أثير - مازن المقبالي
في ندوة القرآن وبناء الإنسان التي نظّمتها مؤسسة الإمام جابر بن زيد الوقفية، قدّم الدكتور عبد الكريم بكار ورقة عمل بعنوان القرآن وبناء الرؤية المستقبلية للإنسان، تناول فيها منهج القرآن في رسم المستقبل الإنساني من خلال الإيمان باليوم الآخر وسنن الله الكونية، كما طرح آليات لتوظيف هذه الرؤية في استراتيجيات المؤسسات.
وخلال حوار لـ“أثير” مع الدكتور عبد الكريم بكار حول: كيف يرسم القرآن الكريم مستقبلنا من خلال الإيمان باليوم الآخر وسنن الله الكونية؟ رأى أن توجيه الإنسان للتفكير في المستقبل قضية جوهرية، وقد أكد عليها القرآن الكريم بوضوح، كما في قوله تعالى: “يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله ولتنظر نفس ما قدمت لغد”، حيث يلفت إلى أن الحاضر مرحلة قصيرة جدًا، بينما يمتد أثر الإنسان الحقيقي في الماضي والمستقبل. وفي هذا السياق، لا يدعو القرآن إلى الانغماس في الماضي، بل إلى الاستفادة منه للعبرة والتعلّم، كما في قوله: “تلك أمة قد خلت لها ما كسبت ولكم ما كسبتم”، ليكون الماضي وسيلة لترشيد السلوك لا غاية بحد ذاته.
ويضيف أن القرآن يغرس في الإنسان حسًّا عميقًا بالمآل، وهو ما تجلّى في سعي المسلم إلى رضوان الله ودخول الجنة، مما يدفعه إلى ضبط سلوكه واستثمار طاقاته. غير أن المطلوب أكثر من ذلك، وهو تعميم الحسّ المستقبلي ليشمل مختلف مجالات الحياة، كالتربية، واختيار التخصصات، وتوظيف الإمكانات، والتفكير في عواقب الأفعال، بحيث نفكّر: إلى أين سيوصلنا هذا العمل؟
وأكد أن سنن الله تقوم على ربط الأسباب بالنتائج، ومن يدرك هذه العلاقة يستطيع أن يستشرف المستقبل بوعي. ومن أبرز هذه السنن:
سنة التغيير:
“إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم”، ويشمل ذلك تغيير النفس والعقل والفكر؛ لأن السلوك نتيجة لما في الأنفس والعقول، فإذا تحسن التفكير واستقامت النفس تحسن السلوك ونزلت البركة من الله.
سنة العمران:
قال الله تعالى: “هو الذي أنشأكم من الأرض واستعمركم فيها”، حيث أمر الله بإعمار الأرض ونشر القيم والعمل والإبداع، مع الحفاظ عليها باعتبارها أمانة للأجيال القادمة؛ فنحن ننتفع بها مؤقتًا ثم تنتقل لغيرنا، ولذلك ينبغي أن نحافظ عليها ونحسنها.
سنة التداول الحضاري:
“وتلك الأيام نداولها بين الناس”، حيث لا تدوم القوة ولا يستمر الضعف، وإنما تتبدل الأحوال تبعًا للأخذ بالأسباب، ومن هنا يصبح التفكير في عواقب الأعمال ضرورة مستمرة لضمان التقدم والاستقرار.
ما أسس رؤية المستقبل؟
كشف الدكتور خلال ورقة العمل التي قدمها في ندوة القرآن وبناء الإنسان، عددًا من من الأسس المنهجية لرؤية المستقبل، من أبرزها:
* الإيمان باليوم الآخر، ووجود ثواب وعقاب، وهو ما يحوّل الإنسان المسلم إلى شخصٍ مستقبلي بامتياز.
* مركزية المستقبل في الخطاب القرآني.
* الحرية والمسؤولية.
وفي سياق بناء المجتمعات، أشار إلى ملامح بناء المؤسسات والمجتمعات في المنهج القرآني، ومنها:
* أولوية بناء القيم على بناء الهياكل.
* القيادة الأخلاقية في النموذج القرآني.
* الشورى وتكوين العقل الجماعي.
* بناء الثقة الاجتماعية.
* استراتيجيات بناء المؤسسات الخيرية.
وأكد الدكتور أن المستقبل الدنيوي يعني أن المسلمين مطالبون بالتفكير في الغد، وأن القرآن الكريم يسعى إلى بناء حياة متكاملة للمسلمين، يكونون فيها صالحين، متماسكين، متراحمين، مبدعين، ومستقلين لا تتحكم بهم الأعداء، ويحافظون على سيادة بلدانهم، وهو ما يتطلب عملًا دنيويًا جادًا، وفي الوقت نفسه، فإن المسلم والأمة مطالبون بتسخير كل الأزمنة، وكل النجاحات، وكل أشكال التقدم في مرضاة الله والفوز بالآخرة، إذ لا يوجد فصل حاد بين المستقبل الدنيوي والمستقبل الأخروي، بل هما مترابطان ومتكاملان.





