‎لاءات عُمان ... هي ما بقي من لاءات العرب

‎لاءات عُمان ... هي ما بقي من لاءات العرب
سلطنة عمان
رصد - أثير
نشرت صحيفة القدس مقالًا للكاتب أمين الحاج تحت عنوان “لاءات عُمان ... هي ما بقي من لاءات العرب”.
أثير ترصد نص المقال من صحيفة القدس وتضعه للقارئ الكريم.
“في هذا الزمن العربي المليء بالانحناءات السياسية، خرجت عُمان لتقول ببساطة ما عجزت عنه عواصم كبرى، فالدولة التي اتهمت طويلا بالحياد أصبحت فجأة أكثر وضوحا من دول كانت ترفع الشعارات، فلا عجب، أنها بعض من مفارقات الشرق الأوسط التي لا تنتهي.
في لحظة تتسع فيها المواجهة مع إيران وتصبح عنوانا مركزيا لإعادة ترتيب الشرق الأوسط، برز الموقف العماني على نحو لافت، ليس بيانا دبلوماسيا عابرا بل سلسلة مواقف واضحة أعلنها وزير خارجيتها بدر البوسعيدي: لن ننضم إلى ما يسمى مجلس السلام، ولن نطبع، ولن نقدم دعما للعدوان على إيران.

يوم تراجعت لاءات العرب القديمة، كانت مسقط تعيد إنتاجها بشكل مختلف، أقل صخبا لكنه أكثر ثباتا، الدولة التي طالما وصفت بأنها الأكثر براغماتية وهدوءًا في الخليج، لم تبن سياستها على الشعارات أو خطابات المواجهة، بل على التوازن لكنها في لحظة مصيرية اختارت أن تقول لاءات ثلاثة، لا للعدوان على إيران، لا للانخراط في تحالفات إقليمية موجهة ولا للتطبيع في ظل استمرار الاحتلال وغياب الدولة الفلسطينية.

بهذا المعنى لا يمثل هذا الموقف خروجا عن سياستها التقليدية بقدر ما هو امتداد منطقي لها، فقراءتها للحرب مختلفة عن تلك السائدة في العواصم العربية، فلا تتعلق بالبرنامج النووي الإيراني فقط، بل بإعادة تشكيل المنطقة وتوازناتها السياسية، وهو تفسير يضع العدوان في سياقه الجيوسياسي الأوسع، صراع على النفوذ وشكل النظام الإقليمي وموقع القضية الفلسطينية داخله، أي أن مسقط ترى ما وراء الأكمة، فليست قضية برنامج نووي بقدر ما هي محاولة لتفكيك محور سياسي كامل والدفع باتجاه تسوية إقليمية يكون التطبيع عمودها الرئيس مقابل لا شيء تقريبا.
موقف يأتي في وقت تبدو فيه البيئة العربية الرسمية في حالة تفكك غير مسبوق، جامعتهم أصبحت إطارًا شكليا غير قادر على إنتاج مواقف مشتركة، ومجلس التعاون الخليجي يعاني انقسامات عميقة، ما قاد إلى ظهور سياسات فردية لكل دولة، بعضها اختار التحالف الكامل مع واشنطن، وأخرى ذهبت بعيدا في مسار التطبيع وثالثة فضلت الحياد، بينما كان الموقف العماني محاولة للحفاظ على مساحة استقلال سياسي، يدرك أن الانخراط في حرب إقليمية واسعة لن يؤدي إلى استقرار الخليج، بل على العكس تمامًا، ومواجهة مباشرة مع إيران تعني فتح جبهة خطيرة في الخليج وما البعد الاقتصادي سوى جزء يسير منها.
تاريخيا، أظهرت التجارب أن الحروب التي اشعلت لإعادة تشكيل الشرق الأوسط انتهت عكسيا، فالعدوان على العراق انتهى بفوضى إقليمية، وسوريا تحولت إلى ساحة صراع دولي، والعدوان المتكرر على غزة ولبنان لم يحقق أمنًا ولا استقرارًا، لذا تبدو مسقط أكثر حذرًا، فلا تنطلق من تعاطف سياسي مع إيران بقدر إدراكها لمخاطر انهيار التوازن الإقليمي الذي سيفتح أبواب فوضى لا يمكن السيطرة عليها، فقدمت خيار الدبلوماسية، وتبنته لعقود ولعبت دور الوسيط بين أطراف متصارعة، من واشنطن وطهران إلى اليمن، وحتى اليوم حافظت على مسافة من صراعات حادة ما سمح لها بأن تكون قناة اتصال بين خصوم لا يتحدثون مباشرة.
سياسة مسقط التي تقوم على رفض التطبيع في هذه اللحظة تحديدًا ورفض الانخراط في تحالفات عسكرية ضد إيران، يعني عمليا الوقوف خارج المسار الذي تدفع به واشنطن وتل أبيب لإعادة ترتيب المنطقة، وهنا تظهر المفارقة التي قد لا تعجب كثيرين، فالدولة التي اتهمت سابقًا بأنها الأكثر مرونة في علاقاتها الإقليمية أصبحت اليوم من القلائل الذين يضعون حدودًا واضحة لما يمكن قبوله وما لا يمكن قبوله.
لذا يمكن القول أن لاءات عمان ليست مجرد موقف سياسي عابر، بل تعبير عن فكرة أوسع، وهي أن المنطقة لا تحتاج إلى حرب جديدة، بل إلى إعادة بناء التوازنات التي تمنع الانفجار الكبير، وفي زمن اختفت فيه لاءات العرب القديمة، كانت اللاءات القادمة من مسقط تذكيرًا بسيطًا بأن السياسة ليست دائما سباقًا نحو الاصطفاف، بل أحيانا في فن الوقوف خارج القطيع.

شارك هذا الخبر