تفاصيل الحوار الأول لـ السلطان مع الصحافة العربية

 

 

 

 

 

 أثير – تاريخ عمان :

 

 

 

يعدّ الحوار الذي أجراه الصحفي المصري ممدوح رضا  مع جلالة السلطان قابوس بن سعيد المعظم أول حوار لجلالته  مع الصحافة العربية ، وقد تم نشر هذا الحوار في جريدة الجمهورية يوم الخميس 8 يوليو عام 1972م.

 

 

يقول ممدوح رضا :

 

قال لي جلالة السلطان قابوس وهو يدعوني للجلوس إلى جواره في القصر بقاعة الإستقبال التي يكسو مقاعدها الجلد الأحمر :

 

إنني سعيد بأن تكون أول صحفي عربي مصري أستقبله وأتحدث إليه، ولك أن تسأل ما تشاء .

 

ـ الصحفي :  جلالتكم.. بعد عمليات الإصلاح التي قمتم بها لتصحيح الأوضاع في عمان، حدثنا عن مستقبل البلاد  ؟

 

ـ جلالته وهو يبتسم : ” تصورنا لمستقبل بلادنا أن يكون مستقبلا طيبا فنحن نأمل إذا ساعدتنا الظروف أن نلحق بركب التقدم ونأخذ مكاننا في الصف العربي وبين الدول الراقية.

 

إننا نسعى للسير ببلادنا نحو الإزدهار، ولكن هذا الأمر لا يمكن تحديده بفترة زمنية محددة، وكل ما نستطيع عمله هو السير في الطريق المؤدي إليه “.

 

ـ الصحفي : ما هو تصوركم لدور عمان بعد هذه الحركة  بالنسبة للعمل العربي، ومنطقة الخليج، والدول المحيطة بها ؟

 

ـ جلالته : ” أنا في الوقت الحاضر في بداية طريق البناء الداخلي وهذا البناء يتطلب وقتا حتى يلمس الشعب نتائجه، وبعد أن يكتمل بناؤنا الداخلي سيكون لعمان دور فعال مع الشقيقات العربيات.

 

أما بالنسبة لمنطقة الخليج وشعبها فنحن كما تعلم جيران، وشعبنا شعب واحد، ولن ندخر أي وسع للمساعدة أو المساندة في حدود ما يمكن القيام به من أجل المصلحة العامة ،وبالنسبة للدول المحيطة بنا فنحن نحرص  ونحرص على أن تربطنا علاقة صداقة مع كل من يرغب بمصادقتنا ” .

 

ـ الصحفي : ما هي وجهة نظر جلالتكم في الظروف الحرجة التي يمر بها موضوع اتحاد إمارات الخليج، وكيف يمكن التغلب على هذه الظروف في تقديركم ؟

 

ـ جلالته : ” صحيح أنها ظروف حرجة، ولكن بداية العمل للتغلب عليها توافر النوايا الحسنة لدى الأطراف المعنية ونبذ أي خلافات أو أي نوع من الرواسب السابقة التي تضعف تعاونهم وتزيد تباعدهم.

 

كذلك يجب أن يضع الجميع نصب أعينهم مصلحة المنطقة ومصلحة شعوبها ويبتعدوا تماما عن المصالح الشخصية، وإذا توافرت النوايا الحسنة وتجاوز الجميع المصالح الشخصية ، وابتعدوا عن الوقوع في أية أخطاء فسيكون هناك مجال للتعاون والتضامن وسيكون هناك الأساس السليم لدول يمكن أن يبنى عليها الإتحاد.

 

أما إذا سلكوا طريقاً آخر وابتعدو عن الشعور بالمسؤولية فلا يمكن أن نرى أي نتيجة..إننا دوما نرى في الإتحاد قوة وفي التفرقة ضعفا”.

 

ـ الصحفي : جلالتكم كان لعمان دور كبير في الماضي وكان لها تاريخ حافل وغني..كيف تكون خطوات استعادة الدور القيادي لعمان على جميع المستويات في تصوركم ؟

 

ـ جلالته : ” بداية الخطوات التي تشير إليها هي التخطيط لنهضة شاملة علمية وفكرية واقتصادية ، وبدون تحقق هذه النهضة لا يمكن بلوغ الهدف ” .

 

ـ الصحفي : ولكن النهضة التي تتحدث عنها تتطلب مخططات وأساليب واضحة المعالم في التنمية الإقتصادية والإجتماعية ..كيف تعد هذه المخططات في تقديركم؟ ومع مَنْ من الدول  يمكن أن يكون تعاونكم لتنفيذها ؟

 

جلالته : ” بالتأكيد نحن نحتاج إلى الخبرة والمعاونة في تنفيذ أي مخططات إصلاحية، والسياسة التي نؤمن بها هي عدم قصر تعاوننا على جهة بذاتها، ولكننا نرى ضرورة التعاون مع جميع الدول الصديقة العربية والأجنبية في جميع مجالات العمل حتى تكون استفادتنا من جميع الخبرات، وسوف نطلب المعاونة من الدول التي لا تمانع في معاونتنا، وسوف نطلب الخبراء من الدول التي يتوافر بها الخبراء، والتي نلمس لديها الرغبة في المعاونة وليس مجرد الرغبة في المجاملة ” .

 

ـ الصحفي : بعد استقرار الأوضاع في بلادكم كيف سيكون شكل مؤسسات الحكم في تصوركم ؟

 

ـ جلالته : ” سوف أكون أسعد الناس عندما تسمح حالة البلاد بتكوين مجلس الشورى، غير أن هذا الأمر لا يمكن تحقيقه إلا بعد استقرار الأمور وبعد أن تصبح البلاد في وضع يمكّنها ذلك، وبالتأكيد لن يكون ذلك بعد سنين طويلة .. إن بلادنا بالتأكيد تحتاج إلى مجلس شورى ليكون نواة لنظام يقوم على الشورى ، وهذا المجلس في تصوري يجب أن يضم ممثلين عن الشعب، ويجب أن تتاح له فرصة المناقشة حول جميع الامور..وإلى جانب مجلس الشورى يجب أن يقوم المجلس التنفيذي أو الحكومة لتجري دراسة جميع الأمور بعمق .. قد يكون من السهل أن أصدر مرسوما بإنشاء مجلس الشورى غدا ، ولكن هل تعتقد أن من الممكن تشكيل المجلس بالشكل الذي نتطلع إليه تحت ظروف شعبنا الحالية؟ قطعا لا ، لذلك فأنا أسعى أولا لتوفير المناخ الذي يسمح بتكوين الإنسان الصالح ، حتى تأتي نتيجة الإنتخاب لمجلس الشورى صحيحة، وتكوين الإنسان الصالح لن يتحقق إلا كما ذكرت بالنهضة العلمية التي يمكن أن توفر لنا الأعداد المطلوبة من الكفاءات ، وفي نفس الوقت،  فإننا نسعى لإقناع جميع الكفاءات العمانية المقيمة في الخارج والتي ابتعدت عن بلادها بسبب الظروف بالعودة والمساهمة في البناء مع توفير المجالات التي تمكنها من العمل ونقل خبراتها إلى أكبر عدد من المواطنين .. إنني تماما أبتعد عن سياسة المظاهر والأصداء الرنانة ، ولا أسعى من وراء ما أعمل إلى خطف بريق ، ولا أسعى إلى قيام تشكيلات ومؤسسات صورية وما أسهل تشكيلها ! ولكنني أعمل على أن تقوم خطواتنا لأعمالنا على أسس واضحة حتى تكون لها الكفاءة والفاعلية المطلوبة “.

 

ـ الصحفي : جلالتكم أن تأكيد الحريات العامة من القضايا التي يحرص شعب عمان عليه .. كيف يمكن في تقديركم صياغة مثل هذه القضايا حتى تكون بعيدة من خطر المساس بها؟

 

ـ جلالته : ” إن أكثر الناس قدرة على الحفاظ على الحرية  هو المواطن نفسه، إن استطاع أن يستعمل حريته في الحدود المعقولة والمقبولة فلن يعرضها لأية خطر ، والحرية في تصوري لا تعطى بقانون ، فقد ينص القانون على أمور تقيد الحرية .. وقد ينص القانون على أمور يمكن أن نختلف في تفسيراتها ، وقد تختلف نظرة القانون عن نظرة المواطن بالنسبة لقضايا قد يتصور إنها من صميم حريته..إن الحرية تتوقف على رغبة المواطن في الحفاظ عليها وعلى كيفية استخدامه لها، وفي تصوري إن الصحافة يمكن أن تلعب دورا رئيسيا في صيانة الحريات، وتأكيدها، وتدريب المواطنين على ممارستها ، وفي تصوري أيضا إن الصحافة يمكن أن تلعب دورا في تمكين كلّ مواطن من ممارسته حق التعبير عن رأيه ، وعن مشاعره “.

 

الصحفي : وماذا عن الدستور ؟

 

جلالته : ” إنني أؤمن بأن الدستور يجب أن يوضع وينبع من وحي العبقرية ، إننا نخرج من مرحلة إلى مرحلة، ولا يمكن أن نبني الدستور على صور أو افتراض.. إننا نعيش في بلاد يعيش فريق من أهلها بعقلية القرن العشرين ويعيش فريق آخر بعقلية القرن الثامن عشر، وتجربتنا خلال المرحلة القادمة ستخلق لنا المناخ الملائم والأساس السليم لإعداد الدستور الصالح لبلادنا .. الدستور النابع من الشعب ذاته .. إننا نرفض فكرة استقدام الخبراء ليعدوا لنا دستورا في أيام معدودة ، ولكن نؤمن بأن التطور هو الذي سيخلق لنا الدستور الملائم” .

 

ـ الصحفي : هل يمكن توضيح ملامح سياسة بلادكم الخارجية ؟ وهل يكن توضيح أي الخطوتين ستسبق الأخرى : الإنضمام إلى الجامعة العربية أم الإنضمام إلى الأمم المتحدة ؟

 

ـ جلالته : ” سياستنا الخارجية تتلخص في نقطتين :

 

1 – عدم التدخل مطلقا في شؤون الغير .

 

2 – التعاون مع كل من يرغب بصدق التعاون معنا .

 

أما بالنسبة للخطوتين التين تحدثت عنهما،  فأملنا كبير في أن يسبق انضمامنا إلى الجامعة العربية دخول الأمم المتحدة ، فنحن لا نريد أن  ننتمي إلى المجتمع الدولي قبل أن تتأكد عضويتنا في أسرتنا العربية “.

 

ـ الصحفي : هل في نيتكم الإستعانة برؤوس الأموال الأجنبية لتنفيذ مخططاتكم الإنمائية ؟

 

ـ جلالته : ” سوف نستعين أولا برؤوس الأموال الموجودة في البلاد، وإذا رأينا الحاجة إلى رؤوس أموال أخرى،  فسوف نتيح الفرصة أولا للإستثمارات العربية “.

 

 

 

ـ الصحفي : ما هو مستقبل العلاقات بين بريطانيا وعمان ؟ وما هو رأيكم فيما تردد أخيرا حول اعتزام بريطانيا الإحتفاظ ببعض الأراضي العمانية لإجراء مناوراتها العسكرية فوقها ؟ وما هو مستقبل المعاهدة البريطانية ؟

 

ـ جلالته : ” بيننا وبين بريطانيا معاهدة صداقة وملاحة وليس هناك شئ سري آخر يربطنا ببريطانيا أو يجعلها وصية بشكل أو بآخر علينا ، وفي السابق لم تحتفظ بريطانيا بأي أجزاء من أراضينا لإجراء تدريباتها العسكرية عليها، ولا مجال لإحتفاظها مستقبلا بأية أجزاء من بلادنا .

 

أما المحطتان الصغريان الموجودتان في صلالة ومصيرة فهما من التسهيلات التي أعطيت لبريطانيا منذ الحرب العالمية الثانية، ولا يتجاوز استخدام بريطانيا لهما مجرد مرور طائراتها بهما، وعدد العاملين في هاتين المحطتين بما فيهم المواطنون العمانيون لا يزيد عن 80 شخصا وليس بهما أي قوات أو طائرات دائمة “.

 

ـ الصحفي : وكيف سيكون موقفكم في حالة استخدام هاتين المحطتين ضد دول عربية ؟

 

ـ جلالته : ” لا أعتقد هناك أن هناك نوايا لاستخدامها ضد العرب، ولا يمكن السماح بهذا ضمن أي اتفاقية أو معاهدة”.

 

 

 

 

 

 

المرجع : صحفيون في بلاط صاحب الجلالة  – حوارات السلطان قابوس مع وسائل الإعلام العربية والأجنبية – تأليف ناصر أبو عون – مؤسسة السبلة للحلول الرقمية  – الطبعة الأولى 2015م .

 

 

                               

 

 

 

مقالات ذات صلة

إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock