مسقط- أثير
مصطفى بن ناصر الناعبي -مختص في الاقتصاد والتمويل الإسلامي
في ظل النمو المتزايد للاقتصاد الإسلامي سواء من حيث نسبة النمو، إذ تشير التوقعات العالمية إلى أن أصول المالية الإسلامية يقدر لها أن تتجاوز 6 تريليونات دولار بنهاية العام الجاري، مدعومة بنمو قوي لبعض منتجات المالية الإسلامية لاسيما الصكوك، ويتوافق ذلك مع توقعات بنك Standard Chartered بأن تتجاوز أصول المالية الإسلامية 7.5 تريليونات دولار بنهاية عام 2028، كما أن من العوامل الداعمة لنمو هذه الصناعة هو توزعها الجغرافي الذي لم يعد مقتصرا على الدول الإسلامية، بل شمل أكثر من 140 سوقا.
فمع هذا الزخم العالمي وتوجه روؤس الأموال نحو الاستثمار في المالية الإسلامية أو في الاستثمار الأخلاقي - كما يحلو للبعض أن يسميه - فإن هذا السوق يعد فرصة واعدة للاستثمار والتوجه نحو استقطاب روؤس الأموال في مثل هذا النوع من الاستثمارات، ويأتي توجه سلطنة عُمان نحو العالمية من خلال اقرار إنشاء مركز مالي عالمي، والذي سيلعب دورًا محوريًا في تنويع مصادر الدخل وعدم الاعتماد على النفط كمصدر وحيد، وبما أن المراكر العالمية السابقة للمركز العُماني وجدت في السوق بزمن طويل فإن هناك نقاط تميز يجب على المركز التركيز عليها، فهو لن يكون مركزًا بديلاً وإنما - من وجهة نظري- أن يكون مركزًا مكمًلا لما في المراكز الأخرى مستغلا نقاط القوة التي يتميز بها الوضع في سلطنة عُمان.
ولعل من الجوانب التي ينبغي التركيز عليها هي توجيه البوصلة نحو التخصيصة، وأن يكون المركز جاذبا بسبب تميزه عن غيره، وأن يكون خيارًا منافسًا ، وهنا يأتي دور الاقتصاد الإسلامي، من خلال استغلال هذا الجانب من التخصصية للمركز العُماني، فعُمان - ولله الحمد - بسبب مواقفها الداعمة للسلم العالمي أصبحت معلمًا من معالم صنع السلام في العالم، وهذه نقطة جذب قوية لرؤوس الأموال، لكنها لا تكفي لوحدها، ويأتي معها الداعم الآخر وهو الموقع الجغرافي المتميز والذي يربط بين قارات ثلاث من قارات العالم، وأيضا وجودنا في منطقة نشطة تجاريًا.
فتسهيل الإجراءات والأطر القانونية المرنة بالإضافة إلى الأسباب السابقة والثقة الكبيرة في الحكمة والسياسة العمانية عوامل رئيسة في الجذب، وهي بلا شك ستمثل عوامل قوة لاتجاه روؤس الأموال للسلطنة كخيار مناسب ومنافس، بل وأن تكون مركزًا لكبريات الشركات في أن تنطلق بأعمالها نحو مختلف قارات العالم، ومما يمكن الاعتماد عليه كميزة تنافسية أخرى هي الاتجاه بأن تكون السلطنة جاذبة لروؤس الأموال التي ترغب بأن يكون تعاملها وفق أحكام الشريعة الإسلامية، وهذا يكون من خلال عدة جوانب يمكن تطويرها والعمل على أن تكون نقاط تميز قوية، منها على سبيل المثال :
- جعل سلطنة عُمان منصة عالمية في اصدار وصناعة الصكوك، وتصنيف السلطنة الحالي في مؤسسات التصنيف الائتمانية العالمية مشجع لمثل هذا النوع من التخصصية، فعندما تكون البلد مقصدًا لمثل هذا النوع من الاستثمارات من خلال التسهيلات في الاصدار ومنح تسهيلات أكبر لفتح الشركات ذات الغرض الخاص (SPVs) وتنويع القطاعات التي يتم اصدار الصكوك فيها فهذا سيكون جاذبًا لرؤوس الأموال التي تفضل التعامل مع أدوات مالية متوافقة مع الأحكام الشرعية.
- التوجه نحو تثمير الأموال الوقفية والشركات العائلية، من خلال التسهيلات التنظيمية والتي هي من طبيعة مثل هذا النوع من المراكز، وأيضا تبني مشاريع وقفية ريادية ذات جدوى استثماري مرتفع مما يسهم في جذب رؤوس الأموال لأجل العوائد والتسهيلات الممنوحة.
- الاقتصاد الإسلامي والوساطة المالية، يمكن ذلك بواسطة الأدوات الاقتصادية الناعمة في أن تقوم السلطنة بدور الوسيط المالي بين أصحاب روؤس الأموال وبين الأسواق الخليجية في المنطقة والأسواق الواعدة في آسيا وأفريقيا.
- التخصص في أن يكون مركز عُمان المالي العالمي متخصصا في قضايا التحكيم في منازعات المالية الإسلامية، بدلا من اللجوء إلى التحكيم أو التقاضي في مؤسسات لا تعترف بمرجعيات المالية الإسلامية في التحكيم أو التقاضي، ومما يساعد على ذلك وجود نظام قضائي باللغة العربية واللغة الإنجليزية كونها اللغة العالمية في التعاملات التجارية وجلب خبراء عالمين في المجالات ذات العلاقة.
- استثمار مركز السلطنة وموقعها في أن تكون السلطنة مركزا للصناعة المالية الإسلامية والشهادات الحلال التي أصبحت مطلبًا في كثير من المنتجات التي عليها اقبال ولها سوق واعد عالميا وينمو بشكل كبير.
هذه الأفكار ونحوها، الهدف منها أن يكون هذا المركز متميزًا ومختصًا في نقاط التكامل التي من الممكن أن تجعل سلطنة عُمان خيارًا مناسبا ومتميزا وبما يتماشي مع المكونات الأخرى، ويحقق التكامل بسبب وجود تخصيصة قد تفتقد إليها المراكز الأخرى، فتقديم سلة متكاملة من الخدمات والتسهيلات وسهولة الإنجاز والإعفاءات وسرعة التقاضي لها أثر كبير في المفاضلة عند مستثمرين في اختيار المكان المناسب لاستثماراتهم.
