أثير - ريما الشيخ
دخلت أسواق الطاقة العالمية مرحلة شديدة الحساسية مع تصاعد التوترات العسكرية في المنطقة واضطراب الملاحة عبر مضيق هرمز، أحد أهم الممرات البحرية لنقل النفط والغاز في العالم، إذ يمر عبره نحو 20% من تجارة النفط العالمية.
ومع تعطل جزء من الإمدادات وارتفاع المخاوف من نقص الطاقة، بدأت الاقتصادات الكبرى اتخاذ إجراءات عاجلة لحماية أسواقها الداخلية وتأمين احتياجاتها من الوقود.
الهند: أوامر حكومية بزيادة إنتاج الغاز للسوق المحلي
في الهند، اتخذت الحكومة إجراءات مباشرة لضمان توفر الوقود داخل البلاد، حيث أصدرت وزارة النفط والغاز الطبيعي الهندية توجيهات عاجلة لجميع مصافي التكرير في البلاد لزيادة إنتاج غاز البترول المسال (LPG) إلى أقصى حد.
وجاء القرار بموجب توجيهات حكومية طارئة نصت على:
-زيادة إنتاج غاز البترول المسال إلى الحد الأقصى
-تخصيص هذا الغاز للسوق المحلي فقط
-منع استخدام البروبان والبيوتان في صناعة البتروكيماويات
-بيع الغاز لشركات التوزيع الحكومية فقط
ولضمان توفر الغاز المنزلي للمواطنين وتجنب حدوث نقص في الإمدادات، طلبت الحكومة من المصافي تزويد الغاز إلى ثلاث شركات طاقة حكومية رئيسية هي:
- Indian Oil Corporation (IOCL)
- Hindustan Petroleum (HPCL)
- Bharat Petroleum (BPCL)
وقالت مصادر حكومية ومسؤولون في قطاع الطاقة إن الهدف من هذه الإجراءات هو ضمان استمرار توفر الوقود الأساسي للمستهلكين داخل البلاد في حال تفاقم أزمة الإمدادات العالمية.
وتعتمد الهند بشكل كبير على واردات النفط القادمة من الشرق الأوسط، ما يجعلها عرضة لأي اضطراب في تدفقات الطاقة عبر مضيق هرمز.
الصين: وقف صادرات الوقود ومحادثات مع إيران
في بكين، تحركت الحكومة الصينية بسرعة لحماية أمن الطاقة، إذ أفادت تقارير بأن الصين تجري محادثات مع إيران لضمان مرور آمن لناقلات النفط والغاز عبر مضيق هرمز في ظل اضطراب حركة الملاحة في المنطقة.
جاء ذلك في وقت تعتمد فيه الصين بشكل كبير على واردات الطاقة من الشرق الأوسط، حيث تعد أكبر مستورد للنفط في العالم.
وقد أصدرت اللجنة الوطنية للتنمية والإصلاح في الصين (NDRC) – وهي أعلى هيئة تخطيط اقتصادي في البلاد – توجيهات لشركات التكرير الكبرى بوقف توقيع عقود جديدة لتصدير المشتقات النفطية مثل البنزين والديزل.
وبحسب تقارير اقتصادية رصدتها “أثير”، طلب المسؤولون من المصافي:
-وقف توقيع عقود تصدير جديدة للوقود
-محاولة إلغاء بعض الشحنات المتفق عليها مسبقًا
-إعطاء الأولوية لتلبية الطلب داخل السوق الصينية
وقال متحدث باسم وزارة التجارة الصينية إن الاستقرار الداخلي لسوق الطاقة يمثل أولوية قصوى في المرحلة الحالية، مؤكدًا أن أمن الطاقة بالنسبة للصين أصبح “خطًا أحمر” في ظل التقلبات اللوجستية الحالية.
وتملك الصين احتياطيات نفطية إستراتيجية كبيرة، وتشير التقديرات إلى أنها تكفي لتغطية الاستهلاك المحلي لفترة تصل إلى نحو ثلاثة أشهر.
اليابان وكوريا الجنوبية
على الجانب الآخر، تعد اليابان وكوريا الجنوبية من أكثر الاقتصادات عرضة لتداعيات الأزمة، نظرًا لاعتمادهما الكبير على واردات النفط والغاز، فاليابان تعتمد على منطقة الخليج لتأمين أكثر من 90% من احتياجاتها النفطية، ويعبر جزء كبير من هذه الإمدادات عبر مضيق هرمز.
وقال وزير الاقتصاد والتجارة والصناعة الياباني كين سايتو في مؤتمر صحفي في طوكيو إن بلاده تواجه وضعًا حساسًا يتطلب أعلى درجات التنسيق الدولي لتأمين طرق بديلة للطاقة، وأن الحكومة اليابانية تراقب الوضع عن كثب، مشيرًا إلى أن أي اضطراب طويل في الإمدادات قد يدفع اليابان إلى تفعيل خطط الطوارئ لضمان استمرار توفر الوقود والغاز.
أما في كوريا الجنوبية، فقد أعلنت وزارة الطاقة أن الحكومة بدأت مراجعة شاملة لإنتاج المصانع الكبرى بهدف تجنب استنزاف المخزون الإستراتيجي في حال استمرار اضطراب الإمدادات.
أوروبا تبحث عن “طوق نجاة”
في القارة الأوروبية، عاد ملف أمن الطاقة إلى الواجهة مجددًا، إذ حذرت مفوضة الطاقة في الاتحاد الأوروبي كادري سيمسون من تداعيات توقف إمدادات الطاقة القادمة من المنطقة، مشيرةً إلى أن أي تعطل طويل في إمدادات الغاز الطبيعي المسال قد يضع أمن الطاقة الأوروبي أمام اختبار صعب.
وأضافت أن المفوضية الأوروبية طلبت من الدول الأعضاء الاستعداد لخفض الاستهلاك الصناعي للطاقة إذا استمرت الأزمة لفترة طويلة، وذلك لتجنب حدوث نقص حاد في الإمدادات.
سيناريو الـ 150 دولارًا: تحذيرات من إعلان “القوة القاهرة”
في خضم هذه التطورات، حذر معالي سعد الكعبي، وزير الدولة لشؤون الطاقة في دولة قطر، من أن العالم قد يواجه سيناريوهات سعرية قد تتجاوز 150 دولارًا للبرميل إذا استمرت اضطرابات الملاحة في الممرات البحرية الحيوية.
وقال الكعبي إن الشركات قد تضطر إلى إعلان حالة “القوة القاهرة”، وهي بند قانوني يسمح للشركات بعدم الالتزام بالعقود في حال وقوع أحداث استثنائية مثل الحروب أو تعطّل سلاسل الإمداد.
وأوضح أن استمرار إغلاق أو اضطراب الممرات البحرية قد يؤدي إلى تعطل إمدادات الطاقة العالمية وارتفاع الأسعار بشكل حاد.
ماذا يعني ذلك لسلطنة عُمان؟
في قلب هذه التطورات، سجل نفط عُمان ارتفاعًا لافتًا ليصل إلى 100.31 دولار للبرميل، وهو مستوى يتجاوز السعر المعتمد في ميزانية السلطنة لعام 2026 والمحدد عند 60 دولارًا للبرميل.
وكان معالي سلطان الحبسي، وزير المالية، قد أوضح في تصريحات سابقة أن أي فوائض مالية تنتج عن ارتفاع أسعار النفط فوق السعر المعتمد في الميزانية سيتم توجيهها إلى:
-خفض الدين العام
-سداد أقساط القروض
-تغطية العجز المقدر في الميزانية والبالغ نحو 530 مليون ريال عُماني
ويمنح هذا الارتفاع في الأسعار مساحة مالية أكبر للسلطنة للتعامل مع المتغيرات الاقتصادية العالمية، رغم أن ارتفاع تكاليف الشحن والتأمين البحري قد يحد جزئيًا من هذه المكاسب.
المصادر
- رويترز
- Bloomberg
- CNBC عربية
- LiveMint
- OilPrice
- وكالة الطاقة الدولية
- إدارة معلومات الطاقة الأمريكية
- تقارير Kpler اللوجستية
- بيانات وزارة المالية العُمانية
- بيانات أسعار نفط عُمان الرسمية -أثير




