أثير- الروائي العربي واسيني الأعرج
واضح من العنوان أن فكرة الحوار تخفي أكثر مما تظهر. هناك عامل مهم، كثيرا ما يغيب عنا. عندما نقول “حوار” نفترض علاقة توافقية لا يوجد فيها قوي وضعيف وإلا فالحوار لن يقوم. لكن الواقع الموضوعي اليوم شيء آخر، فهل يمكن للحوار أن يقوم في ظل علاقات اليوم المرتبكة كليا، داخل منطق القوي والضعيف؟ قد يقول قائل حتى في وضع غير عادل كهذا، يجب أن يحضر الحوار، فهو قبل أي شيء آخر، حاجة بشرية عميقة، لا يوجد لها بديل إلا الغطرسة والحروب ومنطق الغاب، القوي يبيد الضعيف. لكن، لا يمكن الهرب من الحقيقة الموضوعية. ما معنى الحوار الثقافي في ظل عالم متوتر وغير متوازن، بنى كل مشاريعه على القوة، في فترة الاستعمارات الكبرى والحروب الباردة المتكررة؟ الضعيف غير محسوب فيه إلا عندما يستعمل كل طاقاته الكامنة وذكاءه الطبيعي المرتبط بغريزة حب البقاء، فيشوش على القوي ويدفع إلى التفكير وبعض التنازل عن يقينيات القوة. وهل هو ضرورة إنسانية اليوم، في ظل التطرف الديني، الصراعات الهوياتية الكبيرة، التمزقات داخل البلد الواحد، والحروب المشتعلة هنا وهنا حيث يشكل العالم العربي اليوم وقودها الأساسي لدرجة أن أصبح هذا العالم تحت الأرض في مجمله منذ ما لا يقل عن عشرين سنة بلا توقف، والحروب الكونية النووية التي تنتظر لتجهز على ما تبقى من إنسانية الإنسان والعودة إلى البدائيات الأولى. اليوم، البشرية على حافة قطبين حيويين: إما حوار حي تجد فيه الثقافات مكانها الطبيعي، وإما حروب مدمرة لاسترداد حق في التعبير يتم اليوم محوه أو ابتذاله.
لكن للحوار شرطياته الأساسية التي لا يمكن أن يقوم بدونها، بل هي من أساسياته. الحوار الثقافي جيد ومطلوب عندما يتأسس على معادلة الاعتراف المتبادل، أي إن المحاوِر (بكسر الواو) والمحاوَر (بفتح الواو) يقعان في نفس السوية والمستوى حتى ولو كان أحدهما أكثر تطورا وتقدما من الآخر.
الحقيقة الموضوعية شيء آخر، مرة. هناك تراتبية القوة. كل شيء يفرض على الضعيف وعليه أن يقبل به، وليس الحوار في النهاية أكثر من وسيط مشروع لتمرير خطاب الهيمنة. في العالم العربي، مركز اهتمامات القوى المهيمنة، كل شيء يفرض عليه مشفوعا برؤية مسبقة بما في ذلك محاورة الآخر من موقعي الأقوى والأضعف، لهذا يجد العرب أنفسهم وسط مساحة من الظلم الكبير، كلمتهم غير مسموعة، مطالبهم لا تهم أحدا على الرغم من مشروعيتها، داخل المبادرات بدون أن يكون لهم دور فيها ولو ثانوي. قد يكون الغرب بشكليه البشع والإنساني هو من يقوم بذلك. السؤال الكبير ليس هنا إذ يكاد يكون الأمر عاديا في ظل الهيمنة والغطرسة، لكن في السؤال التالي: هل نستطيع على الأقل أن نقرأ أنفسنا في ظل هذه النقاشات؟ هل تهمنا هذه الأخيرة أصلا؟ الغريب أن بعض ردود الأفعال العربية قد تحولت إلى سجالات مفرغة في العمق، ولا تحكمها حتى إرادة الفعل. قبل شهور، كنت بصحبة أديب مغاربي يكتب باللغة الفرنسية، في ندوة بإحدى المدن الأوروبية، لا يهم اسمه بقدر ما يهم فعله. قال وهو ينتقد القصور العربي: العرب معطلون كليا. علينا أن ننتبه لمشكلات إنسانية كبيرة تعترض تطورنا: مشكلة أفغانستان، ومشكلة التيبت Le Tibet التي ليست بعيدة عنا، حقوق الإنسان في الصين؟ القنبلة النووية في إيران؟ وتهديداتها للبلدان المحيطة بها، الإبادات الجماعية التي تدور رحاها في تلك البلدان؟ بشكل لاشعوري قلت متمما كلامه: ومشكلة الاستعمار الحديث الذي ليس قباعات جديدة، محنة الشعب الفلسطيني الذي يعاني محرقة جديدة أبطالها الذين غيروا التاريخ والجغرافيا والخرائط، ومزقوا الأمم، وأفقروا العقل العربي وذبحوا أرضه، ما يزالون بيننا إلى اليوم ويمكن محاكمتهم. من حق القانون الدولي أن يضع أي طاغية في مدار القانون، ولكن لنتفق أن القانون يسري على الجميع ولا يوجد من هو خارجه. ألم يتم تحطيم العراق بحجة النووي التي تكشفت كذبتها؟ من يعيد للمليون عراقي الذين أبادهم الاحتلال الأمريكي، حياتهم؟ من يحاكم بوش الابن مثلا؟ كنت أظن أن صاحبي نسي سهوا هذه التفاصيل في عرض حديثه السريع؟ قال وهو يخرج عنقه أكثر بمزيد من اليقين: فلسطين، قضية أخرى أكثر تعقيدا؟ على الفلسطينيين أن يدركوا أن النار لا تخدمهم وعليهم أن يقبلوا بالموجود؟ قلت وأنا أحاول أن أكون متزنا: والبلدان التي ذكرتها أليست الوضعيات معقدة ويصعب الحكم عليها انطلاقا من الرؤية المتسيدة للإعلام؟ قال: القضية الفلسطينية لا تحل إلا بحل إرهاب حماس وحواشيها؟ طيب، قلتُ: وإرهاب الدولة المبني على قناعات صهيونية توسعية يظلم فيها حتى اليهودي الطيب الذي لا يطلب أكثر من أن يعيش في أمان؟ التفت نحوي هذه المرة، ثم واصل حديثه وكأني لم أكن موجودا أبدا بجواره مفصلا في القنبلة النووية الإيرانية التي ستفتك بالجميع إذا لم تتحرك المنظومة الدولية لتوقيفها. لم أشأ هذه المرة أن أطرح مشكلة مفاعل ديمونة الذي أنتجت إسرائيل من خلاله، وبحماية كلية من سدنة القانون الدولي، مئات القنابل النووية التي تنتظر أي عربي يجرأ أن يرفع رأسه.
هذه اليقينيات أعادتني إلى الأسئلة الثقافية القلقة التي تخترق المثقفين ولا يتفطنون أحيانا لمصدرها. المشكل ليس في الرأي الخاص ولكن فيمن يتخفى وراءه؟ للنقاش مساحات مسبقة. من يحددها اليوم ومن يتحكم فيها؟ من يقودها وما هي إستراتيجياته والخواتم التي يستهدفها؟ لا يوجد شيء بريء وربما كان على مثقف اليوم أن يتنبه قبل أن ينخرط في نقاشات ويقينيات هي في الجوهر ضده. مشكلات كثيرة تحتاج إلى الانتباه والحذر على الرغم من صدق نواتها وجوهرها: الديمقراطية؟ الإرهاب؟ الدين؟ الدولة؟ الصراع الدولي؟ حماية البيئة؟ المجتمع المدني؟ حقوق الإنسان؟ وغيرها؟ طبعا لا نرفض بشكل أعمى الخوص في هذه المسالك الصعبة، لأن هذه مشكلات حقيقية في بلداننا المتخلفة والتي منذ قرن على الأقل وهي تعيد إنتاج تخلفها. فهي تدور في حلقات توضع فيها بدون دراية ولا استعدادات حقيقية. تلبس الديمقراطية عند الحاجة، وتأبى أن تتخلى عن نظمها السلالية. تقبل بحقوق الإنسان وتدفن من تشاء في غياهب السجون والمعتقلات. أحيانا لا تسجن حتى لا يحسب ذلك عليها ولكنها تنظم المقتلات بنباهة عالية. تقبل بالعدالة شرط أن تطلق يدها ويد كارتيلاتها التي تربت في حماها وحضنها. تفعل اليوم ما فعلته بالإسلام قبل قرون، بعد أن أفرغته من محتواه الإنساني وحولته إلى آلة ضالة وبليدة للانصياع والقتل والإجرام، وبالاشتراكية التي اعتنقتها بسرعة قبل أن تكسرها ويستفرد مناضلوها؟ بأسواق البلاد والتجارة الخارجية. حتى الليبرالية لم تنج من عملية المسخ، فقد تحولت إلى مجرد غطاء عظيم للنهب والسرقة الموصوفة المغطاة بالقانون. هذه مجرد أمثلة عن التسللات التي تفرغ كل حوار من جوهره. تهمنا، طبعا، مساحات المحاورة على الأقل في أجزائها الحيوية. منظومتنا السلطوية في الدولة ناشئة ولهذا فهي تحمل كل سلبيات النشأة الطبيعية يضاف لها غياب الاستراتيجيات الفعلية. المحاورة في هذا الموضوع ليس هدفها فقط تبيان ازدواجية المكيال، ولكن أيضا الإقرار بضعف البنيات العربية ومؤسساتها السياسية والثقافية والاجتماعية. فهي غير قادرة على حماية مواطنيها وحدودها. السياسة كهاجس وكممارسة، كثيرا ما تكون مشتركة في الجريمة لأنها تبررها وتتستر عليها. وحده الأدب يخترق دائما، بجرأته المعهودة، الزيف الذي لا قوة تبرره إلا الهيمنة والسيطرة. هو الأقدر دوما وتاريخيا، على وضع كل شيء في الواجهة من خلال أدواته الفنية الخالدة، وفي متناول القراء. ماذا تقول رواياتنا العربية الحديثة سوى فضح آليات مجتمعات تختزل حق المواطن في التعبير عن رأيه وحقه في العيش كأي كائن على وجه هذه الأرض. قد تبدو الروايات مغالية في بعض انتقاداتها أو دون المشكل الذي تتطرق له، ولكنها في جوهرها تدافع كلها عن حق الإنسان في ألا يخسر إنسانيته في مجتمعات لا تجد أي حرج في تغيير قوانينها لتثبيت ما تريد ترسيخه. لا نستطيع اليوم أن نكتفي بالقول إن الغرب هو المتسبب في مآسينا الكثيرة، ولا يمكن أيضا أن نبرئه مما يحصل من انكسارات متكررة. نحتاج عربيا تحديدا، إلى فتح مساحات الحوارات التي تهمنا لنقول ما نفكر فيه دون ملاحقات محتملة. غير ذلك، ستظل قضايانا الكبرى، رهينة مساحات يحددها الآخرون وبالشكل الذي يشاؤونه. للعرب الحق في أن يكون لهم مكانهم الحقيقي في عالم تأسس على القوة والظلم. لا ينقصهم شيء للوصول إلى ذلك. خيراتهم وعقولهم التي كونوها على مدار القرن الأخير، تؤهلهم لذلك. ومع ذلك، ليس الأمر مسلمة في ظل الوضع العربي المعقد الذي تخترقه الكثير من أمراض العصر التي لم تحل بتعقل وتسببت في التمزقات الوطنية والقومية الكبرى: مشكلات التنمية، قلق الهويات الاثنيات التي استيقظت بعنف في السنوات الأخيرة، الديمقراطية، الشمولية والثورات التي لم تصل إلى منتهاها.