خاص-أثير
بينما تتجه الأنظار غدا نحو جنيف لتقرير مسار الخلاف الأمريكي-الإيراني، تسلط “أثير” الضوء على دور سلطنة عمان بصفتها “البوصلة الدبلوماسية” التي لم تَحِد يوما عن مسار التهدئة؛ فقد استطاعت عبر عقود من الزمن صياغة نموذج فريد للوساطة الدولية، خصوصًا في الملف الشائك بين طهران وواشنطن.
وفيما يلي، تقدم “أثير” استعراضًا تاريخيًا مفصلًا لهذا الدور، بدءًا من كواليس الاتفاق النووي في عام 2015م، وصولًا إلى مفاوضات “الفرصة الأخيرة” في فبراير 2026م.
لماذا مسقط دائما؟
تبذل سلطنة عُمان جهودًا دبلوماسية حثيثة للوصول إلى مقاربات سياسية بين الجمهورية الإسلامية الإيرانية والولايات المتحدة الأمريكية، بهدف إنهاء التوتر في المنطقة وإبعاد شبح الحرب، ويعود اختيار إيران للسلطنة كواجهة لإيصال ردودها إلى واشنطن لحياد مسقط والمصداقية والثقة المتبادلة التي ترسخت منذ عقود، وهذه السياسة الخارجية أرساها السلطان قابوس بن سعيد -طيّب الله ثراه- منذ عام 1970م، وتقوم على مبادئ الحياد والوساطة وعدم التدخل في شؤون الآخرين.
محطة 2015م: الثمرة الأولى للسرية المطلقة
تعد المحطة التاريخية الأبرز في عام 2015م “ثمرة جهود” هذه الدبلوماسية، حيث استضافت مسقط محادثات غير مباشرة بدأت سريًا منذ عام 2010م، واتسمت تلك الجولة بالسرية المطلقة دون تدخل عُمان في صلب المحادثات، حيث اكتفت بتوفير البيئة والمكان المناسبين، وقد أفضى هذا المسار في عهد الرئيس الأسبق باراك أوباما إلى توقيع “خطة العمل الشاملة المشتركة” أو ما يعرف بالاتفاقية النووية، ورغم انسحاب دونالد ترامب من الاتفاق في ولايته الأولى في عام 2018م إلا أن الوساطة العُمانية الحالية في عهد جلالة السلطان هيثم بن طارق -حفظه الله ورعاه- تمثل استمرارا لهذا النهج التاريخي وتجسيدًا كبيرًا لدبلوماسية السلطنة.
عام 2025م: عسكرة المنطقة وتعثر المسار
اتسمت جولات الحوار في سلطنة عمان دائمًا بالسرية المطلقة، وهو نهج تتبعه مسقط لضمان نجاح المفاوضات بعيدًا عن ضغوط الإعلام، وفي عام 2025م شهد المسار التفاوضي زخمًا جديدًا عبر استضافة مسقط لخمس جولات فعلية بوساطة عُمانية وأوروبية، هدفت إلى استكمال مسارات سابقة وبناء “مقاربات سياسية” أولية، ورغم أن هذه الجولات حافظت على “قناة تواصل نشطة”، إلا أنها لم تكن حاسمة أو نهائية مثل جولات عام 2026م الحالية، وتوزعت زمنيًا وفنيًا على النحو الآتي:
الجولة الأولى: انعقدت في مسقط مطلع أبريل 2025م، وسادتها أجواء إيجابية أولية اتفق فيها الطرفان على ضرورة مواصلة الحوار.

الجولة الثانية: جرت في روما بتاريخ 19 أبريل 2025م، وتركزت النقاشات فيها على آليات رفع العقوبات، إلا أن الخلافات العميقة بشأن الضمانات القانونية بقيت قائمة.

الجولة الثالثة: انعقدت أواخر أبريل 2025م، وأحرزت تقدمًا تقنيًا محدودًا فيما يخص الرقابة النووية، لكن دون الوصول إلى اتفاق سياسي شامل.
الجولة الرابعة: عُقدت أوائل مايو 2025م، وشهدت تعثرًا واضحًا بسبب الخلاف على مستويات تخصيب اليورانيوم وآلية نقل المواد النووية.
الجولة الخامسة: انعقدت في 23 مايو 2025م، ووصفتها مصادر دبلوماسية بأنها “تقدم محدود من دون اختراق”؛ حيث تمسكت إيران بحقها في التخصيب داخل أراضيها، بينما أصرت واشنطن على وقفه كليًا.
الانهيار المفاجئ وانهيار الثقة
بينما كان الترتيب جاريًا لانعقاد الجولة السادسة، نسفت الهجمات الإسرائيلية والأمريكية في يونيو 2025م الزخم الدبلوماسي بالكامل؛ ما أدى إلى اندلاع “حرب الـ 12 يومًا” وتجميد التواصل مؤقتًا بين واشنطن وطهران، وقد تعمق الخلاف بفعل هذه الضربات، التي تزامنت مع احتجاجات شعبية واسعة داخل إيران؛ ما أدى إلى اهتزاز ثقة طهران في جدية المحادثات، وتخوفت القيادة الإيرانية من أن واشنطن تستغل الدبلوماسية كأداة لشراء الوقت وتكرار سيناريو التجهيز لضربات عسكرية جديدة تحت غطاء الحوار، وبناءً على ذلك، وُصفت مفاوضات 2025م بأنها “مسار مجمّد” انتهى بانهيار الثقة نتيجة التصعيد العسكري المباشر.
مفاوضات 2026م: دبلوماسية الفرصة الأخيرة
ومع مطلع عام 2026م انطلقت جولة من “الدبلوماسية عالية المخاطر” في مسقط (6 فبراير) كجهد أخير لتجنب تصعيد عسكري كبير في الخليج استئنافًا لمسار العام الماضي، وقاد هذه المحادثات المبعوث الأمريكي ستيف ويتكوف، وهو مستثمر يحظى بتقدير ترامب، بينما مثّل الجانب الإيراني وزير الخارجية عباس عراقجي، الدبلوماسي الذي يتقن الإنجليزية وسعى إلى إقناع واشنطن بتجنب العمل العسكري.

اتخذت هذه المفاوضات شكلًا “غير مباشر” عبر وزير معالي السيد بدر البوسعيدي وزير الخارجية العمانية، وتتمسك إيران بهذا الشكل بسبب التهديدات الأمريكية المستمرة، معتبرة أن المفاوضات المباشرة “لا معنى لها” في ظل التناقضات الصادرة من إدارة ترامب، وبحسب الأكاديمي عبد الله باعبود، فإن هدف هذه اللقاءات غير المباشرة هو إرساء قواعد مشتركة وبناء الثقة كشرط أساسي للانتقال إلى مرحلة المفاوضات المباشرة لاحقا، وقد وصفت إيران الأجواء في مسقط بأنها “بنّاءة”، حيث ساعدت الجولة الأولى في 6 فبراير 2026م على توضيح الرؤى وتحديد مجالات التقدم. كما وصفتها بـ “البداية الجيدة” و“الاختبار” لجدية واشنطن، فيما أبدى الرئيس ترامب تفاؤله بأن طهران “ترغب بشدة في إبرام اتفاق”، وأكد المسؤولون الأمريكيون استعدادهم لمفاوضات مفصلة في جنيف شريطة تلقي “مقترح مفصل”.

وتنتقل الأنظار الآن إلى جنيف، حيث عُقدت جولة ثانية في 17 فبراير 2026م التي ركزت على بناء قواعد مشتركة يمكن أن تُبنى عليها مرحلة المفاوضات المباشرة لاحقًا مع إمكانية التوصل لاتفاق مؤقت قبل الاتفاق الكامل، حيث أبدت إيران عقبها استعدادها التام للتوصل إلى اتفاق مع الولايات المتحدة من خلال مسار المفاوضات غير المباشرة التي ترعاها سلطنة عمان، وفي المقابل، أكد البيت الأبيض أن الخيار المفضل للرئيس الأمريكي دونالد ترامب هو الدبلوماسية كسبيل وحيد للتوصل إلى حل مستدام مع طهران، رغم استمرار لغة التهديد العسكري في الخلفية كأداة ضغط.
وتكتسب الجولة الحاسمة غدًا الخميس 26 فبراير 2026م أهمية بالغة لأنها تأتي وسط تهديدات أمريكية باستخدام القوة في حال فشل الدبلوماسية، حيث تم إرسال حاملة الطائرات “أبراهام لينكولن” إلى المنطقة كتحذير.
السيناريوهات المتوقعة لمفاوضات جنيف
أما عن مآلات التصعيد، فتبرز ثلاثة سيناريوهات رئيسية لجولة جنيف المرتقبة:
- نجاح محدود: اتفاق مرحلي لتجميد الأنشطة النووية الحساسة مقابل تخفيف جزئي للعقوبات.
- فشل منضبط: انتهاء المحادثات دون اختراق، مع بقاء الصراع ضمن “الضغوط القصوى” وتجنب الحرب الشاملة.
- مواجهة عسكرية: انزلاق لضربات متبادلة تستهدف المواقع النووية والحرس الثوري إذا اعتبرت واشنطن أن إيران وصلت للتعبئة النووية.
وتتركز نقاط الخلاف الأساسية حول رغبة واشنطن في وقف البرنامج النووي نهائيًا، وتدمير الصواريخ بعيدة المدى، ووقف تمويل الفصائل الإقليمية، بينما تصر طهران على حصر المحادثات في الملف النووي ورفع العقوبات الاقتصادية فقط.
ويجمع المراقبون على أن محادثات سلطنة عمان تمثل نقطة انطلاق لإعادة ضبط العلاقة وليست جولة لحسم جميع الملفات المعقدة بصورة فورية؛ فالوساطة العمانية في جولة جنيف المرتقبة غدًا الخميس هي بمثابة صمام أمان يفتح نافذة ضيقة لخفض التصعيد ؛ إذ يظل الهدف الجوهري منها هو إدارة الأزمة ووضع أرضية مشتركة، وليس بالضرورة الوصول إلى حلول نهائية وشاملة في هذه المرحلة.
وبينما يلوح شبح المواجهة العسكرية في الأفق، تظل جهود مسقط هي الإستراتيجية الوحيدة المتاحة لتجنب حرب شاملة لا يمكن التنبؤ بتداعياتها على استقرار المنطقة والعالم، ويظل مستقبل الاستقرار مرهونًا بمدى استعداد العواصم لتقديم تنازلات مؤلمة مقابل السلم؛ لذا، فلنترقب غدًا ما ستسفر عنه جولة جنيف الفاصلة.
المصادر:





