حظر أم حماية؟ العالم يعيد تنظيم استخدام القاصرين لوسائل التواصل الاجتماعي

حظر أم حماية؟ العالم يعيد تنظيم استخدام القاصرين لوسائل التواصل الاجتماعي
استخدام القاصرين لوسائل التواصل الاجتماعي
أثير - ريما الشيخ
مع تنامي الاعتماد العالمي على الإنترنت، تحولت وسائل التواصل الاجتماعي من مجرد أدوات ترفيهية إلى ساحاتٍ واسعة تؤثر في التربية، التفاعل الاجتماعي، وحتى الصحة النفسية للمراهقين.
وبينما تستقطب المنصات مثل TikTok وInstagram وYouTube ملايين المستخدمين من الفئات العمرية الصغيرة يوميًا، تصاعدت في السنوات الأخيرة تحذيرات طبية ونفسية عالمية بشأن الأثر السلبي لهذه التطبيقات على الأطفال والمراهقين، بدءًا من اضطرابات النوم والتركيز، وصولًا إلى القلق والاكتئاب والتنمّر الرقمي.
في مواجهة هذه التحديات، بدأت حكومات حول العالم اتخاذ إجراءات أكثر صرامة لتنظيم استخدام الأطفال والمراهقين لوسائل التواصل الاجتماعي، ولم تعد الجهود تقتصر على التوعية أو الإرشاد الأسري، بل اتجهت إلى سن تشريعات ملزمة للشركات، تشمل التحقق من العمر، واشتراط موافقة أولياء الأمور، وفي بعض الحالات فرض قيود أو حظر على الفئات العمرية الأصغر.
وفي هذا السياق، ترصد “أثير” أبرز التجارب الدولية التي فرضت قيودًا أو حظرًا على استخدام القاصرين لوسائل التواصل الاجتماعي
أستراليا – أول حظر شامل تحت 16 عامًا
كانت أستراليا السبّاقة عالميًا في هذا المسار، بعدما أقرت قانونًا يمنع استخدام منصات التواصل الاجتماعي لمن هم دون 16 عامًا بشكل كامل، وقد دخل القرار حيز التنفيذ مع إلزام الشركات بتقنيات تحقق عمر صارمة، وفرض غرامات كبيرة على المنصات غير الملتزمة. وأسفرت الأيام الأولى للتطبيق عن حذف ملايين الحسابات العائدة لقاصرين.
فرنسا – حظر تحت 15 عامًا
في يناير 2026، أقرت فرنسا قانون “سن البلوغ الرقمي”، الذي يمنع الأطفال دون 15 عامًا من استخدام وسائل التواصل دون موافقة الوالدين، ويُلزم المنصات بأنظمة تحقق عمر فعالة، واعتبرت الحكومة الفرنسية أن الهدف هو حماية الصحة النفسية للمراهقين وتقليل تأثير الخوارزميات الإدمانية عليهم.
بريطانيا
تدرس المملكة المتحدة رفع الحد العمري إلى 16 عامًا، بعد تصاعد الضغوط السياسية والبرلمانية، خصوصًا مع تزايد التقارير التي تربط بين الاستخدام المفرط للمنصات وتدهور الصحة النفسية للمراهقين.
الدنمارك
أعلنت الحكومة الدنماركية خططًا لحظر استخدام وسائل التواصل لمن هم دون 15 عامًا، أو اشتراط موافقة أولياء الأمور كحد أدنى.
ماليزيا
أعلنت نيتها تطبيق حظر مماثل لمن هم دون 16 عامًا ابتداءً من 2026، ضمن استراتيجية وطنية لحماية الأطفال من التنمر والاحتيال والاستغلال الرقمي.
إسبانيا وألمانيا وإيطاليا واليونان والنرويج
تشهد هذه الدول مراجعات تشريعية لرفع السن القانوني أو فرض تحقق عمري إلزامي وموافقات أبوية، مع توجه أوروبي عام نحو تشديد الضوابط بدل الاكتفاء بالتوصيات.
نيوزيلندا
قدم مشروع قانون لحظر استخدام وسائل التواصل لمن هم دون 16 عامًا، مستلهمًا التجربة الأسترالية.
الهند
بدأت ولايات مثل غوا وأندرا براديش دراسة قيود عمرية صارمة أو حظر جزئي للقاصرين، ضمن نقاش وطني متصاعد حول حماية الأطفال في البيئة الرقمية.
لماذا تتجه الدول إلى الحظر؟
تستند هذه القرارات إلى ثلاثة دوافع رئيسية:
أولًا الصحة النفسية:
دراسات وتقارير طبية تربط بين الاستخدام المكثف للمنصات وزيادة معدلات القلق والاكتئاب واضطرابات النوم وتراجع التركيز، خاصة بين الفتيات المراهقات.
ثانيًا التنمر والمحتوى الخطير:
تعرض الأطفال لمضايقات إلكترونية وتحديات خطرة ومحتوى عنيف أو إيذاء ذاتي دون رقابة فعالة.
ثالثًا الخصوصية والاستغلال التجاري:
عدم إدراك الأطفال لآثار مشاركة بياناتهم الشخصية، ما يجعلهم عرضة للاستهداف الإعلاني المكثف والتلاعب السلوكي عبر الخوارزميات.
استجابة الشركات: قيود ذاتية ولكن تحت ضغط
ومع تصاعد التشريعات، حاولت الشركات الكبرى استباق القوانين بإجراءات داخلية، إلا أن هذه التدابير ما تزال موضع جدل واسع. إذ فعّلت Meta (فيسبوك وإنستغرام) حسابات خاصة تلقائيًا للمراهقين، وقيّدت التواصل مع الغرباء، وأتاحت أدوات رقابة أبوية، كما أزالت مئات الآلاف من الحسابات المرتبطة باستغلال القاصرين، وأوقفت بعض مزايا الذكاء الاصطناعي للمستخدمين الصغار.
أما TikTok ففرض حدًا زمنيًا يوميًا للمراهقين، ومنع الرسائل الخاصة والبث المباشر لمن هم دون 16 عامًا، ووسّع أنظمة رصد الحسابات الصغيرة وإغلاقها. في المقابل، يوفر YouTube تطبيقًا مخصصًا للأطفال، ويعتمد تقنيات تقدير العمر بالذكاء الاصطناعي لتقليل المحتوى الحساس وتعطيل الإعلانات الموجهة للقاصرين.
لكن رغم هذه الإجراءات، تؤكد تحقيقات وأبحاث مستقلة أن التحقق العمري لا يزال هشًا ويمكن تجاوزه بسهولة عبر بيانات مزيفة، وأن الخوارزميات المصممة لزيادة وقت المشاهدة تستمر في دفع المراهقين نحو محتوى مضر أو إدماني، ما يجعل التنظيم الذاتي للشركات غير كافٍ دون تدخل قانوني مباشر.
هل العالم يتجه نحو حظر شامل؟
المؤشرات الحالية توحي بأن الإجابة “نعم تدريجيًا”، فما بدأ كتجارب منفردة في أستراليا وفرنسا تحول إلى موجة عالمية تتسع عامًا بعد آخر، وبينما يفضل البعض الحلول التوعوية والرقابة الأسرية، ترى حكومات كثيرة أن التشريع الملزم هو السبيل الوحيد لإجبار الشركات على تحمل مسؤولياتها.
وفي ظل هذا التحول، يبدو أن السنوات المقبلة ستشهد إعادة تعريف واضحة لمفهوم “سن الرشد الرقمي”، في محاولة لتحقيق توازن بين حق الأطفال في الاستفادة من التكنولوجيا، وحقهم في الحماية من مخاطرها.
المصادر
Reuters

Associated Press (AP)

BBC

The Guardian

Euronews

New York Times

تقارير الهيئات التنظيمية الأوروبية والأسترالية لحماية الأطفال على الإنترنت

شارك هذا الخبر