خاص- أثير
انتشرت أمس مقاطع فيديو وصور، لحادثٍ مروري في إحدى الولايات أدى إلى وفاة شخصين رحمهما الله تعالى، حيث يبدو أن شخصًا مر بالقرب من الحادث وقام بتصويره والتفاعل معه، ثم تفاعل البعض وأعاد نشرها في مجموعات الواتساب، وتلقفته وسائل التواصل الاجتماعي بما فيها عدد من الحسابات الإخبارية، لتضيف بعضها اسم الشخص الذي يُقال إنه توفي في تلك الحادثة مرفقًا بصورته الشخصية.
هل نشر صور ومقاطع فيديو صادمة انتهت فيها حياة شخصين يُعد أمرًا عاديًا؟
هل لأن هذه المشاهد الصادمة أصبحت متاحة في كل مكان فهذا يعني -بشكل تلقائي- أنه من العادي إعادة نشرها لأكبر عدد ممكن؟ أم أن هناك قيمة إخبارية وسبق صحفي في مشهد سيارة تحترق كان يركبها شخصين قبل قليل؟ أم أننا يجب أن نكون الأوائل في نشرها ولا يمكن لأحد أن يسبقنا فيها؟
في عالم اليوم الذي أصبح فيه الجميع ناشرًا تقريبًا، أصبح الحد ما بين حق المعرفة والنشر وما بين كرامة الإنسان وخصوصيته بمثابة خيط رفيع يكاد لا يُرى. ولا ينبغي أن يكون التركيز فقط على العقوبة الحبسية، وإنما ما هو أوسع من ذلك: أين ذهبت ”أخلاقيات الإعلام“؟
تتناول ”أثير“ في هذا الموضوع، آراء باحثين عن أخلاقيات الإعلام، والتفاعل مع الترند، ومتى يمكن نشر الصور الصادمة؟
أخلاقيات الإعلام
وفقًا لافتهان الزبيري، تُعد أخلاقيات المهنة من أهم الأسس الحياتية التي تؤثر على المجتمع وفي كل مهنة، وخاصة مهنة الإعلام، لأنها تنقل المعلومة فتؤثر إيجابًا أو سلبًا. وفي بحث قدمته الزبيري ونشرته في المجلة العالمية للدراسات العمرانية بعنوان مبادئ أخلاقيات المهنة: الإعلام نموذجًا، ترى بأن الالتزام بالقيم الإعلامية يحد من جنوح الفرد وأهوائه، ويحمي من الإغراءات التي تعترض طريقه، وتعتبر بأن مستقبل وسائل الإعلام يكمن في الحفاظ على رسالتها وعلى موقعها كسلطة مستقلة، ولا يتحقق ذلك إلا من خلال التمسك بالسلوك القويم في الإعلام.
اعتبر دليل أخلاقيات الصحافة في العصر الرقمي، الصادر عن معهد الجزيرة للإعلام، أننا في بدايات تشكل منظومة أخلاقية مهنية مختلفة تمامًا عما ظلّت الصحافة قبل عصر الإنترنت تعتبره قواعد أخلاقية شبه ثابته، ولم يعد بالإمكان التغاضي عن هذه المنظومة الأخلاقية إن أراد الصحفيون الحفاظ على مكانتهم كناقلين موضوعيين للخبر، وعن الأصالة والمساءلة والاستقلالية، ومبدأ المساءلة يستوجب عدم الانسياق وراء ما يطلبه ”الترند“، وفقًا للدليل ذاته.
متى يمكن نشر الصور الصادمة؟
في بحث قدمه كل من وفاء بورحلي وعبدالرزاق غزال بعنوان ”نشر الصور الصادمة في وسائل الإعلام الرقمية بين القيمة الإخبارية وأخلاقيات المهنة الصحفية: جدلية حرية التعبير والمسؤولية الاجتماعية
استعرضا فيه آراء متضادة التيار المعارض والمؤيد والمتوازن لنشر الصور، ويمكن إيجاز أبرز المحاور في الآتي:
- التيار المؤيد: وفقًا للباحثين، يرى أصحاب هذا التيار بأن الصور ستنتشر لا محالة، خاصة المرتبطة بحدث مقتل مثل أحد الشخصيات العامة الذي قد يُعد لحظة فارقة في التاريخ. واستعرضا نماذج أثبتت على حد قولهما، أن نشر الصور الصادمة لها جانب إيجابي، كونها -بحسب رأيهما- تجسد حرية الرأي والتعبير والديمقراطية وتحقيق المصلحة العامة ويكشف عن ممارسات خاطئة وغير إنسانية، واستشهدا بإعادة صورة جثمان الشاب القتيل خالد سعيد، التي أعادت النظر في التكييف القانوني للقضية، ففي بداية القضية تم التعامل معها على أنها حالة انتحار، لكن الصور التي تضمنت آثار العنف الوحشي على حد قولهم، أدت إلى استخراج الجثة وإعادة تشريحها.
- التيار المعارض: يرفض أصحاب هذا التيار نشر الصور الصادمة بشكل قاطع، ونقل الباحثين عن صفوت العالم أستاذ الإعلام بكلية الإعلام بجامعة القاهرة، أنه على الصعيد المهني لا يجوز التسبب في الفزع للقارئ أو المشاهد. ويشير الباحثين إلى وسائل الإعلام الغربية، التي على الرغم من تحفظها على قضية وطرق النشر الصادمة إلا أنها لا تتردد في نشر الأعمال التي تنسبها إلى المسلمين، في حين تتكتم وتنأى عن نشر مثل هذه الصور إذا تبين لها أن الفاعل فيها غير المسلم.
- التيار المتوازن: يؤيد أصحاب هذا التيار نشر لصور الصادمة لما لها من قيمة خبرية وما تضفيه من مصداقية على الخبر وفي نفس الوقت دون التسبب في إيذاء مشاعر الآخرين أو انتهاك حرمة الضحايا حتى لو كانوا من الشخصيات العامة، والمعيار هنا أن يكون الهدف من النشر هو إحداث تأثير إيجابي في المواقف والسلوك والدفع بتغيير ذلك الواقع إلى الأفضل والأحسن.
ما المحددات القانونية لنشر الصور الصادمة؟
يرى وفاء بورحلي وعبدالرزاق غزال في بحثهما، إن هنا محددات حقوقية لنشر الصور الصادمة وتأثيراتها. ومنها نقلاً عن الخبير في القوانين الإعلامية وحقوق الإنسان ماجد العاروري، أثر الوفاة على الحق في الصورة، مشيرًا إلى أن الأصل أن الإنسان تنتهي شخصيته القانونية بالوفاة، ومن ثم الحق في الصورة الذي يحمي شخصية صاحبها ينقضي بالوفاة، إلا أن الورثة لهم الحق في الاعتراض على نشر صورة مورثهم الذي وافاه الأجل.
وبشأن حق الجمهور في المعرفة، يشير الباحثان إلى أن هذا الحق يصعب تقييده حين تكون الوفاة ناتجة عن حدث عام، مثل سقوط شهداء في مواجهات، ففي هذه الحالة تتيح العديد من القوانين- وفقًا للباحثين- حق نقل الصورة، وكانت تهم الرأي العام ولا يشكل نقلها مسًا بالخصوصية.
أما عن بند الضرر النفسي، فإن نشر صور الضحايا يترك أثرًا نفسيًا كبيرًا على ذويهم، ويولد عداءً لدى الأفراد وشعورًا بإهانة الكرامة. أما الجمهور العام، فاستشهد الباحثين برأي يسري عبد المحسن أستاذ الطب النفسي بجامعة القاهرة الذي يرى أن إحساس الكبار بالمرارة والحزن والإحباط تجاه الصور يُعد معدومًا، بسبب التكيف والتأقلم مع رؤية مشاهد القتل والضحايا وقد يسبب زيادة في الميول العدوانية عند الناس، مشيرًا إلى أن الخطر يزيد مع الأطفال، فإن المشاهد تسبب لهم حالة من الفزع وتساؤلات يصعب فهمها، ومع الوقت قد تزيد عندهم الكراهية والأخذ بالثأر والميول العدوانية.
يبدو أن السؤال تغير من: هل يمكن نشر الصور الصادمة؟ إلى كيف ومتى ولماذا يتم النشر؟
لأن الممارسة الإعلامية المسؤولة لا تُقاس بالسبق أو بعدد المشاهدات، وإنما بقدرتها على الموازنة بين حق الجمهور في المعرفة، واحترام الكرامة الإنسانية، والآثار النفسية والاجتماعية المترتبة على المحتوى. وتظل أخلاقيات الإعلام مرجعًا مهنيًا والإطار الذي يميّز بين نقل الحدث وخدمة الصالح العام.
ماذا يقول القانون العُماني؟
نصت المادة 16 من قانون مكافحة جرائم تقنية المعلومات الصادر بالمرسوم السلطاني رقم 12/ 2011، على:
”يعاقب بالسجن مدة لا تقل عن سنة ولا تزيد عن 3 سنوات وبغرامة لا تقل عن ألف ريال عماني ولا تزيد على خمسة آلاف ريال عماني أو بإحدى هاتين العقوبتين، كل من استخدم الشبكة المعلوماتية أو وسائل تقنية المعلومات كالهواتف النقالة المزودة بآلة التصوير في الاعتداء على حرمة الحياة الخاصة أو العائلية للأفراد وذلك بالتقاط صور أو نشر أخبار أو تسجيلات صوتية أو مرئية تتصل بها ولو كانت صحيحة، أو في التعدي على الغير بالسب والقذف“
أما المادة 330 من قانون الجزاء الصادر بالمرسوم السلطاني رقم 7/2018 نصت على:
”يعاقب بالسجن مدة لا تقل عن شهر ولا تزيد على سنة كل من نشر أخبارًا أو صورًا أو تعليقات تسيء إلى الحياة الخاصة أو العائلية للأفراد ولو كانت صحيحة إذا كان ذلك بدون رضا ذوي الشأن“





