وثيقة لها تاريخ: حين يُكتب الفرح بلسان السلطان: زفاف تيمور في رسالةٍ خاصة

وثيقة لها تاريخ: حين يُكتب الفرح بلسان السلطان: زفاف تيمور في رسالةٍ خاصة
زفاف تيمور في رسالةٍ خاصة
أثير- د. محمد بن حمد العريمي
تقترب “أثير” في هذا التقرير من وثيقةٍ تاريخيةٍ ثرية، تختزل في سطورها القليلة ملامح مرحلةٍ مهمة من تاريخ عُمان، حيث تتداخل السياسة بالاجتماع، وتمتزج العلاقات الرسمية بروابط الودّ الشخصي. إنها رسالةٌ بعث بها السلطان فيصل بن تركي إلى أحد رجالات المجتمع في زنجبار، الشيخ صالح بن علي بن صالح الشيباني، لتكشف عن أبعادٍ متعددة في إدارة الدولة، وأساليب التواصل، وطبيعة العلاقات بين الحاكم والنخب المحلية.
المرسِل: السلطان فيصل بن تركي
المستقبِل: الشيخ صالح بن علي بن صالح الشيباني
تاريخ الرسالة: 15 شعبان 1322هـ الموافق 25 أكتوبر 1904م
موضوع الرسالة: عقد قران السلطان تيمور بن فيصل
مصدر الرسالة: أرشيف بيت الزبير
نص الرسالة:
" من فيصل بن تركي إلى جناب الشيخ المحب المكرّم المودّ الأفخم صالح بن علي بن صالح سلّمه الله تعالى
سلام عليك ورحمة الله وبركاته. نحن بحمد الله بخير وعافية لا زلت بعافية ولم يرد بطرفنا حادث إلا الخير، وكتابك الشريف المؤرّخ 23 رجب وصلنا ونوره أشعّ واطلعنا عليه وفهمنا جميع ما ذكرت، فلا زلت محبّا، والأخ علي بن سالم إلى حال التاريخ لم يصل، بل لم يصلنا منه تلجراف بوصوله ممبي.
وفي يوم 11 شعبان الساعة 10 من النهار صار عقد الولد تيمور على ابنة علي بن سالم نسئل الله الخير لهما واقتران مبارك. هذا وعساك نجحت بالاعتذار مع الذين قدّمنا لك ذكرهم سابقًا وكن كما أظنك والدهم. سلّم لنا على الولد ذياب ومن لديك، ومن هنا الأخ محمد والولد تيمور وإخوته والسلام.
15 شعبان 1322″
عقد قران السلطان تيمور بن فيصل
عقد قران السلطان تيمور بن فيصل
فحوى الرسالة
تحمل الرسالة جملة من المضامين المتنوعة، تبدأ بالتحية والاطمئنان على الأحوال، وتأكيد السلطان أنه في “خير وعافية”، ثم الإشارة إلى استلام رسالة الشيخ المؤرخة في 23 رجب، وما حملته من أخبار تم الاطلاع عليها وفهمها.
وتنتقل الرسالة إلى متابعة شأنٍ آخر، يتمثل في تأخر وصول السيد علي بن سالم بن ثويني إلى ممبي (مومباي)، وعدم ورود برقية (تلغراف) تؤكد وصوله، في إشارة واضحة إلى اعتماد وسائل الاتصال الحديثة آنذاك.
وتكمن أهمية الرسالة في أنها توثق لحدث أسري سياسي واجتماعي، حيث تشير إلى الإعلان عن عقد قران السيد تيمور (السلطان لاحقًا تيمور بن فيصل) على ابنة السيد علي بن سالم، وهي السيدة فاطمة بنت علي بن سالم والدة السلطان سعيد بن تيمور، في 21 أكتوبر 1904م.
ولا تخلو الرسالة من تكليفٍ مباشر للشيخ صالح، يتمثل في السعي إلى الاعتذار والتوسط لدى بعض الأطراف، مع حثّه على القيام بدور الأب الراعي، في دلالة على الثقة التي أولاه إياها السلطان.
صورة أرشيفية تجمع السلطان فيصل والسيد تيمور والسيد شهاب والسيد علي بن سالم
صورة أرشيفية تجمع السلطان فيصل والسيد تيمور والسيد شهاب والسيد علي بن سالم
الشخصيات الواردة في الوثيقة:
الشيخ صالح بن علي بن صالح الشيباني: هو صالح بن علي بن صالح الشيباني البحراني (1273-1361هـ / 1856 – 1942م)، سياسي ومترجم وخطّاط. كان ملمّا باللغة العربية والإنجليزية والسواحليّة؛ ما ساعده على العمل مترجمًا معتمدًا في الحكومة الزنجبارية والوكالة البريطانية في زنجبار.
كانت لصالح الشيباني مراسلات وعلاقات شخصية وسياسيّة بسلاطين عمان وزنجبار؛ منهم فيصل بن تركي، وتيمور بن فيصل، وخليفة بن حارب بن ثويني. كما اشتهر بخطّه الجميل وزخرفته المتقنة، وقد خطّ بيده بعض مخطوطات المساجد؛ ومن أشهر لوحاته الخطيّة لوحة مأتم الشيعة في زنجبار بكيبوندا.
توفي صالح الشيباني في زنجبار، ونعته مجموعة صحف منها صحيفة “الفلق” يوم السبت 19 من جمادى الآخرة 1361هـ (1942م).
صورة للشيخ صالح بن علي نقلًا عن صفحة الباحث محمد الرحبي @MohammedAlRahbi
صورة للشيخ صالح بن علي نقلًا عن صفحة الباحث محمد الرحبي @MohammedAlRahbi
السيد علي بن سالم: هو السيد علي بن سالم بن ثويني بن سعيد البوسعيدي، ولد عام 1861م في مسقط ونشأ في كنف والده السلطان سالم وجده السلطان ثويني، ثم انتقل السيد علي إلى شرق أفريقيا، وتحديدًا إلى زنجبار؛ بسبب الأوضاع غير المستقرة في عُمان بعد سلسلة من الأحداث الصعبة المتمثلة في وفاة السلطان ثويني، وتولي السلطان سالم الحكم، وقد عاد من زنجبار في يونيو 1898م.
تزوج في زنجبار، من السيدة علياء بنت برغش، ثم تزوج مرةً أخرى، وأنجب أربعة أبناء وأربع بنات، وأبناؤه هم السادة محمد بن علي، وسعود بن علي، وسعيد بن علي، وسالم بن علي، وفاطمة بنت علي والدة السلطان سعيد بن تيمور، وخولة بنت علي، ومحفوظة بنت علي، والسيدة وليم بنت علي.
السيد علي بن سالم
السيد علي بن سالم
ارتبط السيد علي بن سالم بعلاقةٍ وثيقة ومتينة مع ابن عمّه السلطان فيصل بن تركي، وهي علاقة لم تقتصر على أواصر القربى، بل تعمّقت عبر روابط المصاهرة التي شكّلت إحدى أهم أدوات توثيق التحالفات داخل البيت الحاكم.
فقد حرص السلطان على توطيد هذه العلاقة من خلال تزويج عددٍ من أبنائه ببنات السيد علي بن سالم، حيث اقترن السيد نادر بن فيصل بالسيدة خولة بنت علي. كما تزوّج السيد محمد بن فيصل من السيدة محفوظة بنت علي، في حين ارتبطت السيدة وليم بنت علي بالسيد حمود بن فيصل.
ويأتي زواج تيمور بن فيصل من السيدة فاطمة بنت علي في هذا السياق ذاته، ليعكس بوضوح نهجًا سياسيًا واجتماعيًا قائمًا على تعزيز التماسك داخل الأسرة الحاكمة، وربط فروعها المختلفة بعلاقات نسبٍ ومصاهرةٍ تُسهم في تثبيت الاستقرار، وتدعيم شبكة الولاءات في مرحلة كانت تتطلب قدرًا عاليًا من التوازن بين الروابط العائلية والاعتبارات السياسية.
السيد علي بن سالم
السيد علي بن سالم
توفي السيد علي بن سالم في مسقط في الأول من سبتمبر عام ١٩٢٨م، عن عمرٍ يناهز 67 عامًا، وقد أُعلن الحداد في البلاط لمدة ثلاثة أيام، وخُفِّض علم السلطان إلى نصف السارية، كما خُفِّض علم الوكالة (البريطانية) أيضًا.
السيد علي بن سالم
السيد علي بن سالم
السيد علي بن سالم
السيد علي بن سالم
المراجع
  • الجهورية، أحلام بنت حمود. إليك معلومات عن السيدة التي عاصرت 11 من سلاطين الأسرة البوسعيدية، تقرير منشور في موقع أثير ، 7 أبريل 2024م.
  • مجموعة مؤلفين. الموسوعة العمانية، المجلد السادس (ش- ظ)، وزارة التراث والثقافة، سلطنة عمان، 2013.
  • https://www.royalark.net/Oman/oman6.htm
  • مكتبة قطر الرقمية. عدة ملفات تتناول الشأن العماني مطلع القرن العشرين.

شارك هذا الخبر