رغم إنتاج الصين 20 مليون ماسة أسبوعيًا: لماذا يبقى الذهب الملك الحقيقي؟

رغم إنتاج الصين 20 مليون ماسة أسبوعيًا: لماذا يبقى الذهب الملك الحقيقي؟
الألماس
رصد - أثير
إعداد: ريما الشيخ
بينما يتراجع بريق الألماس الطبيعي تحت وطأة الإنتاج الصناعي الهائل في الصين، يعود الذهب بثباته التاريخي ليذكّر العالم — والنساء خصوصًا — بأن القيمة الحقيقية لا تكمن في اللمعان العابر، بل في الأصالة والديمومة التي لا تُصنع.
ما حكاية الألماس المصنع؟
بدأت قصة الألماس الاصطناعي في الصين منذ ستينيات القرن الماضي، حين نجح العلماء عام 1963 في إنتاج أول بلورة ماس صناعية ضمن برامج بحث علمي متخصصة، إلا أن التحول الفعلي نحو الإنتاج التجاري بدأ بعد عام 2015، حين دعمت الحكومة هذا القطاع بوصفه صناعة تكنولوجية واعدة يمكنها منافسة التعدين التقليدي.
وخلال العقد الأخير، تحوّلت مقاطعة هنان إلى مركز عالمي لإنتاج الألماس الصناعي، وتحديدًا مدينة زينغ تشنغ (Zhecheng) التي باتت تُلقّب اليوم بـ“عاصمة الألماس” في الصين، في هذه المدينة تتجاور ورش التقطيع والمصانع والمختبرات في سلسلة إنتاج متكاملة، مما خفّض التكاليف وسرّع وتيرة التصنيع.
وبحسب تقارير دولية، بلغ إنتاج الصين في عام 2023 أكثر من 70٪ من إجمالي الألماس المخبري في العالم، أي ما يقارب 22 مليون قيراط سنويًا، وتشير تقديرات حديثة إلى أن مصانعها باتت قادرة على إنتاج نحو 20 مليون ماسة أسبوعيًا، مستفيدة من التطور الكبير في تقنيات الضغط العالي وترسيب البخار الكيميائي.
كيف يُصنع الألماس الصناعي؟
يُنتج الألماس المخبري بطريقتين رئيسيتين:
  • الضغط والحرارة العاليان (HPHT)، وهي التقنية التي تحاكي الظروف الجيولوجية داخل الأرض، حيث يُضغط الكربون في درجات حرارة تفوق 1500 درجة مئوية لتكوين بلورات الألماس.
  • ترسيب البخار الكيميائي (CVD)، وهي تقنية أحدث تعتمد على غازات الكربون داخل غرف مفرغة تُحفَّز فيها الجزيئات لتتراكم على سطح بلوري حتى تتكون الأحجار الكاملة.
تسمح هذه الأساليب بإنتاج ماس مطابق كيميائيًا وفيزيائيًا للألماس الطبيعي، بحيث لا يمكن التمييز بينهما إلا بأجهزة تحليل متقدمة.
انهيار سوق الألماس الطبيعي
السرعة المذهلة للإنتاج الصناعي انعكست مباشرة على السوق العالمية، فبعد أن كان الألماس رمزًا للندرة، أصبح اليوم متاحًا بكميات ضخمة وبأسعار أقل من نصف سعر نظيره الطبيعي.
تراجعت مبيعات كبرى الشركات مثل De Beers، التي اضطرت إلى تقليص إنتاجها، وأغلقت مؤخرًا خطها التجاري للألماس الصناعي (Lightbox) بعد انهيار الأسعار في السوق، وتشير بيانات من موقع Rapaport المتخصص في تجارة الألماس إلى أن الأسعار العالمية للألماس الطبيعي هبطت بأكثر من 30٪ خلال العامين الماضيين، بينما تراكمت لدى الشركات كميات غير مبيعة تُقدّر بمليارات الدولارات.
ويرى محللون أن المستهلكين لم يعودوا يفرّقون بين الماس الطبيعي والمخبري، خاصة أن المظهر والجودة متطابقان تقريبًا، وهو ما أفقد الألماس الطبيعي ميزة “الندرة” التي طالما رفعت قيمته.
الألماس الطبيعي: الأصالة التي لا تُصنع
رغم التراجع في الطلب، ما زال للألماس الطبيعي سحره الخاص، فهو يتكوّن في أعماق الأرض على مدى مليارات السنين تحت ضغط وحرارة هائلين، ما يجعله قطعة نادرة لا يمكن تكرارها، يمتاز بخصائص فريدة مثل الانكسار العالي للضوء والصلابة التي لا تضاهى، إلى جانب رمزيته كهدية تحمل معنى “الخلود والديمومة”.
غير أن تحديات التعدين ما زالت كبيرة، فعملياته مكلفة، ومناجمه في تناقص مستمر، وتأثيره البيئي أثار انتقادات عالمية متزايدة، ورغم هذه التحديات، يظل الألماس الطبيعي محتفظًا بمكانته في الفئة الفاخرة من الأسواق التي تشتري الأصالة قبل البريق.
الذهب يستعيد عرشه
في المقابل، يشهد الذهب انتعاشًا ملحوظًا، إذ أصبح ملاذًا آمنًا للمستثمرين والمستهلكين على حد سواء، فالذهب لا يُصنع في المختبرات، ولا يفقد قيمته مع الزمن، ويُتداول عالميًا كأصل مالي مستقر.
وقد ساهمت التقلبات التي أصابت سوق الألماس في إعادة الثقة إلى المعدن الأصفر، الذي يُنظر إليه اليوم على أنه “الملك الحقيقي” للمجوهرات والاستثمار، تقول بعض شركات الصياغة في الشرق الأوسط إن الطلب على الذهب ارتفع بنحو 15٪ خلال العام الماضي، بالتوازي مع تراجع الطلب على الألماس الفاخر، ويُتوقّع أن يستمر هذا الاتجاه مع تصاعد إنتاج الماس الصناعي وتقلص الفارق الجمالي بينه وبين الطبيعي.
ما بين البريق والقيمة
قد يكون الألماس المصنع في الصين أكثر لمعانًا وأقل ثمنًا، لكنه يفتقد لجوهر ما يجعل الجوهرة ثمينة بحق، الندرة والزمن والأصالة، وبينما تتسابق المصانع لإنتاج ملايين القيراط أسبوعيًا، يبقى الذهب ثابتًا في مكانه، يلمع بالمعنى قبل المظهر، ويذكّر بأن القيمة الحقيقية لا تُقاس بالضوء بل بالدوام.
  • المصادر:
  • ‏China Daily
  • ‏Rapaport
  • ‏McKinsey & Company
  • ‏Sixth Tone
  • ‏Financial Times

شارك هذا الخبر