فيما بيننا “من الوعي إلى الصناعة”: قراءة في أسبوع عُمان للتصميم ومساره التنموي

فيما بيننا “من الوعي إلى الصناعة”: قراءة في أسبوع عُمان للتصميم ومساره التنموي
قراءة في أسبوع عُمان للتصميم ومساره التنموي
بقلم: د. عبدالعزيز بن سعيد الغريبي
في أيامه الجارية، يقدّم أسبوع عُمان للتصميم نفسه بوصفه مساحة حيّة للتفكير والعمل، تتجاوز فكرة الحدث المؤقت إلى معنى أوسع، حيث يلتقي الإبداع بالمعرفة، والثقافة بالممارسة، والطموح بالواقع. هنا، لا يُنظر إلى التصميم كنتاج بصري فحسب، بل كفعل واعٍ يتشكّل في قلب المجتمع، ويتفاعل مع أسئلته وتحولاته، ويعيد طرح موقعه في الحياة اليومية والخيارات التنموية.
وفي هذا التنوّع، يبدو التداخل بين الفن والتصميم جزءًا من مسار طبيعي، حيث يمهّد الوعي الثقافي والجمالي الطريق أمام نضج الوظيفة والصناعة.
ينطلق هذا الأسبوع من رؤية تقودها الجمعية العُمانية للتصميم بهويتها الجديدة «تصميم عُمان»، وهي رؤية تتبلور ضمن إطار قيادي واضح ترعاه صاحبة السمو السيدة ميان بنت شهاب آل سعيد، رئيسة مجلس إدارة الجمعية، التي تنظر إلى التصميم بوصفه مشروعًا وطنيًا طويل المدى، يبدأ بالإنسان، ويُبنى على التمكين، ويتجه نحو أثر مستدام. هذا الإطار لا يختزل التصميم في بعده الجمالي، بل يضعه في سياق ثقافي وتنموي أوسع، ويمنح العمل المؤسسي بعده الإنساني والفكري.
في صميم هذا التصميم يبرز ملتقى الحوار التصميمي Design Confluence بوصفه القلب الفكري للأسبوع. الملتقى ليس مؤتمرًا تقليديًا بقدر ما هو فضاء مفتوح للنقاش، تتقاطع فيه خبرات أكاديمية ومهنية محلية وعالمية، وتُطرح فيه الأسئلة الجوهرية حول دور التصميم في تشكيل الوعي، وبناء المجتمع، وتطوير الممارسة. هنا، لا تُقدَّم المعرفة في اتجاه واحد، بل تُتداول وتُناقش ويُعاد اختبارها، فيتحوّل الحضور من متلقٍّ إلى شريك في التفكير.
ويمتد هذا البعد المعرفي عبر حوارات التصميم وأوراق العمل، التي تضع التجربة في قلب الخطاب، وتربط بين الفكرة وسياقها، وبين النظرية وتطبيقاتها. ما يُطرح في هذه الجلسات لا يسعى إلى الاستعراض أو تقديم نماذج مكتملة بقدر ما يعمل على تفكيك المسار نفسه، بما فيه من تحوّلات وتحديات، ليؤكد أن التصميم ممارسة فكرية ومسؤولية مهنية، لا نتيجة نهائية فقط.
أما ورش العمل، فتجسّد الامتداد الاجتماعي لهذا الخطاب، حيث تشمل مختلف تخصصات التصميم، وتخاطب فئات عمرية متعددة، من الأطفال إلى الهواة، ومن الموهوبين إلى الخبراء. في هذا التنوع، يتحقق أحد أهم أهداف تصميم عُمان: نشر الوعي، وبناء المهارة، وإتاحة المعرفة، بما يجعل التصميم ممارسة مجتمعية متاحة، لا نشاطًا نخبويًا محصورًا.
ما يحدث اليوم في أسبوع عُمان للتصميم يُدار بوعي بأن هذه المرحلة هي مرحلة تأسيس ضرورية، تُعنى بترسيخ الثقافة التصميمية، وتنظيم المشهد، وبناء الثقة بين المصممين والمؤسسات والمجتمع. وهي خطوات أساسية لا غنى عنها إذا ما أردنا تحقيق الهدف الأسمى للجمعية العُمانية للتصميم: جعل التصميم صناعة، لا مجرد هواية أو ترف ثقافي. فالطموح هنا لا يُطرح بوصفه قفزًا على الواقع، بل كتطوّر منطقي لمسار يبدأ بالإبداع، ويترسّخ بالوعي، ويتعزّز بالمعرفة.
وفي خضم هذا الحراك، لم يعد التصميم مسألة ذائقة أو تعبير بصري، بل مكوّنًا بنيويًا من مكونات التنمية المعاصرة. فكل ما يُنتج ويُستهلك ويُدار هو في جوهره فعل تصميم: من المنتج، إلى الخدمة، إلى النظام. ومن هذا المنطلق، فإن ما يتشكّل اليوم من وعي وإبداع وممارسة مهنية يضعنا أمام مسؤولية واضحة تتجاوز الاحتفاء إلى البناء، وتتطلب من المؤسسات، والقطاعين العام والخاص، التعامل مع التصميم بوصفه قطاعًا إستراتيجيًا قابلًا للتنظيم، والاستثمار، والتطوير.
إن تمكين المصممين، وبناء سلاسل قيمة حقيقية، وربط الإبداع بالإنتاج، ليس خيارًا ثقافيًا، بل ضرورة اقتصادية تعزّز الاكتفاء، وترسّخ الثقة، وتفتح المجال أمام سلطنة عُمان لأن تصمّم ما تحتاجه، وتنتج ما تصمّمه، ضمن منظومة وطنية تتكامل مع أهداف التنويع الاقتصادي، وتستثمر في الإنسان بوصفه أصل التنمية الأول.

شارك هذا الخبر