلقى مبادئ العلوم في مدرسة خاصة بالقصر، وفي مدرسة مسجد بيت الوكيل، ثم قرأ علم التجويد والرسم وبعض الرياضيات على يد الأستاذ السيد محمد بن علي بوذينة بمدرسته الأهلية، ثم طلب عالمًا خاصًا به من علماء عمان وهو الشيخ محمد بن شيخان السالمي، وقرأ عليه الفقه والنحو وبعض العلوم الأدبية، وفي خلال ذلك مارس ركوب الخيل والرمي حتى برع ومهر فيهما إلى حد الإعجاب مع شجاعةٍ وإقدام وكرم نفس وحسن أخلاق، وكان هو وأخوه السلطان تيمور عضدي أبيهما في كل مشروع، فشهد الوقائع الحربية وقاد الجيوش مع صغر سنّه، ولقب (بأبي سابور) نسبة للملك الفارسي الشهير، كما نلاحظ ذلك من خلال بعض تخميسات الشاعر (أبي الصوفي) في ديوانه المعروف.

ويذكر الباحث محمد بن أحمد التاجر في المقال الذي نشره موقع (قلعة التاريخ) الإلكتروني ويتناول سيرة السيد نادر بن فيصل، أن أحد شعراء ظفار قال بيت شعر ما يزال يتردد صداه على ألسنة الكثيرين هناك:

سيد نادر يا شب الخضر .. يشبه بو زيد وسط المدارة

والمقصود أن هذا الشاب الحنطاوي البشرة المائل للسمرة يشبه الفارس المشهور أبو زيد الهلالي في دلالة على شجاعة السيد نادر بن فيصل وإقدامه.

أدواره السياسية والعسكرية

عمل السيد نادر مستشارًا لوالده السلطان فيصل بن تركي وقائدًا لعساكره في بعض حروبه الداخلية، وتولى له ولاية سمائل إلى سنة 1331 هـ الموافق 1913م، ثم كان ينوب عن أخيه السلطان تيمور في فترات غيابه، وكان يشرف على مقابلة زوار البلاد، ويرتب أمور ضيافتهم وإقامتهم.

ومن أوائل الأحداث التي خاضها السيد نادر وتولى مسؤوليتها؛ مقتل قائد السلطان فيصل وواليه وسيف دولته سليمان بن سويلم في وادي العق سنة 1907م على يد قبيلة السيابيين لأسباب تناولتها عدد من كتب التاريخ العماني، فأرسل السلطان فيصل ابنه السيد نادر لتولي الأمر، حيث يذكر السيد محمد بن علي بوذينه في مدوّنته المخطوطة حول هذا الموضوع: “وفي عام 1325 هـ قتل القائد الباسل سليمان بن سويلم في داخلية عمان عند رجوعه من الشرقية فقتلته قبيلة من قبائل عمان من وادي سمايل فعمّ الخطب لدى جلالة السلطان فيصل وانبعثت الفتن والقلاقل في وادي سمايل فأرسله والده إلى بلد سمايل لتسكين حركاتها وإطفاء نار ثورتها والتفحّص عن القبيلة القاتلة للوالي سليمان والمتآمرين على قتله، فأقام هناك مدة حتى ظهرت له حقيقة الأمر وعرف القبيلة القاتلة فأرسل أفرادًا من عسكره فقتلوا زعيم تلك القبيلة وقفل راجعًا إلى مسقط”.

كما يشير الشيخ نور الدين السالمي في تحفة الأعيان إلى واقعة قتل الوالي سليمان بن سويلم ودور السيد نادر بن فيصل: ” ثم همّ السلطان بحرب السيابيين وسخط الأمير عليهم بما صنعوا حيث قتلوه وهو خارجٌ من بلاده وعنده وجوه قومه، وجاء شيوخهم ليرضوا الأمير فلم يقبل منهم، ثم رجعوا إلى بلادهم وكاتبوا السلطان فكتب لهم بالعفو في الظاهر وهو يريد أن يأخذهم بالحيلة، فرجعوا بكتاب السلطان إلى الأمير وأروه إليه وطلبوا منه المسامحة فسامحهم، ثم رجعوا إلى بلادهم وأخرج السلطان ولده نادرًا إلى سمائل وولاه عليها، وأظهر نادر أنه يأمر فيها وينهى وشدّ على أهل المناكر وهو مع ذلك يعمل الحيلة لرئيس السيابيين”

ويشير الباحث طارق العلوي إلى أنه عندما قامت إمامة سالم بن راشد الخروصي سنة 1913 وبدأ جيش الإمامة في التقدم نحو بعض المدن والمراكز الداخلية قام السلطان فيصل ببعض الخطوات الاستباقية خوفًا من تقدم تلك القوات تجاه مسقط ومطرح، فبعث ابنه السيد نادر إلى سمائل لدعم الحامية الموجودة في الحصن ولحماية الطرق الرئيسة بين الداخل والساحل.

رسالة من السلطان فيصل بن تركي إلى المقيم السياسي في بوشهر في 7 يوليو 1913. مكتبة قطر الرقمية

وفي 30 يوليو 1913م سقطت بدبد بيد قوات الإمامة وعندها أحس السيد نادر بن فيصل بصعوبة الحفاظ على حصن سمائل، لأن سقوط بدبد يعني قطع الإمدادات عن سمائل، فاتفق مع الشيخ عبدالله بن سعيد الخليلي على أن يسلمه الحصن ويخرج السيد نادر من سمائل ويبقى الحصن بيد الشيخ عبدالله لمدة خمسة عشر يومًا، وإذا تمكن السيد نادر من العودة يستعيد الحصن، أما إذا لم يتمكن فيسلم لقوات الإمام، وبهذا خرج السيد نادر من سمائل في 28 شعبان 1331هـ الموافق 2 أغسطس 1913م.

جزء من رسالة خان صاحب محمد سعيد إلى المعتمد البريطاني بيرتي كوكس. مكتبة قطر الرقمية

رسالة من السلطان فيصل بن تركي إلى المقيم السياسي في بوشهر في 31 يوليو 1913. مكتبة قطر الرقمية

 

وعندما زار الأمير فيصل بن عبد العزيز والشيخ أحمد الجابر الصباح مسقط في طريقهما إلى لندن عام 1919م كان السيد نادر بن فيصل من ضمن المستقبلين لهما وللحاشية التي كانت ترافقهما، وذلك بمعيّة أخيه السلطان تيمور بن فيصل الذي كان على رأس المستقبلين.

السيد نادر أثناء استقبال الأمير فيصل والشيخ أحمد الجابر. شبكة المعلومات العالمية

 

 

 

 

مجلس وزراء سلطان مسقط وعمان

شكّل السلطان تيمور بن فيصل أول مجلس وزراء في تاريخ عمان في محرم 1339هـ (أكتوبر1920م) برئاسة أخيه نادر، وذلك للإنابة عنه في إدارة شؤون البلاد أثناء وجوده خارجها، وأعطيت للمجلس صلاحية كاملة للتدخل في جميع أمور الدولة ما عدا الشؤون الخاصة بالسلطان ، وكان المجلس يجتمع مرتين في الأسبوع، وفي عام 1347 هـ ( 1929م ) عين السلطان تيمور ولده السيد سعيد بن تيمور رئيسا لمجلس وزراء عُمان.

وكان السلطان قد أرسل في 8 سبتمبر 1920، رسالةً إلى السيد محمد بن أحمد بن ناصر القائم بأعماله في مسقط يعلمه فيها بالأمر الآتي : ” لقد قررت تشكيل مجلس وزراء لإدارة حكومتي وينبغي على هذا المجلس أن يجتمع مرتين أسبوعيًا، وعيّنت لهذا الغرض أربعة أشخاص تقع عليهم مسؤولية الإشراف على حسن سير الأمور مع استثنائهم من بعض السلطات التي سأبينها لدى عودتي إلى مسقط، وما أريد حاليًا هو أن ينفذ الوارد أعلاه، على أن يتألف المجلس من أخي نادر، ومحمد بن أحمد والي مطرح، والشيخ راشد بن عزيّز، والحاج زبير بن علي، وعلى أن يوكل إلى أخي نادر رئاسة المجلس دون أية سلطة خاصة مستقلة عن المجلس، وتكون أصوات الأربعة متساوية، كما ينبغي استشارة ممثل الحكومة البريطانية في الأمور الهامة”

موسوعة عمان الوثائق السرية، الجزء الثاني

وكان مجلس الوزراء يدير شؤون حكومة مسقط الإدارية والسياسية خلال الفترة من 1920 – 1932، وقد قام خلال تلك الفترة الزمنية بالعديد من الأعمال، وحقق العديد من المنجزات، وفي أحد التقارير البريطانية حول الأوضاع في مسقط بتاريخ 9 ربيع الأول 1347هـ الموافق 25 أغسطس 1928 م، تتناول الأوضاع الإدارية في عمان، أوضحت أنه بعد تأسيس المجلس تحسن المستوى الإداري في السلطنة، وارتفعت نسبة الكفاءة في إنجاز الأعمال الإدارية. ومن بين الجهود التي قام بها السيد نادر أثناء رئاسته للمجلس زيارته إلى خصب في 14 أغسطس 1921 للنظر في شؤون الرعايا

في 25 شوال 1343 هـ الموافق 18 مايو 1925 تم توقيع امتياز النفط لمدة عامين مع شركة دارسي المحدودة   Darcyواعتمد هذا الامتياز من قبل السيد نادر نيابة عن السلطان الذي كان قد فوّض السيد نادر بن فيصل ومجلس الوزراء، في رسالة منه إلى المجلس بتاريخ 13 رمضان 1343 هـ الموافق 6 أبريل 1925م، للتوقيع على هذه الاتفاقية لوجود السلطان في الهند.

رئاسة المحكمة العدلية

بناءً على مشروع الرائد هاورث Haworth الوكيل السياسي في مسقط عام 1918 الذي ورد ضمن تقرير الرائد ميرفي الوكيل البريطاني في مسقط، الذي يعود إلى عام 1927، والمرسل إلى المعتمد السياسي في بوشهر، والمتضمن مجموعة من الإجراءات التي تضمن تحسين الخدمات في حكومة مسقط، ومن بينها إقامة وتنظيم محاكم تجارية ومدنية في الدولة لتحسين النظام القضائي، فقد شرعت حكومة مسقط في تأسيس محكمة قانونية – نظامية في مسقط عام 1919م، ترأسها السيد نادر بن تيمور.

ويذكر بوذينه في مخطوطه أنه ” في سنة 1337 حادي شعبان أنشأ جلالة السلطان المحاكم المنتظمة فكان السيّد نادر هو الرئيس والناظر”.

جمعية الإخاء

في عام 1910م تكونت (جمعية الإخاء للتنمية) برئاسة السيد تيمور بن فيصل ولي العهد، وعضوية عدد من كبار المسؤولين والتجار، وكان السيد نادر نائب رئيس الجمعية، وقد تمكنت الجمعية من إنشاء عدد من المشاريع المهمة وقتها.

ويعد مشروع (معمل الثلج الوطني بمسقط) الذي وُضع حجر أساسه في عهد السلطان فيصل بن تركي عام 1911، وأسهم فيه نخبة من الشخصيات العامة تحت مظلة جمعية الإخاء الوطنية، من أبرز المشاريع الرائدة التي تدل على مدى رغبة سلاطين عمان في مواكبة التطوير الحاصل في المجالات الاقتصادية.

وثيقة خاصة بافتتاح معمل الثلج في مسقط. كتاب عمان منذ الأزل ج2

 

دوره في تقلد السلطان سعيد السلطنة

كان للسيد نادر بن فيصل دورٌ كبير في سلاسة انتقال السلطنة من السلطان تيمور بن فيصل إلى ابنه السلطان سعيد بعد تنازل الأول للثاني في فبراير عام 1932، وقد أشارت جريدة (الجامعة العربية) التي كانت تصدر من فلسطين في تغطيتها لمراسم انتقال السلطنة إلى السلطان سعيد بن تيمور بعد تنازل والده، وذلك في عددها الصادر بتاريخ 24 شوال 1350هـ، أنه عقب الانتهاء من تلاوة الصك المذكور قام كبير أمراء العائلة السلطانية سمو السيد نادر وقال: “سمعنا الأمر الكريم الصادر عن عظمة أخينا السلطان وسنطيع ما جاء فيه وننفذه بحذافيره”، ثم تقدم هو والأخ الثاني لعظمة السلطان وهو الأمير حمد بن فيصل من صاحب السمو الأمير سعيد وقالا له: “إننا نرجو أن يشرفنا صاحب العظمة فيتكرم بارتقاء أريكة السلطنة ونحن أول من يبايعه”.

كما أشارت الجريدة إلى أنه بعد جلوس السلطان على الأريكة وقف سمو الأمير نادر أكبر الأمراء سنًا وقال موجهًا الكلام للسلطان: ” بالأصالة عن نفسي وبالنيابة عن إخواني أفراد العائلة السلطانية أقدم شكرنا وخضوعنا لعظمتكم وسنكون نحن أول ما يطيع ما تأمرون به، فنحن عضدكم وسندكم، وإننا على استعداد لأن نفديكم بالأموال والأرواح، وإننا جميعًا تحت إرادتكم ومطلق تصرفكم”.

السيد نادر بن فيصل يلقي خطاب تنصيب السلطان سعيد بن تيمور عام ١٩٣٢ نيابةً عن العائلة المالكة. كتاب عمان منذ الأزل ج2

خبر منشور في جريدة (الجامعة العربية) يتناول مراسم انتقال السلطة في عمان عام 1932

 

اهتمامه بالأدب

عرف عن السيد نادر بن فيصل اهتمامه بالأدب لا سيما وأنه نشأ في وسط ثقافي زاخم في ظل وجود العديد من الأدباء والشعراء والمثقفين في بلاط والده السلطان فيصل بن تركي، عدا الأدباء والمفكرين والسوّاح العرب والمسلمين الذين كانوا يفدون على مسقط من وقتٍ لآخر؛ الأمر الذي وسّع من مدارك هذا السيّد وأكسبه ثقافةً واسعة.

ويشير الباحث محمد بن أحمد التاجر في المقال الذي نشره موقع (قلعة التاريخ) أن ” السيد نادر كان محبًا للشعر والأدب، مقربًا لشعراء عصره، ومن أبرزهم أستاذه أمير البيان محمد بن شيخان السالمي، والشاعر أبي الصوفي، والشاعر مبارك بن حمد العقيلي، وغيرهم من رموز الشعر وقتها، وقد حفظ كثيرًا من أخبار العرب وأشعارهم، وكثيرًا ما كان يستشهد بها في مجالسه، كما كان عارفًا بتاريخ عمان، يسرد المفاخر منه لجلاس بلاط بيت العلم وبرزة داره، كما كان للتاريخ العربي والإسلامي حضور في فكر السيد نادر وتكاد لا تفوته قصص الفتوحات والنصر التي كان حافظًا للكثير منها، فكان يذكر التاريخ المشرف الذي يجذب ويطرب له كل سامع ومحب”.

وقد حوى ديوان (أبي الصوفي) وهو أحد الشعراء الذين اقتربوا من سلاطين عمان فيصل بن تركي، وتيمور بن فيصل، وسعيد بن تيمور، على العديد من التخميسات الشعرية استجابةً لرغبة السيد نادر بن فيصل في إشارة إلى سعة اطلاعه واهتمامه الأدبي ومن بينها:

زيارة الزعيم الباروني

في أواخر ذي الحجة من عام 1342 هـ الموافق أغسطس من عام 1924م بدأ الزعيم الليبي زيارته إلى عمان بعد أن سمح له الإنجليز بذلك بسعيٍ من حكومة الملك الحسين بن علي الهاشمية، وقد وصل الباروني إلى مسقط في مطلع شهر محرم حيث أقيمت له حفلات الاستقبال، ووصلته رسائل الترحيب من السلطان تيمور والإمام محمد بن عبد الله الخليلي، وتسابق السادة وشيوخ القبائل على تقديم الدعوات له.

وفي 7 محرم 1343هـ أقام السيد نادر بن فيصل أخو السلطان تيمور ووكيله بمسقط مأدبة ملوكية فاخرة للباشا الباروني حضرها الوزراء والعلماء والولاة كافة في قصره العامر، وقيلت فيها خطب وقصائد بليغة من بينها قصيدة للشاعر الشيخ أبو سلام سليمان بن سعيد بن ناصر الكندي رفيق الباروني في تنقلاته.

وفي 30 محرم من السنة نفسها حضر سليمان الباروني وليمةً في مطرح أقامها واليها ووزير المالية في مجلس الوزراء السيد محمد بن أحمد الغشّام، دعا إليها عددًا من الشخصيات من بينهم سمو الأمير نادر وكيل جلالة السلطان، وأصحاب السمو أمراء العائلة السلطانية، والوزراء والعلماء وأعيان مسقط ومطرح.

ويصف الباروني تلك الوليمة بقوله: ” وما وصلت الساعة السادسة حتى بدأ المدعوون يفدون في زوارقهم على مرسى مطرح والأهالي من كبيرٍ وصغير واقفون صفوفًا يحيونهم، وفي الساعة السابعة وصلنا نحن والأمير نادر والسيد علي بن سالم أكبر أمراء العائلة سنًا في زورق خاص بالأمير نادر، وراية المملكة الحمراء ترفرف فوق رؤوسنا، وبعد أن استقبلنا الحاضرون على الرصيف قصدنا محل الضيافة وهو قصرٌ جميل..”.

كما يذكر السيد محمد علي بوذينه في مخطوطه حول الزيارة: ” وما نزل بمحل إقامته حتى هرع إليه الوفود من كل الطبقات وفي مقدمة الكل صاحب السمو الأمير السيد نادر وأخو صاحب الجلالة، فقد كان في انتظاره مع أمراء العائلة السلطانية، ثم تتابعت وفود العلماء والأعيان يوميًا من البلاد القريبة من مسقط، وفي اليوم السابع أدّب سمو الأمير السيد نادر مادبةً فاخرة ملكيّة في قصره العامر دعا إليه الوزراء وأمراء العائلة وبعض الولاة والعلماء..”

زيارة صاحب المنار

زار السيد محمد رشيد رضا صاحب مجلة (المنار) وأحد أبرز رجال الإصلاح في النصف الأول من القرن العشرين مسقط في جمادى الأولى 1331هـ / أبريل 1913 قادمًا من مومباي، وهناك التقى بالسلطان فيصل بن تركي وعددا من أفراد الأسرة المالكة وشخصيات مسقط البارزة، ومن بين من التقى بهم السيد نادر بن فيصل الذي ذكره في أكثر من موضع عند حديثه أو إشارته إلى تلك الرحلة؛ فيذكر عند وداع السلطان له: “ثم نزلنا إلى البحر فودعني السلطان على رصيف قصره ونزل معي في زورقه البخاري جميع من كان ثَم من أنجاله الكرام وهم خمسة أكبرهم السيد نادر، ومعهم بعض كتابه وحاشيته ومن سوء حظي أن كان ولي عهده السيد تيمور مسافرًا فلم أره، وظل
هو واقفًا على الرصيف حتى بعُد الزورق عنه، فودعته الوداع الأخير بالإشارة.

كما أشار رضا في رحلته الحجازية إلى تعرض إبريقه الأثير الذي كان السلطان فيصل بن تركي قد أهداه إياه أثناء زيارته إلى مسقط للكسر أثناء تلك الزيارة، وأن ابنه السيد نادر قائد الجيش كان قد أهداه إبريقًا آخر وهو الذي استخدمه في رحلته إلى الحجاز: “ولكن نجله البر الوفي صديقي السيد نادر قائد الجيش الأول لسلطنة مسقط أهداه إليّ إبريقًا
آخر عوضًا عنه، وهو الذي كان معي في الحجاز”.

أنشطة اجتماعية

كان للسيد نادر بن فيصل العديد من الأنشطة الاجتماعية وقد أشرنا إلى بعضها من خلال ذكر زيارات بعض الشخصيات مثل صاحب مجلة المنار محمد رشيد رضا والزعيم سليمان الباروني، واستقبال السيد نادر لهم، وغيرها من الأنشطة الاجتماعية.

وهناك رسالة من السيد نادر بن فيصل بن تركي إلى الشيخ عيسى بن علي آل خليفة مؤرخة في ٣٠ صفر ١٣٤٣ هجري الموافق أكتوبر ١٩٢٤ عندما كان رئيسًا لمجلس الوزراء ‏تتعلق بسفر الوالي مظفر بن سليمان إلى البحرين لتلقي العلاج، وسفر السيد أحمد بن بدر بن سيف للبحرين.

 

ونشرت مجلة (اللطائف المصورة) المصرية في عددها الصادر بتاريخ ٢٤ أكتوبر ١٩٣٨م عددًا من الأخبار الاجتماعية والسياسية عن عمان من بينها خبر عن وليمة عشاء أقامها السلطان سعيد بن تيمور للسير تويتشارد فاول” قبل جولة جلالته في الولايات المتحدة وأوروبا واليابان ما بين عامي 1937 و1938، وكان السيد نادر من ضمن حضور المأدبة.

 

 

 

 

كما نشرت جريدة الفلق في العدد 587 الصادر بتاريخ 6 ابريل 1940م خبر وصول حصان عربي هدية من السيد نادر بن فيصل إلى السلطان خليفة بن حارب سلطان زنجبار.

وأوردت جريدة (الفلق) كذلك خبرًا آخر عن وصول الشيخ هاشل بن راشد المسكري إلى مسقط ونزوله ضيفًا على سمو الأمير السيد نادر بن فيصل لمدة ثلاثة أيام، وأنه نال حفاوةً كاملة من سمو السيد وأخيه سمو السيد حمد بن فيصل.

بيت السيد نادر

كان للسيد نادر بيت كبير مقابل مسجد بيت الوكيل في حي القصر بمسقط، وعاشت بمعيته في هذا البيت الكبير البارز، بحسب ما يذكر الباحث محمد بن أحمد التاجر في المقال المنشور بموقع (قلعة التاريخ) الإلكتروني، أسرته المكونة من زوجه السيدة خولة بنت علي بن سالم آل سعيد، وابنتهما السيدة مزنة، وقد خطب السلطان تيمور ابنة أخيه مزنة لابنه وولي عهده السلطان سعيد بن تيمور، فهي ابنة عمه وابنة خالته كذلك حيث إن أم السلطان سعيد هي السيدة فاطمة بنت علي بن سالم، ولكن لم يكتب لهذه الخطبة أن تكلل بالنجاح.

وقد عاشت السيدة مزنة في بيت والدها الذي كان بمثابة بيت العائلة المفتوح لعددٍ من أفراد الأسرة المالكة الذين نشأوا وترعرعوا في ذلك البيت في ظل الاهتمام والرعاية التي كانت توليها السيدة مزنة بنت نادر لهم.

وعند قدوم السلطان تيمور إلى عمان عام 1945 كان بيت أخيه السيد نادر هو مقامه ومزار ضيوفه وصحبه، وبقي السلطان تيمور في بيت أخيه إلى أن عاد إلى الهند.

يقع البيت داخل رقعة مسقط على الشارع الرئيسي بالقرب من الباب الكبير، وهو مبنى مستطيل الشكل بواجهة متناسقة ومدخل مركزي مقنطر، ويقال إن تاريخ بناء البيت يعود إلى الثلث الأول من القرن التاسع عشر، وقد استخدم لفترة بعد وفاة السيد نادر كمكتب مؤقت لوزارة المواصلات في السبعينات من القرن العشرين، كما استخدم كمقر لهيئة جمع المخطوطات العمانية عند تأسسها عام 1974 حتى عام 1976، ولاحقًا كمتحف.

صورة لبيت السيد نادر تعود إلى عام 1969. كتاب مسقط (ذاكرة عمان المصورة)

صورة أرشيفية لبيت السيد نادر تعود إلى عام 1975. تصوير جي إي بيترسون

 

 

صورة إرشيفية حديثة لبيت السيد نادر. شبكة المعلومات العالمية

 

مدرسة السيد نادر بن فيصل

بدأ التعليم في هذه المدرسة في عهد السلطان السيد سعيد بن تيمور وكان من مدرسيها الشيخ أحمد بن سليمان بن زهران الريامي حيث كان يقوم بتدريس القرآن الكريم والتوحيد والفقه واللغة العربية والحساب وقد جمعت المدرسة عددا من البنين والبنات وشكل طلبة هذه المدرسة مع طلبة مدرسة مسجد الخور المدرسة السلطانية الثانية في عام 1935م.

المرض

داهمت السيد نادر بن فيصل عددٌ من الأمراض أدت به إلى الابتعاد عن المشهد السياسي لفترات من الزمن والتخلي عن بعض المناصب، ففي عام 1926 تخلى عن منصب رئاسة الوزراء لنائبه السيد محمد بن أحمد الغشام واعتزل الوظائف العامة؛ ففي خطابٍ أرسله السلطان سعيد بن تيمور إلى الحاج الزبير بن علي وزير العدلية وعضو أول مجلس وزراء في عمان بتاريخ السابع من رمضان 1357 هـ الموافق 31 أكتوبر 1938، هناك إشارة إلى سفر عمه السيد نادر بن فيصل لبومباي للمعالجة، بسبب مرضه في الفترة الأخيرة، وإصابة رجله ويده اليمنى برعشة، ووجود ثقل في الكلام، ودوران في الرأس، مما حدا بدختر (طبيب) مسقط إلى أن يطلب منه السفر للعلاج في الهند.

أرشيف بيت الزبير

وفي خطابٍ آخر يعود إلى 22 رمضان 1357هـ الموافق 16 نوفمبر 1938م مرسل من السلطان سعيد إلى الحاج الزبير بن علي يشير السلطان كذلك إلى سفر عمه السيد نادر قبل حوالي شهر من ذلك التاريخ.

أرشيف بيت الزبير

كما أوردت جريدة (الفلق) الصادرة من زنجبار في عددها بتاريخ 11 مارس 1944 خبرًا يتناول سفر الأمير نادر بن فيصل إلى الهند للاستجمام والراحة واستشارة بعض أطباء بومبي، وسيمكث سموه حوالي أربعة أشهر.

الفلق 11 مارس 1944

وفاته

عمّر السيد نادر طويلًا دون مشاركة سياسية في عهد ابن أخيه السلطان سعيد بن تيمور، إلى أن توفي في عام 1970.

وفي هذا الصدد يشير الباحث محمد التاجر أنه “ كان للسيد النادر مقامه ومكانته في أركان الحكومة وبيت العائلة المالكة حاضرة، ولم يحتجب عن المجتمع إلا في أواخر الستينات من القرن العشرين بعد مداهمة أمراض الكبر والشيخوخة له، فوافاه الأجل المحتوم في شهر ذي القعدة عام 1389/ 1970، وتلقى ابن أخيه السلطان سعيد التعازي من الأسرة المالكة وأعيان عمان”.

السيد نادر بجوار السيد أحمد بن إبراهيم أثناء توجههم لأداء صلاة عيد الأضحى 1967 في مسجد الخور. كتاب مسقط (ذاكرة عمان المصورة)

نيشان الشرف السعيدي

أشار الباحث محمد التاجر إلى أن السلطان تيمور بن فيصل كان قد قلّد أخاه السيد نادر نيشان الشرف السعيدي من الدرجة الأولى تقديرًا لأفعاله وأدواره الوطنية.

 

 

المراجع

  • أبي اليقظان الحاج إبراهيم. سليمان الباروني باشا في أطوار حياته، ج1، بدون دار نشر، 1955.
  • بوذينة، محمد بن علي. مدونة مخطوطة غير منشورة.
  • التاجر، محمد بن أحمد. أمير من دولة البوسعيد: السيد نادر بن فيصل. موقع قلعة التاريخ الالكتروني، 6 مايو 2020.
  • الحارثي، محمد بن عبد الله. موسوعة عمان الوثائق السرية، المجلد الثاني ، مركز دراسات الوحدة العربية، بيروت، 2007
  • الرحبي، فهد بن محمود. عمان في عهد السلطان فيصل بن تركي، دار الانتشار العربي، بيروت، 2018.
  • رضا، محمد رشيد. مجلة المنار، جزء 1، مجلد 15، يناير 1912، ص32.
  • رضا، محمد رشيد. مجلة المنار، جزء 5، مجلد 16، 7 مايو 1913، ص397-398.
  • رضا، محمد رشيد. مجلة المنار مجلد رقم 20،ذو القعدة – 1335هـرحلة الحجاز ـ
  • السالمي، نور الدين. تحفة الأعيان بسيرة أهل عمان، ج2، المطبعة السلفية بمصر، القاهرة، 1347 هـ.
  • العلوي، طارق بن خميس. العلاقة بين الإمامة والسلطنة في عمان، دار الفرقد، دمشق، سوريا، 2013.
  • المجيزي، سعيد بن مسلّم. ديوان أبي الصوفي، تحقيق الدكتور حسين نصّار، ط2، وزارة التراث والثقافة، مطابع النهضة، مسقط، 2004.
  • مكتبة قطر الرقمية. عدّة تقارير تتناول الوضع في عمان في النصف الأول من القرن العشرين، ومطلع القرن العشرين، https://www.qdl.qa
  • الموسوعة العمانية. السيد نادر بن فيصل، المجلد العاشر، ص3585، وزارة التراث والثقافة، مسقط، 2013.
  • أعداد متنوعة من جرائد الفلق، الجامعة العربية، مجلة اللطائف المصورة.
  • الصور والوثائق من: هيئة المخطوطات والوثائق العمانية، كتاب مسقط للمؤلفين عباس غلام رسول الزدجالي وعبد الرحمن السالمي، كتاب عمان منذ الأزل، شبكة المعلومات العالمية، وثائق أرشيف بيت الزبير.

 

اترك رداً

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى