حوكمة وقياس العوائد: المسؤولية الاجتماعية للشركات تدخل مرحلة جديدة

حوكمة وقياس العوائد: المسؤولية الاجتماعية للشركات تدخل مرحلة جديدة
حوكمة وقياس العوائد: المسؤولية الاجتماعية للشركات تدخل مرحلة جديدة
خاص- أثير
مرت ممارسة المسؤولية الاجتماعية للشركات في سلطنة عُمان بمراحل عديدة، بدأت كمبادرات تطوعية لبعض الشركات، وجرى محاولة تنظيمها عبر مراحل، وصولاً إلى جعلها ممارسة إلزامية.
تتجه سلطنة عُمان إلى نقل هذه الممارسة إلى مرحلة جديدة، تتضمن الحوكمة وقياس العوائد المتحققة، وجودتها، وذلك خلال الخطة الخمسية الحادية عشرة، وتحديدًا البرنامج الاستراتيجي “حوكمة برامج المسؤولية الاجتماعية لدى الشركات”، ضمن محور الإنسان والمجتمع.
ما أهدافه؟
ينسجم البرنامج مع أهداف رؤية عُمان 2040، وذلك في تحقيق شراكة فاعلة بين القطاع الخاص والمجتمع المدني في مجالات التنمية الاجتماعية، ويهدف البرنامج إلى حوكمة برامج المسؤولية الاجتماعية لدى الشركات من خلال وضع إطار تشريعي ومؤسسي لها وتعزيز الشراكة بين القطاعين الحكومي والخاص والمجتمع المدني. كما يركز البرنامج على تقييم العائد في التنمية الاجتماعية والاقتصادية لتحقيق التنمية المستدامة في جميع المحافظات.
هل سيتم فرض حد أدنى لمساهمة الشركات الكبرى؟
تعكس مكونات البرنامج تحولاً في النظرة إلى المسؤولية الاجتماعية للشركات، لتصبح منظومة وطنية متكاملة، من دراسة تقييمية لواقع الممارسة وتحديد التحديات والفرص، ووضع إطار تنظيمي لبرامجها، وإعداد مؤشر وطني مع نشر النتائج.
وسيتضمن البرنامج الاستراتيجي الجوانب الآتية:
- إجراء دراسة تقييمية لواقع المسؤولية الاجتماعية لدى الشركات في سلطنة عمان لتحديد التحديات والفرص المتاحة.
- وضع إطار تنظيمي واضح لبرامج المسؤولية الاجتماعية يشمل معايير ونظم متابعة وتقييم لقياس مخرجاتها، بما في ذلك دراسة إمكانية فرض حد أدنى لمساهمة الشركات الكبرى في المسؤولية الاجتماعية لضمان التزامها الفعّال، ووضع حوافز وتسهيلات للشركات الرائدة في المسؤولية الاجتماعية لتعزيز دورها التنموي.
- إنشاء منصة وطنية للمسؤولية الاجتماعية تضم قاعدة بيانات المشاريع والتقارير السنوية للشركات.
- إعداد مؤشر المسؤولية الاجتماعية الوطني لتقييم الشركات ونشر النتائج دوريا لتحفيز المنافسة الإيجابية.
- دعم وتعزيز المبادرات التطوعية لنشر ثقافة المسؤولية الاجتماعية بين الأفراد والمؤسسات.
تُعد وزارة التنمية الاجتماعية الجهة المسؤولة عن التنفيذ، بمساندة كل من جهاز الاستثمار العماني، ووزارة المالية، ووزارة الطاقة والمعادن المساندة، ووزارة التجارة والصناعة وترويج الاستثمار، بالإضافة إلى غرفة تجارة وصناعة عمان. وسيتم تنفيذ البرنامج خلال عامي 2026- 2027، بمستوى تكلفة منخفض، أي أقل عن 5 ملايين ريال عُماني.
جذور مبكرة
عرفت سلطنة عُمان عبر شركات القطاع الخاص، ممارسات مختلفة للمسؤولية الاجتماعية منذ فترة طويلة، غير أنها كانت متفاوتة بين شركة أخرى. قبل 36 عامًا، التفت جلالة السلطان قابوس بن سعيد طيب الله ثراه إلى هذا الموضوع مبكرًا، منبهًا إليه خلال لقاءه بأعضاء غرفة تجارة وصناعة عمان في فبراير 1990م، حيث أشار جلالته إلى أهمية نشر الوعي بين التجار والصناعيين في مجالات كثيرة؛ منها دورهم في التعاون مع الحكومة لتنفيذ البرامج التنموية على أفضل وجه، حاثّاً إياهم على “ضرورة زيادة مساهمتهم ليس فقط في التنمية الاقتصادية وإنما أيضا في التنمية الاجتماعية”.
ومنذ ذلك الحين، شهدت السلطنة سلسلة من المبادرات التنظيمية، من أبرزها:
2009: إطلاق مبادرة عُمان للمسؤولية الاجتماعية
2012: تعميم إداري صادر عن الهيئة العامة لسوق المال -هيئة الخدمات المالية حاليًا- تضمن قيام الشركات بتضمن فقرة في التقرير السنوي عن جهود المسؤولية الاجتماعية
2015: إصدار الهيئة العامة لسوق المال -هيئة الخدمات المالية حاليًا- ميثاق حوكمة شركات المساهمة العامة، وتضمن “المسؤولية الاجتماعية” أنها ترتبط بأغراض الشركة ونشاطاتها، وتسعى الشركة من خلالها إلى ممارسة دورها كمواطن صاحل، والحد من أي تأثير سلبي لنشاطاتها على الاقتصاد الوطني أو المجتمع المحيط أو البيئة بشكل عام.
وتضمن البند ذاته إجراءات تفسيرية وتوجيهية، منها قيام مجلس الإدارة بوضع ميثاقًا خاص للتعامل مع متطلبات المسؤولية الاجتماعية. ويجب على الإدارة التنفيذية وضع خطة استراتيجية أو سنوية تنفذ من خلالها فلسفة المسؤولية الاجتماعية، على أن تتضمن توضيحًا للموازنة المخصصة، ووسائل الدعم والمشاركة المتاحة، والشرائح المجتمعية أو المجالات الاجتماعية التي تستهدفها. كما يجب أن تقدم الشركة ضمن تقريرها السنوي تقريرًا خاصًا بأنشطة المسؤولية الاجتماعية.
2015م: صدر المرسوم السلطاني رقم 30/2015 بإنشاء مركز عُمان للحوكمة والاستدامة وإصدار نظامه، وتضمنت أهداف المركز ترسيخ وتشجيع وتفعيل مبادئ المسؤولية الاجتماعية لدى الشركات بما يكفل القيام بدورها نحو خدمة المجتمع وتحقيق متطلبات التنمية المستدامة. وحدد المرسوم السلطاني صلاحيات المركز، ومن بينها عقد ورش عمل وندوات ومؤتمرات لتبادل الخبرات في حوكمة الشركات والمسؤولية الاجتماعية، وتقديم الدعم والاستشارات، ووضع وترويج ضوابط ومعايير معنية بالحوكمة والمسؤولية الاجتماعية، وإعداد مواثيق ونظم حوكمة الشركات والمسؤولية الاجتماعية.
أكتوبر 2021: أصدرت الهيئة العامة لسوق المال آنذاك -هيئة الخدمات المالية حاليًا- قرارًا بإصدار مبادئ حوكمة الشركات التي تمتلك الحكومة فيها حصصا، وخصص القرار فصلاً للمسؤولية الاجتماعية للشركات، متضمنًا قيام مجلس الإدارة باعتماد سياسة الشركة المتعلقة بمتطلبات المسؤولية الاجتماعية، وإجازة قيام الشركة بإنشاء مؤسسة مستقلة في إطار قيامها بالمسؤولية الاجتماعية. وألزم القرار الشركات وضع استراتيجية أو خطة سنوية لتنفيذ سياسة الشركة المتعلقة بمتطلبات المسؤولية الاجتماعية، على أن تقوم بإدراجها في تقريرها السنوي.
شهد عام 2021م إصدار قرارين مهمين:
- وزارة التجارة والصناعة وترويج الاستثمار: يجب على المؤسسات والشركات استقطاع نسبة لا تقل عن (20٪) عشرين في المائة من ميزانيتها المخصصة لبرامج المسؤولية الاجتماعية لصالح الهيئة العمانية للأعمال الخيرية.
- الهيئة العامة لسوق المال: يجب على شركات المساهمة العامة استقطاع نسبة لا تقل عن (20٪) عشرين في المائة من ميزانيتها المخصصة لبرامج المسؤولية الاجتماعية لصالح الهيئة العمانية للأعمال الخيرية.
2025م: أصدرت وزارة التجارة والصناعة وترويج الاستثمار قرارًا وزاريًا بإصدار مبادئ حوكمة الشركات التجارية المساهمة المقفلة، الذي ألزم الشركات بتضمين أنشطة المسؤولية الاجتماعية مع المبالغ المنفقة في التقرير السنوي، مع تخصيص فصل للمسؤولية الاجتماعية تضمن ذات البنود الواردة في قرار الهيئة العامة لسوق المال عام 2021م.
2025م: إشهار المؤسسة التنموية للمسؤولية الاجتماعية لقطاع الطاقة، وتهدف وفقًا لقرار إشهارها إلى تقديم الدعم المادي والفني للمشاريع والمبادرات والخطط الهادفة إلى تعزيز التنمية المستدامة وخدمة المجتمع العماني ضمن إطار المسؤولية الاجتماعية لقطاع الطاقة، في عدة مجالات ومن بينها تطوير رأس المال البشري، وتطوير البنية الأساسية المجتمعية، ودعم المبادرات الوطنية والأعمال الخيرية، والتراث والثقافة والسياحة المجتمعية.
يُدير المؤسسة مجلس إدارة يضم أعضاء من وزارة الطاقة والمعادن والشركات الأعضاء، ولا يقل رأسمالها عن مليون ريال عُماني.
مؤسسات خيرية
عُرف رجال أعمال بأعمالهم الخيّرة مثل الشيخ سعود بهوان والشيخ سهيل بهوان رحمهم الله، اللذان وسّعا الأعمال الخيرية تحت مؤسستين خيريتين تحملان اسميهما، وذلك عام 2004 لمؤسسة سعود بهوان الخيرية، و2006 لمؤسسة سهيل بهوان الخيرية.
كما تم في عام 2011 إشهار مؤسسة محمد البرواني للأعمال الخيرية، وعام 2011 تم إشهار المؤسسة التنموية الخيرية–الشركة العمانية للغاز الطبيعي المسال، وإشهار مؤسسة جسور الخيرية عام 2015 وتمثل ذراع المسؤولية الاجتماعية لشركات أوكيو وصحار ألمنيوم وفالي في عُمان.
تساؤلات
يطرح التوجه الجديد تساؤلات، حول مدى استقلالية الشركات في تحديد أولوياتها الاجتماعية، وهل سيكون هناك إعادة النظر في النسبة المخصصة لصالح الهيئة العمانية للأعمال الخيرية، وتغيير شكل المؤسسة التنموية للمسؤولية الاجتماعية لقطاع الطاقة؟
المصادر

شارك هذا الخبر