بالصور: مقابر قديمة في وادي بني جابر فيها 3 أنواع من القبور

بالصور: مقابر قديمة في وادي بني جابر فيها 3 أنواع من القبور
مقابر قديمة في وادي بني جابر فيها 3 أنواع من القبور
أثير- د. محمد بن حمد العريمي
خلال زيارتي الأخيرة إلى منطقة وادي بني جابر التابع لولاية صور كان من ضمن ما شدّني، مجموعة واسعة من المقابر الحجرية القديمة التي تنتشر على السفوح والسطوح الجبلية المحيطة بالوادي، في مشهدٍ لافت يعكس عمق الحضور البشري في هذه المنطقة منذ عصور مبكرة.
وتمتاز هذه المقابر بتنوّع أشكالها وبساطة بنائها، حيث شُيّدت باستخدام الحجر المحلي بأسلوب جاف دون ملاط، وجاءت في بعضها مستطيلة الشكل وطويلة نسبيًا، مع وجود شواهد حجرية قائمة عند أطراف بعض القبور، وبعضها بصورة دائرية.
كانت المقبرة الأولى، التي ستكون عنوان التقرير، والتي قمنا بزيارتها مع مرافقي الفاضل عيسى بن صالح القلهاتي ودليلنا ناصر بن سالم الصلتي أحد أبناء المنطقة؛ مقبرة قديمة تقع بالقرب من قرية (حلم) إحدى قرى الوادي، وقد شدّنا وجود ثلاثة أنواع من القبور، النوع الأول ويبلغ عدده حوالي عشرة قبور، عبارة عن قبور مستطيلة طولية، واضحة الحدود، سطحها مغطّى بطبقة متماسكة من التراب المتحجّر/الطمي المتصلّب مع تفتت سطحي، والحواف محدّدة بإطار حجري منخفض (حجارة محلية غير مشذبة)، ولا توجد كتابة أو نقش على السطح، وهذا النمط شائع في القبور الإسلامية القديمة.
وقد يكون سبب تميّز هذه القبور في أنها تعود إلى شخصيات ذات ثقل مجتمعي أو سياسي في المنطقة مما استدعى تمييز قبورهم بهذا الشكل.
وهناك نوع آخر من القبور، وهي قبور بسيطة الشكل، تكاد تشبه نظيراتها في المقابر الأخرى المتوزعة في بقية الولايات، وتمتاز بوجود شاهد للقبر تحيط به الحجارة في وضع غير منتظم يدل على البساطة.
وهناك نوع ثالث من القبور في المقبرة ذاتها، لكنها قليلة العدد وهي تشبه إلى حد ما نمط القبور الركامية أو (قبور حضارة بات)، لكنها أصغر في الحجم والطول، وتتميز بوجود جدار حجري جاف (دون ملاط)، مبني من حجارة محلية متفاوتة الحجم، والجدار مرفوع على شكل مصطبة في منحدر جبلي.
وقد وجدت في المقبرة بعض اللقى السطحية مثل شظايا الفخار التقليدي غير المزجّج، وكمية من أطباق القاشياني المكسورة، والتي تدل على وجود نشاط بشري قديم في محيط المقبرة، ربما ارتبط بالرعي أو الاستيطان المؤقت، أو باستخدام الوادي كمجال معيشي موسمي.
السمة العامة للمقبرة
يُلاحظ أن توزيع المقابر جاء منسجمًا مع التضاريس الطبيعية للوادي، بما يدل على تخطيط تقليدي واعٍ بطبيعة المكان، ويؤكد أن اختيار الموقع لم يكن عشوائيًا، بل ارتبط باعتبارات بيئية واجتماعية وثقافية. كما أن كثافة القبور واتساع رقعتها الجغرافية يوحي بأن الوادي شكّل نطاقًا سكنيًا لجماعة بشرية مستقرة أو شبه مستقرة عاشت في محيطه.
كما يلاحظ تنوع أشكال القبور ومن بينها قبور حجرية مستطيلة وطويلة نسبيًا محاطة أحيانًا بإطارات حجرية أو صفوف تحديد، وجود شواهد حجرية رأسية عند الأطراف (الرأس/القدم)، استخدام الحجر المحلي بأسلوب جاف.
أما بالنسبة للدلالة الزمنية، فمن المرجّح أن الموقع ليس أحادي الفترة، بل متعدّد الطبقات الزمنية ويبدو أن قبوره على تنوعها تعود إلى الفترة الإسلامية الوسيطة وما بعدها.
وقد ارتبط الموقع بالرواية الشعبية التي تشير في بعضها إلى أنه من المحتمل أن تكون هذه المقبرة جزءًا من مقبرة جيش الترك الذي غزا هذه المنطقة خلال القرن الثاني عشر الميلادي وانهزم وتم دفن قتلاه في هذه المقابر. كما أن هناك ربطًا بين كثافة تلك القبور وبالأخص في مناطق أخرى من الوادي وبين حضارة قلهات القريبة نسبيًا من المكان، بحيث يعتقد البعض أن المكان قد استخدم كمقبرة لأهل المدينة لأسباب مختلفة.
الأهمية الأثرية للموقع
تكمن أهمية مقابر وادي بني جابر في كونها تمثّل سجلًا ماديًا صامتًا لذاكرة المكان، وتقدّم دلائل واضحة على استمرارية العلاقة بين الإنسان والبيئة الجبلية في شرق عُمان، فهي لا توثّق طقوس الدفن فحسب، بل تفتح آفاقًا أوسع لفهم أنماط الاستيطان، والتنقل، والتعامل مع الموت في المجتمعات المحلية القديمة.
وعليه، فإن هذا الموقع يُعد من المواقع التراثية الجديرة بالتوثيق العلمي والحماية، لما يحمله من قيمة تاريخية وأنثربولوجية، ولما يمثّله من جزء أصيل من المشهد الحضاري لوادي بني جابر وولاية صور على وجه العموم، وهو قابل لأن يكون موقع دراسة أكاديمية، أو إدراجًا ضمن سجل المواقع الأثرية غير المنقبة.
و“أثير” إذ تعرض هذا الموضوع فإنها تؤكد أنها ليست جهة اختصاص علميّة في هذا المجال، ولا تقدّم معلومة علميّة، وإنما كان الهدف هو تسليط الضوء على جانب من جوانب الحضارة العمانية، ودعوة الجهات المختصة، والباحثين المهتمين لمزيد من الدراسات حول هذا الموقع وبقية المواقع الأخرى المنتشرة على طول ضفاف وادي بني جابر بولاية صور.

شارك هذا الخبر