”زكاة نخيل صور كلها تؤكل رطبا“: كيف ظهرت ولاية صور في نصوص المسائل والجوابات الفقهية؟

”زكاة نخيل صور كلها تؤكل رطبا“: كيف ظهرت ولاية صور في نصوص المسائل والجوابات الفقهية؟
زكاة نخيل صور كلها تؤكل رطبا
أثير- د. محمد بن حمد العريمي
تُعدّ مدينة صور إحدى أعرق المدن العُمانية وأكثرها حضورًا في الذاكرة التاريخية للمنطقة، لما أدته من أدوارٍ محورية في الملاحة البحرية، والتجارة، والتواصل الحضاري عبر قرونٍ طويلة، فقد شكّلت صور، بحكم موقعها الجغرافي على بحر العرب، بوابةً بحريةً مهمة ربطت عُمان بموانئ المحيط الهندي وشرق أفريقيا والهند وبلاد فارس، وأسهمت في بناء شبكة واسعة من العلاقات الاقتصادية والثقافية.
كما برزت صور في التاريخ السياسي العُماني من خلال إسهامات رجالاتها في إدارة شؤون الملاحة والتجارة، ودورهم في دعم الحضور العُماني خارج حدود البلاد، خاصة في سواحل شرق أفريقيا، وقد انعكس هذا الامتداد البحري على هوية المدينة، التي تشكّلت من مزيجٍ غني من الانفتاح، والمهارة، وروح المغامرة.
ونتيجةً لهذه الأهمية فقد كان لمدينة صور حضور لافت في المدوّنات الفقهية العُمانية، ليس بوصفها موضعًا جغرافيًا فحسب، بل باعتبارها فضاءً اجتماعيًا واقتصاديًا حيًّا انعكست تفاصيله بوضوح في أسئلة الفقهاء وفتاويهم ونوازلهم عبر القرون، فقد شكّلت صور، بحكم كونها مدينة ساحلية وتجارية كبرى، بيئةً خصبة لظهور قضايا فقهية متصلة بالملاحة البحرية، والتجارة، والمعاملات، والعلاقات الاجتماعية المتشابكة.
وتكشف كتب النوازل والفتاوى العمانية عن ورود اسم صور في سياق مسائل تتعلّق بـالبيوع البحرية، مثل أحكام الشِّركة في السفن، وتقسيم الأرباح، وضمان الهلاك في الرحلات البحرية، وأحكام القرض والسَّلَم المرتبطين بالتجارة الخارجية. كما تناول الفقهاء مسائل واقعية نشأت في صور بسبب اتصالها الدائم بالموانئ البعيدة، كحكم التعامل مع تجّار من أديان وثقافات مختلفة، وأحكام الأمان، والذمم، والوفاء بالعهود.
”أثير“ تقترب في هذا التقرير من إحدى أوراق العمل المهمة التي تناولت جانبًا من حضور مدينة صور في المدونات الفقهية العمانية: القضاء، والتجارة، والسياسية، وقدّمها الدكتور ناصر بن سيف السعدي الأستاذ في كرسي اليونسكو لدراسات الأفلاج وعلم المياه الاجتماعي بجامعة نزوى، ضمن أوراق عمل مؤتمر البعد التاريخي والحضاري لولاية صور، الذي استضافته مدينة صور خلال الفترة من السابع وحتى التاسع من ديسمبر 2025م.
مقدمة عامة
وردت الإشارات المتعلقة بصور وقراها وتوابعها في عدد من المدونات الفقهية التي تمتد من القرن الثامن عشر إلى بدايات القرن العشرين، وتشمل فواكه العلوم، وكتاب فواكه البستان والجامع الكبير، وأجوبة المحقق، إضافة إلى جوابات السالمي، ومن خلال النصوص والإشارات الفقهية تتكون صورة لطبيعة الحياة الاقتصادية والاجتماعية في صور، وما ارتبط بها من مسائل فقهية تتصل بالبحر والتجارة والزراعة والمعاملات اليومية. كما أسهمت أسئلتها الفقهية في إنتاج المعرفة الفقهية العمانية، خصوصًا في قضايا البحر.
وتكشف نصوص المسائل والجوابات الفقهية أن مدينة صور لم تكن مجرد محطة بحرية، بل مدينة تجمع بين أنماط متعددة، ومهن بحرية وزراعية، وأسواق. كما تؤكد النصوص أن الزراعة – خصوصا النخيل – كانت جزءا من اقتصاد الولاية، كما في النص القائل بأن ”زكاة نخيل صور كلها تؤكل رطبا“.
وتتناول تلك النصوص عددا من الموضوعات، تشمل ما يلي: قضايا الأموال والحقوق الشرعية: الأوقاف، والوصايا، والزكاة، وبيت المال، ومسائل التجارة والتنقل: أجور حمل البضائع بين صور ومصيرة والهند وظفار وعدن، وفساد الشحنات، وارتفاع تكاليف النقل، والحوادث البحرية: غرق السفن، الأسر، وفقد الأزواج في البحر، والضرائب والجبايات والجزية، وتنظيم البيع، وغيرها مثل قضايا الجهاد والتنظيم العسكري.
أولا: القرى والبلدان المرتبطة بصور
أشار الباحث الدكتور ناصر السعدي إلى أن الإشارات الواردة في المسائل والجوابات دلّت على امتداد مدينة صور إلى قرى تابعة لها وأخرى ترتبط بها عبر التجارة البرية والبحرية، فقد ورد ذكر طيوي في سياق نزاع مع " بانياني ادعى عليه أهل الساحل من طيوي أنه أحرق بيوتهم”.
وتظهر إفتاء وعبات في مسائل الوصايا وثمار النخيل، كما في النص: ”وفيمن أوصى بثمرة نخلة من فتى أو عبات“. أما قلهات فتأتي الإشارة إليها في مواضع تتصل بمدارسها وأوقافها. بينما يظهر رأس الحد في مسائل الملاحة والنقل، حيث ورد: " فيمن نول إنسانا بشيء من الجواني الأرز في سفينة من مسقط إلى الحد”، وأما خور صور فقد جاء بوصفه معلما اقتصاديا تجرى فيه عمليات البيع وتجبى فيه العشور.
المدن والقرى العمانية التي ارتبط ذكرها بولاية صور
أشار الباحث السعدي إلى ذكر ولاية صور ارتبط أيضا بعدد من المدن العمانية التي ورد ذكرها في قضايا تجارية أو قضائية أو ما يتعلق بالزكاة، ومنها:قريات، ومسقط، ومصيرة، وإبراء، ونزوى، وسمائل، ودغمر،ويظهر ذلك في نصوص مثل: ”في رجل أصله مزرعته في صور… وبعد انتقل إلى قريات…“، " أرأيت إذا سار هؤلاء القادمون من صور فوصلوا إلى بندر مسقط”، " فيمن أتانا شاكيا بصور وخصمه بأرض إبراء”، ”فسار صاحب السفينة من صور إلى مصيرة… فلم يجد شيئا هناك“، احمل لي هذا المتاع من نـزوى إلى صور من غير كراء".
مدن وبلدان المحيط الهندي وبحر العرب
ومن مدن المحيط الهندي وبحر العرب التي ارتبط ذكرها بولاية صور في نصوص المسائل والجوابات الفقهية: اليمن وشرق أفريقيا والهند، كما في النصوص: ”وكل رجلا في مركب له… يحمل… من بندر صور إلى بندر عدن“، ”امرأة جاء خبر زوجها أنه ركب من اليمن في سفينة قاصدا بندر صور… ولم يبن خبره"، ”..أن أباه ركب عندي من زنجبار إلى المكلا… ثم شحنته من بندر المكلا إلى صور".
وتدل هذه الشواهد جميعا على أن صور كانت مدينة بحرية ترتبط داخليا وخارجيا عبر شبكة من الطرق التجارية والملاحية.
ثانيا: عادات أهل صور في البيع والشراء وتنظيم السوق
بحسب الباحث الدكتور ناصر بن سيف السعدي، فقد كشفت النصوص الفقهية عن بعض العادات التي كانت تحكم سوق صور ومعاملاتها التجارية، ومن أبرزها عادة الموافاة التي تضبط مواعيد الوفاء وتسليم الحقوق، كما في النص الكامل: ”عادة أهل بلد صور الموافاة عندهم بتسليم حقوق الناس في وقت معلوم“.
كما تعبر بعض النصوص إجراءات التعامل مع الطوارئ البحرية، إذ يرد وصف لكيفية تصرف التجار وربابنة السفن في أوقات الخطر، كما في النص الكامل: فلما وصلوا صور وضربهم الخب… فرمى المتاع…"
وتظهر كذلك تقاليد التفاوض عند أخذ الزكاة، وتشير النصوص إلى مقاومة بعض الناس لأدائها لولا إصرار الجباة، كما في النص الكامل: ولو تركناهم… لما حصلنا منهم شيئا”.
وهذه الشواهد تعبر عن مجتمع صور البحري–التجاري، الذي تداخلت فيه الأعراف التنظيمية مع واقع البحر وتقلباته.
ثالثا: العشور والضرائب والجباية
بحسب ما وصل إليه الباحث السعدي، يظهر ميناء صور في النصوص الفقهية أنه من الموانئ العمانية التي تجمع فيها العشور والرسوم البحرية، ففي مسائل العشور المفروضة في الخور يرد التساؤل بشأن الإجراءات المتبعة لتنظيم بيع بضائع: ”هل يصح لنا أن نترك دلالا معلوما لبيع ما عندهم… لأجل العشور أعني قعد الساحل…“، وهو نص يدل على الآليات المالية المتبعة لأخذ العشور.
كما تكشف بعض الأسئلة عن طبيعة التعامل مع التجار القادمين من سواحل يحكمها مشرك، وذلك من خلال السؤال: ”أيجوز لنا أن نأخذ من المسلمين خاصة… أم لا؟“.
وإلى جانب العشور، يظهر في النصوص حضور لـزكاة النقد والحلي والمتاجر في صور، وهذا يدل على تنوع النشاط التجاري وتنوع رؤوس الأموال فيها، إذ جاء: ”يقر بعضهم بعشرة قروش وتوطأ عليهم خمسة عشر“.
رابعا: قضايا النزاعات البحرية والشحن والفقد
تكشف النصوص الفقهية التي توصل إليها الدكتور ناصر السعدي عن تعدد القضايا المرتبطة بالشحن البحري في صور، وترد في هذه النصوص حوادث الغرق والفقد، حيث جاء: " أصابهم خب وغرقت الخشبة”. كما ترد نزاعات تتعلق بالكراء والإخلال بالعقود بين التجار والربابنة، كما في النص: ”امتنع صاحب الخشبة عن تسليم متاعه“.
وفي مسائل المفقودين في البحر، تتساءل النصوص عن الحكم الشرعي لمن فقد خبره، كما في النص: " وفي امرأة جاء خبر زوجها أنه ركب من اليمن في سفينة قاصدا بندر صور… ولم يبن خبره حتى مضت سنون، أيكون هذا مفقودا أم لا؟ وتكتفي المرأة بخبر الشهود… أم لا؟"
كما تظهر إشارات عن الأسرى الذين أخذهم الإفرنج من أهل صور، كما في النص: " أخذ الأفرنج مجموعة من أهل صور أسرى وظلوا عندهم زمن”.
وتتسع الدائرة لتشمل النقل البري المتصل بالميناء، كما في النص: ”وما تقول في رجل قال لرجل احمل لي هذا المتاع من نزوى إلى صور من غير كراء… فأبى الجمال أن يحمل له متاعه إلا بكذا وكذا من الكراء وإلا تركه في الطريق“.
كما ترد مسائل تخص استئجار السفن نفسها، مثل: " وفي أناس اكتروا مركبا من بندر مسقط إلى بندر صور على البهار بكذا وكذا لارية، فلما وصلوا صور وضربهم الخب”.
خامسا: السلع والبضائع الواردة والمتداولة
يذكر الباحث ناصر السعدي أن النصوص الفقهية العمانية كشفت بدقة عن تنوع كبير في السلع التي وردت في النصوص الفقهية. فقد ورد ذكر منتجات مثل التمر، واللبان، والبسر، والأرز، والخشب، واللبان، إلى جانب الثياب والقماش، بل وحتى العبيد والإماء، إضافة إلى البضائع الواردة من الهند وزنجبار.
وتدل مسائل مثل: ”فيمن نول إنسانا على أن يشحن له ألف صيدة أو ظرفة بسر، والمنول في صور، والمتاع في مصيرة أو غيرها إلا أنها نازحة من بندر صور“، و ”فيمن نول إنسانا بشيء من الجواني الأرز في سفينة من مسقط إلى الحد“.
سادسا: الأقوام والجماعات
تكشف النصوص الفقهية عن تنوع بشري وثقافي واسع في مدينة صور، يظهر من خلال حضور جماعات مختلفة مارست التجارة أو أقامت في المدينة لفترات متفاوتة، ومن أبرز هذه الجماعات البانيان (التجار الهنود) الذين ظهروا في بعض النزاعات، كما في قضية البانياني في طيوي.
كما تظهر النصوص وجود المجوس الذين كانوا يقيمون أو يترددون على صور، كما في النص: يسافرون إلى صور ويقعدون فيها الشهر والشهرين”.
كما تبرز أسئلة تتعلق بديانات الفئات الاقتصادية مثل النص: "وفي مجوسي ساكن في جعلان، ويسافر إلى صور ويقعد فيها الشهر والشهرين… ما حال جزيته؟"
إلى جانب ذلك، تطرح أسئلة فقهية حول الغرباء القادمين من بلاد يحكمها مشرك، تتعلق بكيفية معاملتهم في العشور والجبايات، ومن ذلك النص الذي يقول: أسألك سيدي عن هؤلاء الغرباء إن قدموا إلينا وكانوا يقرون أن حاكمهم مشرك… أيجوز لنا أن نأخذ من المسلمين خاصة كما يقرون أنه يأخذ من المشركين خاصة، أم نعرض عن المشركين والمسلمين؟ أرأيت إذا سار هؤلاء القادمون من صور فوصلوا إلى بندر مسقط”.
سابعا: الجوانب الإدارية والقضائية
تكشف النصوص التي توصل إليها الدكتور السعدي عن ارتباط ولاية صور بجهاز إداري وقضائي، كما يظهر الدور الأمني للسلطة من خلال إرسال الشراة لجلب المديونين أو المطلوبين قضائيا، كما في النص: " هل يجوز لعامل صور أن يرسل له شراة ليأتوه إلى صور لخصمه؟ … فنعم يجوز"
وتتضح أيضا اتساع سلطة الدولة من خلال تنظيمهم لقواعد تنظيم الإسهامات في جهود السلطة لترسيخ سلطتها، والإسهامات تشمل كل مناطق عمان الممتدة ”من البريمي إلى صور“.
وترد نصوص تتعلق بتنظيم القوى البحرية التابعة للإمام، كما في السؤال: وأما قولك في البحرية الذين أمرتهم من صور ليسيروا في دولة الإمام”. وهذه النصوص تعبر عن نوع العلاقة بين ولاية صور والسلطة المركزية.
تكشف هذه النصوص أن صور لم تكن مجرد ميناء هامشيا، بل فضاءً اقتصاديًا وإداريًا واسعًا يجمع وظائف متعددة، فهي مركز مالي تجمع فيه الحقوق وتدار فيه المنازعات، وهي أيضا سوق ذات تقاليد تقوم على الموافاة وضبط المواعيد، ونقطة تلاقي بين تجار من الهند وفارس واليمن وشرق أفريقيا، وتمثل صور كذلك حلقة وصل بين القرى الساحلية والداخلية.
المرجع
  • السعدي، ناصر بن سيف. مدينة صور في المدونات الفقهية العمانية. ورقة عمل مقدمة إلى مؤتمر البعد التاريخي والحضاري لولاية صور، ولاية صور، 7-9 ديسمبر 2025.

شارك هذا الخبر