الإعلام بين الصورة الذهنية والنمطية: فَلْنُحسِن الاخْتِيار!

الإعلام بين الصورة الذهنية والنمطية: فَلْنُحسِن الاخْتِيار!
الإعلام بين الصورة الذهنية والنمطية
محمد حسن
كاتب وباحث سوري
يُقال صورة الشيء هي خياله في الذهن أو العقل، لذا كانت الصورة الذهنية هي حصيلة محددات تاريخية وثقافية وسياسية واجتماعية، وتلك المحددات غير منفصلة عن العلاقات الواقعية وإنما انعكاس للواقع ووسيلة لتغييره. هناك فرقٌ دقيق لكنه حاسم بين أن نتخيّل الشيء وأن نُنمّطه، وما بينهما مساحة واسعة تتكوّن فيها معارفنا وانحيازاتنا: هل نراه كما هو متعدداً، متناقضاً، حيّاً، أم نضغطه داخل قالبٍ جاهز؟ هذا السؤال لا يخصّ اللغة وحدها، بل يخصّ الأخلاق أيضاً؛ لأن كل تبسيطٍ عنيفٍ للآخر يحمل في داخله استعداداً لإقصائه.
الصورة الذهنية هي ما يتكون في وعينا عن شخص أو جماعة أو مدينة أو مؤسسة: مزيج من تجربة مباشرة، ومعلومات، وحكايات، وما يترسب في الذاكرة الجمعية، لكنها ليست حُكماً نهائياً، هي أقرب إلى خريطة نستخدمها لنفهم، ثم نعدّلها كلما عرفنا أكثر. ميزتها أنها تحتمل التعقيد والتناقض، فالإنسان ليس صفة واحدة، إنه مجموعة صفات يمكن أن تتجاور وتتصارع، وفي هذا محاولة لرؤية الإنسان على حقيقته: مركبّاً، متعدد الأبعاد.
الصورة النمطية هي صورة ذهنية تحوّلت إلى قالب جامد باختزال شديد وتعميم وحكم مُسبق. يكفي عنصر واحد ليصادر الصورة كاملةً ويصير معها الواقع تابعاً للانطباع، لا العكس. إنّ الحكم على شخص أو جماعة بشكل مسبق ينطوي على عنف معرفي: حيث أننا انتزعنا التناقض من الإنسان، وحوّلناه إلى علامة واحدة. كأننا نختصر كتاباً كاملاً في عنوان، ثم نتعامل مع العنوان بوصفه النص بأكمله.
يمكن النظر إليهما بوصفهما موقفين من الوجود: الصورة الذهنية تنظر إلى الواقع بوصفه متعدداً، متشابكاً، بينما الصورة النمطية، تُعلّب الواقع وتؤطره في أُطر جامدة، وتفرّغه من أبعاده كاملةً، ولذلك فإن التضاد بين الصورتين هو تضاد بين نوعين من الأشخاص: عاقل يريد أن يفهم، وجاهل يريد أن ينعم في جهالته.
هنا ندخل إلى السؤال الأهم: الصورة الإعلامية عن أي صورة تتفرع؟ الجواب: هي نتاج الصورة الذهنية عند الجمهور، لكنها كثيراً ما تستعير أدوات الصورة النمطية لأنها أسرع، وأشد تأثيراً، وأكثر قابلية للتداول.
تُولد النمطية من التكرار المستمر لصور وأصوات تندمج في سردية معينة حتى تُصبح حقيقة في المخيلة الجمعية، وعندما تستقر، يبدأ الناس في تفسير كل حدث جديد وفقها، متناسين قدرتهم على التحليل أو إعمال المنطق في تفسير الأحداث والأزمات، وما يترتب على ذلك من نتائج خطيرة في مقاربة الأحداث اليومية التي يُبنى عليها التعاطي مع الأزمات المركبة، تلك الأزمات التي يتم الاشتغال عليها بصمت في دوائر مغلقة، ثم تُجّرُّ المجتمعات إليها لشرذمتها من الداخل حينما تحين اللحظة التي تم التخطيط لها، وفي ذلك شواهد تاريخية كثيرة. فمن خلال تلك الصورة المُنتقاة يتم الحكم على أشخاص وجماعات دينية ومجتمعات وبلدان وخطفها في سياق سردية تُزوّر الواقع أمام شعوبها وتغيّب عنها الوعي لدرجة الرضا والتهليل لكل هذا الخراب، والانبطاح أمام المعتدي والاستزلام على باقي مكونات المجتمع وحشرها في سردية مفبركة وتاريخية مزيفة. من هنا فإنّ مقاومة النمطية ليست ترفاً فكرياً إنما دفاع عن إنسانية المعنى، فالنمطية تبدأ في اللغة وتفرز سلبياتها في كل نواحي الحياة، في التعليم، في توزيع الحقوق والواجبات، وفي طريقة كتابة التاريخ.
إذا كان مقياس نجاح الكلمة في نقل المعنى يتمثل في مدى قدرتها على تصوير ما تشير إليه من هذا العالم في داخل العقل البشري، فإن نجاح الكلمة يتوقف على قدرتها على تصوير العالم ذهنياً. فلسفياً، يمكن القول: إن العدالة تبدأ من اللغة، لأن اللغة هي أول محكمة. إذا حكمتَ على إنسان بقالب واحد، فأنت لم تظلمه فقط؛ إنما ألغيت أي إمكانية للتواصل معه وفهمه. وإذا حكمت على مجتمع أو جماعة بكلمة واحدة، فقد حرمتها من تاريخها ومن مستقبلها. من هنا، تصبح مقاومة النمطية ممارسة أخلاقية تكشف عن مدى حيوية الشعوب وصحتها الفكرية: أن نُبقي الباب مفتوحاً دائماً للأفكار والأشخاص والمواقف، ونشعر بحقيقة أنّ الإنسانية تجمعنا، وبجمالية الاختلاف، وأحقية الإنسان في أن يكون متناقضاً.
إن أجمل ما في الصورة الذهنية أنها معرفية ديناميكية قابلة للتعديل، فهي ليست ضمانة ضد الخطأ لكنها ضمانة ضد الاستبداد المعرفي فكل اختزال هو ظلم معرفي يمهد بدوره لظلم اجتماعي، فالنمطية هي استبداد معرفي يتسم بالجمود والتبسيط المُفرط والتضحية بالفروق الفردية والتفاصيل الدقيقة في مقابل الحصول على رؤية جامدة. بين الصورة الذهنية والصورة النمطية معركة على معنى الإنسان والعالم.
في زمن الإعلام الرقمي، يصبح السؤال الأخلاقي: هل نختار أن نكون أسرى للقوالب، أم حراساً للحياة؟
الإجابة على هذا السؤال ليست مجرد خيار فكري، بل هي موقف أخلاقي وسياسي واجتماعي يحدد علاقتنا بأنفسنا وبالآخرين وبالعالم من حولنا. إنه الفرق بين أن نعيش في عالم يُحترم فيه الإنسان بكل تناقضاته أو في عالم يُختزل فيه إلى مجرد علامة في سردية جاهزة، ولأن مقاومة النمطية لا تكتمل بالنقد وحده بل تحتاج إلى ممارسة فعلية في مختلف ميادين الحياة وأهمها الميدان الإعلامي، حيث أنّ الصورة الإعلامية هي الصورة الذهنية التي تنتجها وسائل الإعلام والتي هي في الأساس تصورات نخبة من المثقفين سواء العاملين في المؤسسات الإعلامية أو من يقومون على إدارتها، سُررت بالانضمام إلى أسرة ”أثير“ التي جعلت لنفسها حيزاً مهماً في الفضاء الإعلامي وبناء الصورة الذهنية عبر إرث ثقافي وإعلامي مميز ينفتح على حاضر متجدد تسعى ”أثير“ لمواكبته باستمرار وتطوير الاستجابة له، حتى باتت تشكل علامة فارقة في المشهد الإعلامي العماني، من خلال أدواتها الإعلامية وإطلاق هويتها البصرية الجديدة التي تستند في تغطيتها على ثلاثة مبادئ واضحة:
* الفهم قبل العنوان: لأن العنوان هو أول حكم مسبق يُساق للعقل، إنه اختزال سطحي يختزل إنساناً كاملاً أو قضية معقدة في كلمة واحدة، وهو ما يشكل أول لبنة للصورة النمطية قبل أن يتاح للذهن فرصة التعرف على الحقيقة.
* السياق قبل الحدث: لأن الحدث المعزول عن سياقه يتحول إلى أداة طيّعة ومادة خام يمكن تشكيلها لتخدم أي سردية مهما كانت بعيدة عن الحقيقة.
* التحليل قبل التكرار: لأن التكرار الأعمى يزرع وهم الحقيقة في العقل الباطن؛ فكلما تكررت الفكرة تحولت من مجرد انطباع عابر إلى " حقيقة راسخة ”، فالتحليل هو من يكسر هذه الدورة ويمنع تحويل الأكاذيب المنمقة إلى حقائق تاريخية مسلم بها.
هذه المبادئ الثلاثة هي موقف فلسفي وأخلاقي من طبيعة العمل الإعلامي ودوره في تشكيل الوعي، إنها دعوة عملية للممارسة النقدية والإبداعية في العمل الإعلامي التي نريدها أن تنسحب على الإنسان في جميع مناحي حياته.
في النهاية الاختيار لنا، فلنحسن الاختيار!

شارك هذا الخبر