كيف تُدار شبكة المياه في سلطنة عُمان ، وما الذي لا يعرفه الناس عن تفاصيلها اليومية؟

كيف تُدار شبكة المياه في سلطنة عُمان ، وما الذي لا يعرفه الناس عن تفاصيلها اليومية؟
كيف تُدار شبكة المياه في عُمان ، وما الذي لا يعرفه الناس عن تفاصيلها اليومية؟
خاص-أثير
يسيل حبر القلم عند الحديث عن الماء وعلاقته بالإنسان ومدى حاجته إليه، ولا يُمكن أن يمر يومٌ واحد دون أن يكون هناك تماس مباشر بينهما؛ فهو “شريان لكل شيء”، وعنصر أساسي في استمرارية الحياة، لذا فإن الحديث عنه بصورة مؤسسية يعني أنه ركيزة أساسية في نهضة أي مجتمع.
منذ عقود طويلة، سعى العمانيين إلى تأمين الموارد المائية وإدارتها وتخزينها من خلال أساليب تضمن إيصال المياه إلى المجتمعات آنذاك، بما يكفل استدامتها واستمراريتها، وقد شكّل اكتشاف وجود مياه جوفية في مناطق مرتفعة من باطن الأرض دافعًا لاستثمار هذه الموارد المائية على نحو أمثل، الأمر الذي أدى إلى إنشاء منظومة الأفلاج تعمل على نقل المياه من الآبار الجوفية عبر قنوات الأفلاج وصولًا إلى مختلف استخدامات المجتمعات من المياه، ومنذ ذلك الحين وحتى الوقت الحاضر، استمرت جهود الحفاظ على الموارد المائية في سلطنة عمان لضمان استدامة الأمن المائي، حيث اضطلعت الحكومة العمانية من خلال الشركات والمؤسسات المعنية بإدارة المياه، بدور فاعل في تنظيم هذا المورد الحيوي بما يضمن وصوله إلى جميع المواطنين والمقيمين داخل سلطنة عمان والحد من آثار انقطاع المياه على المجتمعات، واليوم تشير تقارير الأمم المتحدة إلى أن سلطنة عُمان هي الدولة الخليجية الوحيدة التي تفادت تصنيف “الندرة الحادة” للمياه (أقل من 500 متر مكعب للفرد سنويًا) حيث يبلغ نصيب الفرد من الموارد المتجددة حوالي 583 م³/سنة مقابل انخفاض المؤشر لدى بقية الدول الخليجية دون عتبة 500 م³.
وبادئ ذي بدء، اعتمد العُمانيون على المياه الجوفية كمصدر رئيسي للشرب والزراعة منذ قرون؛ حيث حُفرت الآبار واستُخدم نظام الأفلاج التقليدي لنقل المياه من العيون والطبقات الجوفية إلى القرى والمزارع، وحتى اليوم، ما تزال آلاف الأفلاج نشطة تروي المزارع والبساتين وتسدد احتياجات المجتمعات ، إذ تشير المعلومات إلى وجود أكثر من 3000 فلج ما تزال قيد الاستخدام في أنحاء سلطنة عمان ، وتمثّل هذه القنوات المائية القديمة التي تعمل بالجاذبية تراثًا هندسيًا واجتماعيًا فريدًا؛ فقد أدرجت منظمة اليونسكو خمسةً من الأفلاج العمانية على قائمة التراث العالمي تقديرًا لدورها التاريخي في توفير المياه وتقاسمها بعدالة بين أفراد المجتمع، ورغم أن الأفلاج مهددة اليوم بانخفاض منسوب المياه الجوفية بسبب تراجع الأمطار وزيادة الضخ، إلا أنها تظل شاهدًا حيًا على قدرة العمانيين منذ آلاف السنين على التكيّف مع شُح المياه عبر إدارة جماعية مستدامة.
ولم يعد الاعتماد على المصادر الطبيعية وحدها كافيًا لتلبية احتياجات المجتمع العماني ، حيث تُقدّر المياه الجوفية المتجددة في سلطنة عُمان بحوالي 1.3 مليار متر مكعب سنويًا، تأتي معظمها من الأمطار الموسمية المحدودة التي تتسرب عبر الأودية إلى طبقات الأرض. في حين تعد هذه الكمية المتواضعة تحديا في مواجهة الطلب المتزايد ، وبخاصة من قطاع الزراعة الذي يقدر استهلاكه بأكثر من ثلاثة أرباع الموارد المائية السنوية. في السياق ذاته تشير البيانات الرسمية إلى أن المياه الجوفية تمثل نحو 83% من إجمالي المياه العذبة المستخدمة في البلاد؛ ما يظهر مدى الاعتماد المستمر على هذه المخزونات الطبيعية. أضف إلى ذلك، أن هذه المياه تُستخدم لري المحاصيل وتزويد بعض المناطق الريفية بمياه الشرب عبر الآبار، إلا أن الإفراط في الضخ أدى في بعض المناطق إلى استنزاف المخزون الجوفي وتسرب مياه البحر إلى الخزانات الساحلية، الأمر الذي أدى إلى رفع ملوحة بعض الآبار وانخفاض جودتها
وعلاوة على ذلك، وأمام محدودية الموارد الطبيعية، اتجهت سلطنة عُمان مبكرًا إلى تحلية مياه البحر لتعويض الفجوة بين العرض والطلب، فمنذ العقود الأخيرة من القرن الماضي، أُنشئت محطات تحلية على سواحل سلطنة عمان لتوفير مياه الشرب للمدن الكبرى والمناطق الساحلية، وبفضل ذلك، تُغطي اليوم المياه المُحلّاة نسبة متزايدة من استهلاك المنازل والمؤسسات، حيث تشير التقديرات إلى أن حوالي 92% من مياه الشرب التي تصل إلى منازل العمانيين مصدرها محطات التحلية- وهي نسبة تضع سلطنة عمان ضمن الدول الأكثر اعتمادًا على التحلية في الخليج جنبًا إلى جنب مع الكويت، التي تتجاوز نسبة التحلية فيها حوالي 90٪. بالإضافة إلى ذلك، تعمل معظم هذه المحطات بتقنية التناضح العكسي الحديثة، وقد تحوّلت السلطنة نحو هذه التقنية التي تُعدّ الأعلى كفاءة لتخفيض استهلاك الطاقة؛ وبلغت حصة تقنية التناضح العكسي 100% بين محطات التحلية. كما تنتشر محطات التحلية الرئيسية قرب التجمعات السكانية الكبيرة: كمحطات مسقط الكبرى في الغبرّة وقريات، ومحطة صحار في شمال الباطنة وبركاء في جنوب الباطنة ومحطتي صور وأصيلة في الشرقيتين وعدة محطات صغيرة في محافظة ظفار لتأمين صلالة والمناطق الجنوبية في سلطنة عمان، وتنتج هذه المحطات مجتمعةً مئات آلاف الأمتار المكعبة من المياه يوميًا لسد الاحتياجات المنزلية والزراعية والصناعية والبيئية. ، فعلى سبيل المثال، تضخ محطة صحار للتحلية على ساحل محافظة شمال الباطنة المياه عبر أنابيب طويلة تصل إلى المناطق الداخلية من المحافظة.، وفي السياق ذاته، وفي مشروع حديث لتعزيز الإمدادات، موّلت سلطنة عمان خط نقل إستراتيجيًا بطول 230 كم من محطة صحار إلى محافظة الظاهرة، بكلفة 150 مليون ريال عماني، إضافة الى مشاريع استراتيجية أخرى لنقل المياه في محافظات الشرقية والداخلية والباطنة مع منظومة ضخ وخزانات بسعة تقارب نصف مليون متر مكعب لضمان تدفق المياه العذبة إلى الولايات البعيدة التي كانت تعتمد سابقًا على الآبار الجوفية، حيث تقلل هذه المشروعات الاعتماد على الآبار المحلية وتحفظ المخزون الجوفي من الاستنزاف على المدى البعيد.
وإلى جانب التحلية لمياه البحر والمياه الجوفية، استثمرت سلطنة عمان في حصد مياه الأمطار عبر السدود، فخلال العقود الماضية أُنشئت العشرات من سدود التغذية الجوفية وسدود التخزين السطحي في الأودية الموسمية لالتقاط مياه الأمطار الغزيرة حين تهطل فجأة، حيث يبلغ عددها نحو 191 سدًا متنوع الوظائف، وذلك حتى نهاية عام 2024م، منها 67 سدًا للتغذية الجوفيةتعمل على إبطاء جريان مياه الأودية ليتسنى لها التسرّب إلى باطن الأرض وتجديد المخزون الجوفي، و115 سد تخزين سطحي لحجز المياه والاستفادة منها للاستخدامات المحلية والزراعية، إلى جانب عدد من سدود الحماية من الفيضانات. أضف إلى ذلك، تصل السعة الإجمالية لجميع هذه السدود إلى حوالي 357.7 مليون متر مكعب، ومن أبرز مشروعات حصاد المياه سد وادي ضيقة في ولاية قريات، الذي يُعد أكبر سد في سلطنة عمان بسعة تقارب 100 مليون متر مكعب. كما يجري حاليا انشاء محطة تنقية تُزوّد ولاية قريات وأجزاء من محافظة مسقط بحوالي 72 ألف متر مكعب من مياه الشرب يوميًا من مخزون هذا السد لتصبح مصدرًا مائيًا مهمًا في البلاد.
وعلاوة على ما سبق، تحظى إعادة استخدام مياه الصرف الصحي المعالجة كمصدر رابع للمياه عبر إنتاج المياه المجددة باهتمامٍ متزايد في السنوات الأخيرة، فمع توسع المدن وازدياد الاستهلاك البشري للمياه، ازدادت كميات مياه الصرف الصحي التي يتم تجميعها ومعالجتها بتقنيات متقدمة، وقد أدركت الحكومة العمانية عبر الشركات والمؤسسات المعنية بإدارة المياه أن المياه المجددة مورد ثمين يمكن أن يخفف الضغط عن المياه العذبة؛ لذلك، تُستخدَم اليوم مياه الصرف المعالَجة في الري الزراعي المقيد وفي سقي المسطحات الخضراء في المدن الكبرى، فعلى سبيل المثال، تعتمد حدائق ومتنزهات مسقط إلى حد كبير على المياه المجددة القادمة من محطات المعالجة مثل محطة الأنصب ومحطة السيب ، بدلًا من استنزاف المياه الجوفية أو المُحلاّة، وتفيد الإحصائيات الصادرة من Water HQ إلى أن حوالي 35% فقط من مياه الصرف المعالجة في دول الخليج يُعاد استخدامها فعليًا حتى عام 2018م، بسبب تحديات صحية واجتماعية ولوجستية. أما سلطنة عمان فقد قطعت شوطًا مشهودًا في هذا المجال، إذ استثمرت في إنشاء شبكات توزيع للمياه المجددة لاستخدامها في الري الحضري وفي الأنشطة الزراعية مثل مشروع انشاء شبكات المياه المجددة في منطقة الشخاخيط بولاية بركاء والذي تستفيد منه على عدد من المزارع في ولاية بركاء ، وتعمل على رفع نسبة الاستفادة منها لتقليل الفاقد من المياه. كما تضع السلطنة معايير صارمة لجودة هذه المياه لضمان سلامة استخدامها في الزراعة المقيدة، بناء على المواصفات الرقابية للمعيار الدولي الذي وضعته UN Water .
وبعد استعراض مصادر المياه المتنوعة، يبرز سؤال مهم: كيف تدار شبكة المياه في عُمان من الإنتاج إلى التوزيع؟ تبدأ الرحلة المائية من مواقع الإنتاج، سواءً محطة تحلية ساحلية أو حقول آبار جوفية أو سد تخزيني، ففي مواقع الإنتاج هذه، تُجرى المعالجات الأولية والنهائية للمياه لتصبح صالحة للشرب والاستخدام البشري، وتمرر محطات التحلية مثلًا مياه البحر بعمليات تنقية دقيقة عبر أغشية التناضح العكسي لإزالة الأملاح والشوائب، ثم يُضاف مقدار محسوب من المعادن لتحقيق التوازن المناسب لجودة الماء وصحة المستهلك، وتُعقم المياه عادةً بالكلور أو مشتقاته لضمان القضاء على أي كائنات دقيقة. أما مياه الآبار الجوفية، فعادة ما تُعقم أيضًا وتُرشَّح لضبط جودة الماء وإزالة أي ملوثات طبيعية (مثل ارتفاع ملوحة بعض الآبار الساحلية أو وجود تركيز من الفلورايد في بعض الطبقات)، وفي حالة مياه السدود السطحية، تُنشأ محطات تنقية تقليدية تزيل العكارة والبكتيريا عبر الترشح والتطهير قبل ضخها في الشبكة.
وعقب مرحلة الإنتاج والمعالجة، تدخل المياه شبكة النقل والتوزيع الواسعة، حيث تمتلك سلطنة عُمان بنية أساسية متنامية من خطوط الأنابيب الإستراتيجية التي تنقل المياه عبر مسافات طويلة من مناطق الإنتاج إلى مراكز الاستهلاك، فعلى طول ساحل الباطنة وصولًا إلى الداخل، تمتد خطوط رئيسية بقطر كبير تربط محطات التحلية بمختلف المحافظات الشمالية، ويُضخ الماء عبر هذه الأنابيب بواسطة محطات ضخ قوية ترفع الضغط لضمان تدفق المياه عبر التضاريس المتنوعة، لاسيما مع وجود مناطق مرتفعة كالجبال الداخلية، وفي المشروع الذي يربط محطة صحار بمحافظة الظاهرة، جرى بناء أربع محطات ضخ بطاقة إجمالية تصل إلى 144 ألف متر مكعب يوميًا، لتدفع بالمياه عبر الأنابيب إلى عشرات القرى على طول المسار، وعلى امتداد الشبكة، أُقيمت خزانات تجميع وتوزيع في مواقع إستراتيجية (أعلى التلال المطلة على المدن غالبًا) بسعات ضخمة تصل إلى مئات آلاف الأمتار المكعبة، وتعمل هذه الخزانات كموازن لاستقرار الإمداد؛ فهي تختزن المياه في فترات انخفاض الطلب (مثل ساعات الليل) لتضخها وقت الذروة (كالنهار وأوقات الحر الشديد). كما توفر احتياطًا مهمًا لحالات الطوارئ وانقطاع الإنتاج.
وفي المرحلة التي تليها، وفي داخل الأحياء والمناطق السكنية، تتفرع خطوط التوزيع الفرعية من الخزانات الرئيسية لتوصل المياه إلى المنازل والمنشآت عبر شبكة أنابيب أصغر تمتد تحت الشوارع، وفي السنوات الأخيرة، توسعت السلطنة في مد هذه الشبكات لتغطية مناطق جديدة كانت خارج الخدمة مسبقًا، فعلى سبيل المثال، أعلن مسؤولو المياه عن خطط توصيل شبكة المياه إلى قرى نائية في محافظة الظاهرة بعد اكتمال مشروع خط صحار-عبري، بحيث تقل الحاجة للاعتماد على ناقلات المياه أو الآبار المحلية. أضف إلى ذلك أن نظام ناقلات المياه كانت وما تزال تؤدي دورًا في تزويد بعض المناطق الصغيرة أو المساكن البعيدة عن الشبكة، حيث تعبأ المياه من محطات تعبئة الناقلات التابعة لشركة نماء للمياه ويتم نقلها فيما بعد بناقلات مخصصة. بيد أن الجهات التنظيمية وضعت لوائح مشددة لضمان التزام مشغلي الناقلات بمعايير النظافة وسلامة المياه أثناء النقل، وضرورة حصولهم على تصاريح والتزامهم بعقود خدمة موحّدة، فالماء المنقول بالنقلات يخضع للرقابة. كما يُعد جزءً من منظومة التوزيع التي يجب أن توفر مستوى عاليًا من الجودة حتى وإن اختلفت وسيلة النقل.
ولإدارة هذه الشبكة الضخمة والمعقدة، تبنّت سطنة عمان حلولًا تقنية وتنظيمية حديثة، فمن الناحية التقنية، تم إنشاء مركز وطني للتحكم والمراقبة للمياه في محافظة مسقط لمتابعة عمليات ضخ المياه وتدفقها عبر مختلف أنحاء البلاد، وفي هذا المركز، تظهر على الشاشات بيانات لحظية من أجهزة الاستشعار المنتشرة، على سبيل المثال: معدلات التدفق، وضغوط الأنابيب، ومنسوب المياه في الخزانات، ووجود تسربات معينة أو أعطال فنية وتقنية، وقد تم ربط المحطات الرئيسية والشبكات بهذا المركز بحيث يمكن للمشغلين التحكم عن بُعد بفتح وغلق المضخات والصمامات، وضبط التوزيع بين المناطق بحسب الحاجة، وتُسهم هذه الرقابة المركزية في رفع كفاءة الشبكة عبر الاستجابة السريعة لأي مشكلة كتسرب أو كسر خط؛ ما يقلل فاقد المياه المعروف بـ“الفاقد غير الإيرادي” الذي تعاني منه معظم شبكات المياه عالميًا، وعلى الرغم من عدم نشر أرقام رسمية حديثة لمعدل الفاقد في سلطنة عمان فإن المعدلات الإقليمية[1] بحسب إحصائياتIDRICA(إيدريكا) تشير أحيانًا إلى ضياع 30-40% من المياه المنتجة بسبب التسربات والعدادات غير الدقيقة والتوصيلات غير المشروعة، ولهذا تركز الإستراتيجيات الوطنية على تحديث البنية الأساسية واستبدال الأنابيب القديمة، وتركيب عدادات ذكية، واستخدام أنظمة كشف التسرب بالصوت والاستشعار عبر طائرارت الدرون وذلك لتقليل الهدر إلى أدنى حد ممكن. كما تستثمر الشركة المزودة للمياه في تعزيز أسطولها وكوادرها الفنية لاكتشاف ومعالجة المشاكل الميدانية بشكل أسرع، إذ إن كل قطرة ماء موفرة تعني موردًا إضافيًا يُمكن توجيهه لمكان آخر محتاج.
وبطبيعة الحال، لا يكفي توفير المياه كمًّا ما لم تكن هذه المياه مضمونة الجودة وصالحة للشرب في كل نقطة ماء من رحلة عبورها من المصدر إلى المستهلك ، وهنا يبرز جانب الرقابة الفنية والتنظيمية لجودة المياه كإحدى الركائز الأساسية في قطاع المياه في سلطنة عمان ، حيث تعتمد السلطنة على معايير جودة صارمة تستند إلى إرشادات منظمة الصحة العالمية لمياه الشرب، فتُحدد الحدود المسموح بها للمعادن والمواد الكيميائية والمحتوى الميكروبي وغير ذلك، وتخضع المياه للفحص المختبري بصورة منتظمة في جميع المراحل: في مصدرها، وبعد المعالجة، وأثناء تدفقها في الشبكة، وعند نقاط التخزين، وحتى عند صنابير المستهلكين في بعض الأحيان للتأكد من عدم تلوثها خلال رحلة نقل المياه إلى المستهلك. ، وتقوم فرق مختصة بأخذ عينات دورية من المحطات والخزانات والشبكات لتحليلها في مختبرات جودة المياه التابعة لمزودي الخدمة، والتأكد من مطابقتها للمواصفات المعتمدة، وإذا كُشف عن أي تجاوز في المعايير – كارتفاع نسبة الكلور الثُنائي أو عكارة المياه – يتم اتخاذ إجراءات فورية مثل غسل الشبكات أو تعزيز جرعات التعقيم ومعالجة الخلل، وتلتزم سلطنة عمان بتطبيق مفهوم “خطة سلامة المياه” الشامل الذي يغطي تقييم المخاطر في كامل سلسلة الإمداد ووضع الضوابط الاستباقية لضمان نوعية المياه باستمرار.
أما على الصعيد المؤسسي، فقد شهدت سلطنة عمان تطورًا ملحوظًا في هيكلة قطاع المياه خلال السنوات الأخيرة لضمان فعالية الإدارة وجودة الخدمة، فابتداءً من عام 2020م تم تأسيس الشركة العمانية لخدمات المياه والصرف الصحي المعروفة باسم “نماء لخدمات المياه”، وذلك بموجب المرسوم السلطاني رقم 131/2020 الصادر بتاريخ 9 ديسمبر 2020 لتتولى مسؤولية إمدادات المياه والصرف الصحي في كافة محافظات السلطنة، باستثناء محافظة ظفار التي تعمل عبر كيان خدماتي مستقل، حيث جاء هذا التوحيد بهدف رفع كفاءة التشغيل والاستثمار، وتوحيد معايير الخدمة على امتداد سلطنة عمان. كما تعمل شركة نماء لخدمات المياه وفق أسس تجارية وتنظيمية حديثة، مستفيدةً من الخبرات والتقنيات المشتركة مع شركات الكهرباء (حيث تجتمع القطاعات تحت إدارة نماء)، وبجانب مهام التشغيل والتوزيع، تضطلع نماء للمياه بدور توعوي وخدمي، مثل إطلاقها خدمات العدادات مسبقة الدفع وتطبيقات الهاتف لخدمة المشتركين والإبلاغ عن التسربات، في نقلة نحو إشراك المستهلك في مراقبة الاستهلاك وتقليل الفاقد من المياه.
وفي الجانب الرقابي والتنظيمي، فتتولاه اليوم هيئة تنظيم الخدمات العامة والتي مُنحت الصلاحيات القانونية لمراقبة قطاع المياه والصرف الصحي منذ أواخر عام 2020، م، حيث تضع الهيئة اللوائح الفنية والإدارية التي يجب أن تلتزم بها شركات المياه، لضمان جودة الخدمة وعدالة الأسعار وحماية المستهلك، وفي عام 2023م أصدرت الهيئة اللائحة التنظيمية لجودة مياه الشرب عبر القرار رقم 31/2023 ، لتمثّل إطارًا شاملا يُلزم مزوّدي الخدمة بضوابط صارمة في كل ما يتعلق بنوعية المياه، حيث تشمل اشتراط إعداد خطط سلامة المياه من قبل الشركات المرخّصة، وتحديد حقوق المشتركين بالحصول على مياه مطابقة للمواصفات، ووضع إجراءات طوارئ للتعامل مع أي تلوث أو مشكلة جودة تظهر. كما تُحدّد اللائحة مسؤوليات الشركات المرخّصة في رصد جودة المياه ومعالجة المخالفات فورًا وإبلاغ الجهات المعنية، فضلًا عن حماية مصادر المياه من أي تعديات أو أنشطة ملوِّثة. الجدير بالذكر أن عبارة “المرخص له” هنا أي جهة حاصلة على ترخيص لإدارة نشاط مياه، وفي مقدمتها شركة نماء للمياه بوصفها المزود الوطني، وهكذا، أصبح الإطار التنظيمي يُغطي كل مفصل: من حماية مصادر المياه (كحق عام) إلى مراقبة المعايير المخبرية وحتى إدارة حالات الطوارئ مثل تلوث شبكة أو انقطاعها.
وإضافة إلى ما سبق، يأتي دور وزارة الثروة الزراعية والسمكية وموارد المياه في إدارة الموارد المائية الطبيعية في سلطنة عمان في وضع السياسات المنظمة لقطاع المياه، حيث إنها تضطلع بمسؤولية مراقبة السحب من الآبار عبر نظام تراخيص - فعلى سبيل المثال أصدرت الوزارة 876 ترخيصًا لحفر آبار جديدة في عام 2021م وحده- وعن إنشاء السدود وحصر المياه، وعن برامج ترشيد استخدام المياه في الزراعة مثل مشروع التحول إلى أنظمة الري الحديثة. كما تقود جهودًا نوعية لزيادة الموارد، ومن ذلك برنامج الاستمطار الصناعي الذي طبقته سلطنة عُمان بتركيب 12 محطة إطلاق للشعلات الاصطناعية في جبال الحجر وجبال ظفار[2] [3] ، بحسب إحصائيات IDRICA. وقد نجحت هذه التقنية في زيادة معدل الهطول بنسبة تُقدّر بين 15% و18% سنويًا خلال ست سنوات بحسب إحصائيات IDRICA، ما يُعد إنجازًا واعدًا نحو تعزيز التغذية الطبيعية للمياه الجوفية والسطحية، وإلى جانب الاستمطار، تتبنى الوزارة خططًا لحماية مخزون المياه من التلوث، عبر مراقبة الأنشطة الزراعية وتقنين استخدام المبيدات والأسمدة التي قد تتسرب إلى الأحواض الجوفية.
وإقليميا، من المفيد عقد مقارنة مع دول مجلس التعاون الخليجي لفهم موقع سلطنة عُمان ضمن هذا السياق الأوسع، حيث تشترك دول الخليج جميعها في واقع شُح الموارد المائية الطبيعية وارتفاع الطلب بسبب المناخ الصحراوي والنمو السكاني والاقتصادي السريع، لكن تنوع مصادر المياه يختلف نسبيًا من بلد لآخر، فعلى سبيل المثال، تكاد الكويت تعتمد بالكامل على مياه التحلية لسد احتياجات الشرب (بنسبة تفوق 90% كما أسلفنا) لعدم وجود مياه جوفية عذبة[4] [5] ، وفي الإمارات، ورغم وجود بعض المياه الجوفية المحدودة، إلا أن نحو 42% فقط من مياه الشرب مصدرها التحلية والباقي يأتي من المياه الجوفية شديدة الملوحة التي تُعالج أو من إعادة تغذية خزانات جوفية بمياه مُحلاة، وتعتمد السعودية أيضًا بصورة كبيرة على التحلية (حوالي 70% من مياه الشرب)[6] [7] ، لكنها تاريخيًا استخدمت مخزونات هائلة من المياه الجوفية العميقة (غير المتجددة) في الزراعة؛ ما أدى إلى نضوب الكثير منها. في حين أن سلطنة عمان تتموضع في المنتصف تقريبًا، حيث تمتلك مزيجا من المصادر، فنسبة كبيرة من المياه العذبة للاستخدام الكلي تأتي من المياه الجوفية (83%) نظرًا لهيمنة القطاع الزراعي، لكن في جانب مياه الشرب تحديدًا أصبحت التحلية تغطي القسط الأكبر (92%. [8] [9] وفي هذا السياق، تحظى سلطنة عمان بأعلى حصة من الموارد المائية المتجددة سنويًا بحساب نصيب الفرد مقارنة ببقية دول الخليج؛ فعلى الرغم من ندرة الأمطار، يبلغ نصيب العماني من الموارد المائية الطبيعية حوالي 304 أمتار مكعبة في السنة، وهو أعلى من نصيب المواطن في الإمارات أو قطر أو الكويت الذي قد يقل عن 100 متر مكعب. [10] [11] هذا لا يعني أن الوضع مريح، بل جميع هذه الأرقام دون خط الفقر المائي العالمي (500 متر مكعب للفرد سنويًا)[12] [13] ، لكنها توضح أن التضاريس العمانية (كالجبال التي تحتجز شيئًا من الأمطار) تمنح البلاد أفضلية نسبية بسيطة في موارد المطر مقارنة بالصحراء المفتوحة في بقية الجزيرة.
أضف إلى ذلك، فإن دول الخليج تشهد معدلات عالية من الاستهلاك الفردي للمياه تفوق المعدل العالمي بأضعاف، مدفوعة بالدعم الحكومي للأسعار وأنماط العيش ومستويات الدخل، فيبلغ متوسط استهلاك الفرد الخليجي نحو 560 لترًا في اليوم (أي ما يعادل ضعف أو ثلاثة أضعاف المتوسط العالمي البالغ ~180 لترًا)؛ ما يضع ضغطًا هائلًا على البنية الأساسية للإمداد، حيث إن الاستهلاك المرتفع المقرون ببُنى أساسية ممتدة، يجعل السيطرة على فاقد الشبكات أمرًا مهما،وفي دول مثل الأردن ولبنان المجاورتين تصل نسبة الفاقد إلى 40-50% من المياه المنتجة، أما في دول الخليج الغنية فقد استثمرت حكوماتها في تحديث الشبكات نسبيًا لتقليل التسربات، فعلى سبيل المثال قامت المملكة العربية السعودية في السنوات الأخيرة بإطلاق برنامج وطني لخفض فاقد المياه ضمن مبادرة التحوّل البلدي، وحققت بعض المناطق انخفاضًا ملموسًا في نسب التسرب وذلك عبر استبدال خطوط قديمة. في حين تبنت دولة الإمارات العربية حلول المدن الذكية لمراقبة شبكاتها (خاصة دبي وأبوظبي) وذلك باستخدام العدادات الذكية وأنظمة التحكم عن بعد. أما في قطر، ورغم شبكة حديثة نسبيًا، فقد أشارت تقارير إلى جهود لخفض الفاقد لما دون 20%[14] [15] بحسب إحصائيات IDRICA، وفي سلطنة عمان فإن شبكتها ما تزال في طور التوسع والتحديث؛ إذ ورثت بعض الأجزاء القديمة من عقود سابقة. وتسعى عبر شركة نماء للمياه إلى خفض معدلات الفاقد من المياه تدريجيًا من خلال مشروعات استبدال الأنابيب القديمة ورقمنة عمليات كشف التسرب، وكذلك رفع الوعي لدى المستهلكين حول الإبلاغ عن الكسور والتسربات فور حدوثها. ووعلى صعيد التحديات المناخية، تتقاسم دول الخليج المخاوف بشأن مستقبل أكثر جفافًا وسخونة، حيث ترتفع درجة حرارة المنطقة بمعدل أسرع من المتوسط العالمي؛ ما يزيد من تبخّر المياه ويؤجج الطلب عليها. كما تشير الدراسات المناخية إلى احتمال انخفاض معدلات الهطول مستقبلًا وازدياد الظواهر الجوية المتطرفة كالعواصف المفاجئة، ويعني هذا أن الموارد مثل المياه الجوفية ستتجدد أقل من السابق، مع احتمال تملّح أكبر للطبقات الساحلية نتيجة ارتفاع مستوى سطح البحر، وفي السياق ذاته، لدى سلطنة عمان وضع مناخي خاص نسبيًا في جزء من أراضيها؛ حيث تتأثر محافظة ظفار بموسم الخريف (المونسون) الذي يجلب ضبابًا وأمطارًا خفيفة منتظمة كل صيف، ما ينعش الينابيع الجبلية هناك، ومنح هذا النظام المناخي الفريد ظفار اكتفاءً مائيًا نسبيًا في الماضي عبر الينابيع الجارية طوال العام.، وفي المقابل، تواجه سلطنة عمان تحديات أعنف أحيانًا عبر الأعاصير المدارية النادرة التي تضرب سواحلها بين حين وآخر (مثل إعصاري جونو 2007 وميكونو 2018 وشاهين 2021)، مسببةً فيضانات كبيرة قد تُتلف البنية الأساسية للمياه لكنها أيضًا تعيد شحن الأحواض الجوفية بكميات هائلة من المياه دفعةً واحدة، ودفع التعامل مع هذه الاختلالات المناخية السلطنة إلى تعزيز مرونة منظومة المياه: فإضافةً لمشروعات السدود والاستمطار، تدرس سلطنة عمان تقنيات مبتكرة مثل تخزين المياه المُحلاة في الطبقات الجوفية كاحتياطي إستراتيجي يستخدم عند الحاجة، وفي إطار جهود سلطنة عُمان لتنويع مصادر إمدادات المياه وتعزيز جاهزية منظومة الإمداد في حالات الطوارئ، تعمل نماء لخدمات المياه على تنفيذ محطة تنقية مياه سد وادي ضيقة في ولاية قريات، وهو مشروع محوري للبنية التحتية المائية. يهدف المشروع إلى تنقية مياه السد بقدرة إنتاجية تصل إلى نحو 65,000 متر مكعب يوميًا من المياه المعالجة، تُخصَّص حوالي 35,000 متر مكعب يوميًا للاستخدام في الشبكة الرئيسية كمياه شرب و30,000 متر مكعب يوميًا للري الزراعي بالتنسيق مع وزارة الثروة الزراعية والسمكية وموارد المياه.
ومن زاوية نُظُم الجودة الصحية للمياه، لا تختلف المعايير كثيرًا عبر دول الخليج لضمان ماء صالح وآمن للشرب وفق المقاييس الدولية، ومع تحقيق دول المجلس نسبة تكاد تبلغ 100% في إمداد السكان بمياه محسّنة وآمنة، يبرز الجانب المؤسسي في مدى صرامة الرقابة واستمراريتها، وفي سلطنة عمان يوجد إطار قانوني جديد يلزم الشركات بتطبيق إجراءات جودة شاملة، وفي السعودية، تضطلع شركة المياه الوطنية هناك بمراقبة جودة المياه عبر مختبرات إقليمية وتجهيزات حديثة، وتصدر تقارير دورية عن مطابقة الإنتاج لمواصفات وزارة الصحة. أما الإمارات فلكل إمارة جهازها المشرف (كهيئة كهرباء ومياه دبي “ديوا” أو شركة أبوظبي “أدنوك للماء والكهرباء” سابقًا)، وتطبق برامج رقابة ذاتية ووزارية لضمان أن مياه الصنبور لديهم يمكن شربها مباشرة بثقة. حتى الكويت والبحرين وقطر – رغم صغرها جغرافيًا – تفرض عبر وزاراتها وبلدياتها اختبارات جودة يومية لأنظمة المياه وتعلن النتائج بشفافية، وربما تكمن التحديات النوعية في جودة المياه بخليجنا في إدارة المخلفات الكيميائية الناتجة عن التحلية وعمليات المعالجة، فعلى سبيل المثال، تتعامل جميع دول الخليج مع مشكلة التخلص الآمن من محلول المحلول الملحي المركز (البراين) الناتج عن التحلية، وهو ليس قضية جودة مياه الشرب بحد ذاتها بل قضية بيئية قد تؤثر على مياه البحر وأنظمته البيئية إذا لم تعالج بمسؤولية، وكذلك الحال في إدارة شبكات الصرف الصحي ومعالجتها لمنع أي تسرب قد يلوث المياه الجوفية، ولحسن الحظ، قطعت دول الخليج خطوات جيدة في تحديث معايير إعادة استخدام مياه الصرف بحيث تضمن عدم تأثيرها على الصحة العامة، ونذكر هنا أن لسلطنة عُمان مواصفات معتمدة لإعادة استخدام مياه الصرف منذ 1993 يتم تحديثها دوريًا، وهي من أوائل الدول العربية في ذلك.
وختامًا، تعد المياه موردًا حيويًا في سلطنة عمان يستلزم المحافظة عليه وإدارته بكفاءة، الأمر الذي يشكّل تحديًا جوهريًا لشركات المياه والمؤسسات الداعمة للقطاع، حيث تسعى هذه الجهات إلى تأمين المنظومة المائية بما يضمن استدامتها و استمرارية خدماتها، ويحدّ في ذات الوقت من تأثر المجتمعات بأي انقطاعات محتملة، وانطلاقًا من ذلك، عملت الحكومة على تطوير منظومة متكاملة لإمدادات المياه تجمع بين التخطيط الهندسي المتدرج، والإدارة التقنية المتقدمة، والحوكمة المؤسسية والتنظيمية الرشيدة، وتشمل هذه المنظومة شبكات التوزيع داخل الأحياء السكنية، وأنظمة الناقلات المكملة للشبكة، إضافة إلى مراكز التحكم والمراقبة الحديثة، بما يحقق كفاءة التوزيع واستمرارية الإمداد وتقليل الفاقد المائي. كما أسهمت إعادة هيكلة القطاع وتوحيد إدارته تحت مظلة شركة وطنية مرخّصة، إلى جانب وجود جهة تنظيمية مستقلة، في تعزيز الشفافية ورفع جودة الخدمة وحماية حقوق المستهلك النهائي، وعليه؛ يُعد قطاع المياه في سلطنة عمان ركيزة أساسية من ركائز الأمن المائي، ويعكس توجهًا إستراتيجيًا يوازن بين تلبية الاحتياجات الراهنة والاستعداد للتحديات المستقبلية المرتبطة بالتغيرات المناخية والنمو السكاني.
[2]المصدر...
[4]المصدر
[6]المصدر
[8]المصدر
[10]المصدر
[12]المصدر
[14]المصدر

شارك هذا الخبر