خاص- أثير
يُقال ”ليس كل ما يلمع ذهبًا“، لكن ماذا لو كان المقصود هو الذهب بنفسه! ألا يكون لمعانُه مغريًا للبعض، وهو الذي ”يُتزيَّن“ به في الأفراح، و ”يُتحَّزم“ به في وقت الشدائد وعند احتدام وطيس الحروب والشدائد والأزمات.
لكن موضوعنا هنا اليوم يتعدّى رغبة الشخوص إلى اقتنائه، أو تسارع العائلات التجارية إلى استثماره، لـ ”ينبش“ علاقة بلادنا مع هذا ”الكنز“ الذي أصبح بمقياس اليوم وزنًا للاقتصاد القوي، وعلامةً على الثراء عندما يرتفع سعره بصورة قياسية، وأداةً للخسارة عندما تفقده البورصة التوازن وتهوي به إلى الحضيض، وبين هاتين الأداتين والمشاعر المتباينة من الارتفاع والهبوط يقول الذهب المركون في البنوك المركزية للدول: ”ها أنا ذا“.

نُنتِج بدلا من الشراء
نبدأ مشوار علاقة بلادنا بالذهب من تصريح أدلى به معالي عبدالسلام بن محمد المرشدي الذي يرأس الصندوق السيادي لسلطنة عمان بمسمى جهاز الاستثمار العماني لإذاعة الوصال في شهر يناير الماضي أشار فيه إلى إستراتيجية جديدة لزيادة مخزون البلاد من الذهب بالإنتاج بدلا من الشراء، معللًا ذلك بأن أسعار الذهب المرتفعة جدا عالميًا جعلت من الصعب بناء مخزون إستراتيجي منه عبر الشراء المباشر من الأسواق رغم توفره؛ لذا فإن الطريقة الأنسب لزيادة الاحتياطيات منه هي التوجه نحو إنتاجه مباشرة في الدول التي تمتلك مخزونات كبيرة من الذهب أو المعادن الأخرى، خصوصًا تلك التي تربطها بالسلطنة علاقات قوية ومطمئنة، مؤكدًا المرشدي وجود دول منحت السلطنة مناطق امتياز في مناجم مُنتجة بالفعل؛ الأمر الذي وفّر الكثير من الوقت والتكلفة المرتبطة بعمليات الاستكشاف الأولية، موضحًا بأن منح بلادنا الأولوية يعود بصورة مباشرة إلى سمعتها ودبلوماسيتها الاقتصادية.

ما وضع الذهب في بنكنا المركزي؟
في ديسمبر 2025م أي قبل شهرين من الآن أصدر البنك المركزي العُماني تقريرًا اطلعت عليه ”أثير“ بعنوان ”تعزيز الاحتياطيات الأجنبية الرسمية من الذهب في ظل المتغيرات الدولية“، كشف من خلاله حقيقة ما يُثار باستمرار عن بيع الاحتياط العماني من الذهب، حيث أوضح التقرير بأن الذهب لم يشكّل قيمة تُذكر في محفظة احتياطيات البنك المركزي العُماني خلال الفترة من مايو 2002م حتى سبتمبر 2022م، بعد قرار بيع معظم حيازاته من الذهب في تلك الفترة؛ تماشيًا مع التوجهات العالمية آنذاك، لافتًا التقرير إلى أن رؤية البنك المركزي العُماني لتعميق التنويع الإستراتيجي وتعزيز متانة الاحتياطيات أثمر عنها شروع البنك منذ عام 2022م في تنفيذ برنامج شراء تدريجي للذهب، حيث ارتفعت حيازاته إلى 8.74 طنًا، وبلغت حصة الذهب نحو 9.4% من صافي محفظة الاحتياطيات الأجنبية في أكتوبر 2025م، ليُعد البنك المركزي العُماني من بين ثلاثة بنوك مركزية خليجية فقط زادت حيازاتها من الذهب خلال السنوات الأخيرة، إلى جانب مصرف قطر المركزي ومصرف الإمارات العربية المتحدة المركزي.
وبحسبة سعر الذهب -أثناء إعداد هذا الخبر نظرًا للتغير المتسارع فيه- فإن 8.74 طنًا تتجاوز قيمتها الـ500 مليون ريال عُماني تقريبًا.

الذهب وسلطنة عمان حكاية متواصلة
عند البحث عن الذهب وسلطنة عُمان سنجد أن الحديث ”ذو شجون“، ويتشعّب إلى محاور عدة، فما بين حديثٍ عن استخراج كميات تجارية ثم نفي المعلومة، ودراسات علمية فحصت جبال عمان وسهولها بحثًا عن الكنز اللامع، إلى أخبار وتقارير تعود إلى بداية الألفية في مواقع خارجية تتكشّف لك أهمية هذا المعدن الطبيعي، وتسارع أي خبر أو معلومة تُربط به بلادنا، ولك -أيها القارئ العزيز- أن تخوض غمار البحث عن ذلك بـ ”ضغطة زر“.
ففي خبر نشره موقع (الجزيرة نت) في عام 2002م قالت الشركة الوطنية للتعدين إنها اكتشفت مكامن للذهب والنحاس قابلة للاستغلال التجاري شمالي السلطنة، وهو اكتشاف وصفه مسؤول بوزارة التجارة والصناعة العمانية آنذاك بأنه ”مهم جدا“.
وفي عام 2015م أكد الدكتور صبحي نصر مدير مركز أبحاث علوم الأرض في جامعة السلطان قابوس أن الذهب موجود في السلطنة بنسب متفاوتة كناتج ثانوي، موضحًا بأن دراسة أجراها المركز في منطقة وادي الجزي وشناص أظهرت عدة نتائج منها أن كميات كبيرة من الخبث المنصهر من النحاس ما تزال تحتوي على كميات ثانوية من الذهب خصوصا (الخبث القديم)، مشيرًا إلى أن الكميات التجارية من الذهب متوفرة في بعض مناطق السلطنة مع النحاس، وأن دراسات المركز أشارت إلى أن طن النحاس يحتوي على ما بين جرام واحد إلى 5 جرامات من الذهب، في أقصى حدوده لكن قد توجد شواذ تصل إلى 20 جراما لكنها نادرة.
وفي عام 2017م نفى سعادة المهندس هلال بن محمد البوسعيدي الرئيس التنفيذي للهيئة العامة للتعدين آنذاك وجود اكتشاف لكميات تجارية من الذهب في السلطنة، لكنه أشار في تقرير بثه تلفزيون سلطنة عمان إلى مؤشرات لوجود كميات تجارية للذهب في محافظة شمال الباطنة.
وفي عام 2020م نشر ”الخليج أونلاين“ خبرًا أشار إلى أن الذهب موجود في مناطق كثيرة من سلطنة عُمان، لكن أغلبه غير تجاري، وثلاثة مواقع على أقل تقدير بها كميات تجارية منه، موضحًا بأن السلطنة أنتجت ما بين 1985م و 2007م عن طريق شركة عُمان للتعدين نحو 7700 كغ ذهب، و50 ألف كغ فضة، قبل أن يتوقف الإنتاج لعدة أسباب.
وفي ديسمبر 2025م أكد تقرير نشرته وكالة الأنباء العمانية بأن المسوحات الجوية والجيوكيميائية التي أجرتها شركة تنمية معادن عُمان خلال الفترة الماضية كشفت عن شواهد جيولوجية لعدة خامات إستراتيجية تشمل الذهب، والنحاس، والزنك، والرصاص، والكروم، وتضمن التقرير تصريحًا للمهندس مطر بن سالم البادي الرئيس التنفيذي لشركة تنمية معادن عُمان قال فيه بأن المؤشرات الحالية تعكس فرصًا واعدة للاستكشاف في سلطنة عُمان، مشددًا على أن المرحلة الحالية ما تزال ضمن نطاق الدراسات الفنية، وأن تأكيد وجود كميات تجارية لأي خام- بما في ذلك الذهب- يستوجب استكمال مراحل الاستكشاف التفصيلية وفق المعايير الدولية.

لماذا الذهب؟
شكّل الذهب أهمية كبيرة للبشر منذ القدم، لكن البعض يتساءل: ما علاقته بالاقتصاد؟
والإجابة بسيطة جدا: كلما زاد الذهب في بنكك المركزي؛ انعكس ذلك إيجابًا على اقتصادك وزاده قوةً، وأسهم في رفع تصنيفك الائتماني، وهو ما يفسّر الاتجاه العالمي الذي اتخذه معظم البنوك المركزية في السنوات الأخيرة الماضية لزيادة حيازاتها من الذهب من أجل تعميق التنويع في محفظة أصولها من النقد الأجنبي والسبائك، خصوصًا مع سعر الذهب في الأسواق العالمية الذي اتخذ مسارًا تصاعديًا بصورة واضحة، فمنذ عام 2022م حقق الذهب قفزات سعرية غير مسبوقة، الأمر الذي حقق للبنوك المركزية والمستثمرون عائدات مالية استثنائية خصوصًا في عامي 2024م و2025م، حيث بلغ متوسط العائد السنوي في عام 2025م (حتى نهاية أكتوبر) قرابة 38%، وهو الأعلى منذ بداية القرن الحالي.

كيف سنزيد خزينتنا من المعدن الثمين؟
لم تكن تصريحات رئيس جهاز الاستثمار العماني استهلاكًا إعلاميًا، وإنما تأكيدٌ على نهج إستراتيجية الإنتاج، حيث جاءت تصريحاته بعد أن وقعت سلطنة عُمان ممثلة بالجهاز مع بوركينا فاسو اتفاقيّات تعاون استثماري بينها تأسيس مشروع مشترك في قطاع تعدين الذهب وفق أعلى معايير الحوكمة والسّلامة والاستدامة، وذلك بين شركة تنمية معادن عُمان وشركة المشاركة المعدنية لبوركينا فاسو التي شهدت خلال الأشهر التسعة الأولى من عام 2025م قفزة غير مسبوقة في إنتاج الذهب، إذ ارتفع الإنتاج بنسبة 58% ليصل إلى 70.43 طنا، متجاوزا إجمالي إنتاج عام 2024م بأكمله الذي بلغ نحو 61 طنا.

كما أن توجه البنك المركزي العُماني لتعزيز احتياطياته من الذهب لم يكن بعيدًا عن الاتجاه العالمي، حيث تشير المعطيات إلى استمرار الطلب المرتفع على الذهب وارتفاع أسعاره على المدى القصير، مع بقاء حصة الذهب الحالية في محفظة احتياطيات البنك المركزي العُماني ضمن النطاق الذي توصي به الدراسات الاقتصادية والاستثمارية التي توصي بحصة تتراوح بين 5% و15% من الاحتياطيات، في حين تبرر الدراسات الموجهة للسياسات الاحتفاظ بحصص أعلى، نظرًا لدور الذهب كملاذ آمن وخلوه من مخاطر الطرف المقابل، ووفقًا لمسح مجلس الذهب العالمي لعام 2025م فإن:
• 95% من البنوك المركزية تتوقع زيادة حيازات الذهب عالميًا خلال 12 شهرًا.
• 73% تتوقع تراجع حصة الدولار الأمريكي خلال خمس سنوات.
• 43% تتوقع زيادة حيازاتها من الذهب خلال عام واحد.





