رصد - أثير
إعداد - ريما الشيخ
تحولت رحلة سياحية استكشافية كان يفترض أن تكون واحدة من أكثر الرحلات تميزًا في القارة القطبية الجنوبية، إلى واحدة من أكثر الحوادث البحرية الصحية إثارة للجدل خلال السنوات الأخيرة، بعد انتشار أخبار عن تفشٍّ غامض على متن السفينة السياحية “هونديوس”، وسط تضارب واسع بين الروايات الرسمية وما كان ينشره الناشطون والركاب من داخل السفينة عبر مواقع التواصل الاجتماعي.
القضية التي عُرفت لاحقًا إعلاميًا باسم “السفينة الموبوءة”، لم تتوقف عند حدود المرض فقط، بل فتحت أبوابًا واسعة من الجدل حول الشفافية، وإدارة الأزمات الصحية البحرية، وطبيعة الفيروس الذي أثار الرعب بين الركاب، خاصة بعد الحديث عن “فيروس هانتا” وسلالة “آنديز” المعروفة بندرتها وخطورتها.
البداية.. رحلة إلى أقصى العالم
انطلقت السفينة “هونديوس”، التابعة لشركة الرحلات الهولندية “Oceanwide Expeditions”، في رحلة استكشافية إلى القارة القطبية الجنوبية، وعلى متنها عشرات الركاب من جنسيات مختلفة، بينهم ناشطون وصناع محتوى كانوا يوثقون تفاصيل الرحلة بشكل يومي عبر حساباتهم في “إنستغرام” و”تيك توك”.
في الأيام الأولى، كانت الأجواء طبيعية، وتركز المحتوى المنشور على المناظر الجليدية والحياة البرية والمغامرات البحرية، قبل أن تبدأ أولى الإشارات المقلقة بالظهور، بعد تداول معلومات عن إصابة أحد الركاب بأعراض صحية غامضة.
ومع مرور الوقت، بدأت تتسع دائرة القلق داخل السفينة، خصوصًا بعد عزل بعض الركاب داخل الغرف، وفرض قيود على الحركة، وسط غياب توضيحات رسمية واضحة في الساعات الأولى.
“ابن حتوتة” ينقل ما يحدث من الداخل
أحد أكثر الأسماء تداولًا خلال الأزمة كان الناشط الأردني قاسم الحتو، المعروف باسم “ابن حتوتة”، والذي كان من بين الركاب على متن السفينة، إذ تحوّل حسابه في “إنستغرام” إلى نافذة مباشرة ينقل عبرها ما يحدث لحظة بلحظة.
الناشط الأردني تحدث في عدة مقاطع عن حالة خوف وارتباك داخل السفينة، مشيرًا إلى أن بعض الركاب بدأوا يعانون من أعراض صحية، وأن المعلومات المتداولة بين الركاب كانت متضاربة.
وفي أكثر من ظهور، نفى “ابن حتوتة” شائعات تحدثت عن وجود “وفيات جماعية” أو “انهيار كامل للوضع الصحي”، مؤكدًا أن كثيرًا مما يُنشر على مواقع التواصل كان مبالغًا فيه، لكنه في الوقت نفسه أشار إلى وجود حالة قلق حقيقية بسبب عدم وضوح طبيعة المرض.
كما نفى مزاعم تحدثت عن “احتجاز قسري” للركاب، موضحًا أن الإجراءات كانت أقرب إلى “العزل الصحي الاحترازي”، لكنه انتقد في المقابل ضعف التواصل وغياب الشرح الواضح لما يحدث.
وفي مقاطع أخرى، أكد أن بعض الركاب كانوا يشتكون من الحمى والإرهاق وأعراض تنفسية، بينما أشار إلى أن الطاقم حاول السيطرة على الوضع ومنع انتشار الذعر داخل السفينة.
فيروس هانتا يدخل المشهد
الجدل تصاعد بشكل كبير بعد تداول معلومات عن الاشتباه بوجود إصابة بفيروس “هانتا”، وهو فيروس نادر ينتقل عادة من القوارض إلى البشر، ويمكن أن يسبب مضاعفات خطيرة في الجهاز التنفسي.
وسرعان ما بدأ اسم “سلالة آنديز” بالانتشار إعلاميًا، وهي سلالة مرتبطة بأمريكا الجنوبية وتُعد من السلالات القليلة التي سُجلت فيها احتمالات انتقال بين البشر، الأمر الذي زاد من حالة الذعر بين المتابعين والركاب.
وبحسب ما تم تداوله، فإن إحدى الحالات المشتبه بها كانت مرتبطة برحلات سابقة في مناطق طبيعية بأمريكا الجنوبية، وهو ما فتح باب التساؤلات حول مصدر العدوى الحقيقي، وما إذا كانت الإصابة انتقلت قبل صعود السفينة أم خلالها.
لكن حتى مع تصاعد الروايات، لم تكن هناك في البداية بيانات رسمية حاسمة تؤكد وجود تفشٍّ واسع للفيروس على متن السفينة، إذ كان هناك تضرب في الروايات، لتكشف عن فجوة واضحة بين ما كان ينشره بعض الركاب والناشطين، وبين ما تصدره الجهات المختصة والشركة المشغلة للسفينة.
ففي الوقت الذي تحدث فيه بعض الركاب عن “خوف من وباء”، أكدت الشركة المشغلة أن الوضع “تحت السيطرة”، وأن الإجراءات المتبعة تأتي ضمن البروتوكولات الصحية البحرية المعتادة. كما شددت الشركة على أن السفينة تتبع المعايير الدولية الخاصة بالعزل والتعامل مع الحالات المشتبه بها، وأنها على تواصل مع السلطات الصحية المختصة.
في المقابل، رأى بعض الركاب أن المعلومات الرسمية كانت “مقتضبة” ولا تعكس حجم القلق الحقيقي داخل السفينة، خاصة مع تداول أخبار عن رفض بعض الموانئ استقبال السفينة أو فرض قيود إضافية عليها.
تدخلات دولية ومتابعة صحية
القضية لم تبق محصورة داخل السفينة فقط، بل امتدت إلى عدة دول وجهات صحية تابعت التطورات بشكل مباشر، خصوصًا مع الحديث عن ركاب من جنسيات متعددة واحتمالية انتقال العدوى عبر الحدود، فالسلطات الصحية في بعض الدول تابعت نتائج الفحوصات الخاصة بالحالات المشتبه بها، بينما جرى تنسيق بين الجهات البحرية والصحية لتحديد آلية التعامل مع الركاب بعد انتهاء الرحلة.
كما برزت تساؤلات حول دور الموانئ التي استقبلت السفينة، والإجراءات التي تم اتخاذها بحق الركاب، وما إذا كانت هناك فحوصات إلزامية أو حجر صحي لبعض الحالات.
وفي خضم ذلك، انتشرت على مواقع التواصل روايات غير مؤكدة تحدثت عن “تكتم” و”محاولة احتواء إعلامي”، في حين أكدت الجهات الرسمية أن كثيرًا من المعلومات المتداولة كانت غير دقيقة أو مبالغًا فيها.
ساهمت طبيعة الرحلة نفسها في تضخيم القضية إعلاميًا؛ فالسفينة كانت في منطقة نائية ومعزولة نسبيًا، والركاب يوثقون كل شيء عبر الإنترنت، ما جعل أي معلومة تنتشر بسرعة كبيرة، كما لعبت مقاطع الفيديو المباشرة دورًا محوريًا في تشكيل الرواية العامة، إذ شعر المتابعون أنهم يعيشون الأزمة لحظة بلحظة مع الركاب، خصوصًا مع حديث بعضهم عن العزل والخوف والانتظار.
استنفار صحي في إسبانيا
وحسب ما أفادته صحيفة The Guardian نفذت السلطات الإسبانية عملية إجلاء كاملة لركاب السفينة “هونديوس” بعد وصولها إلى جزر الكناري، وسط إجراءات صحية مشددة شملت الفحوصات والعزل والمتابعة الطبية للركاب، كما فرضت السلطات حجرًا صحيًا على بعض الحالات المشتبه بها، مع استمرار تتبع المخالطين بعد ظهور حالات مرتبطة بالرحلة داخل البلاد.
وشاركت فرق طبية وأمنية في عملية الإجلاء التي وُصفت بأنها من أكبر عمليات الاستجابة الصحية البحرية خلال الفترة الأخيرة، فيما أثار استقبال السفينة جدلًا داخل جزر الكناري بسبب المخاوف من انتقال العدوى.
كما جرى نقل عدد من الركاب إلى بلدانهم عبر رحلات خاصة بعد استكمال الإجراءات الصحية، بينما واصلت السلطات الإسبانية مراقبة الحالات المرتبطة بالسفينة بسبب فترة حضانة فيروس “هانتا” التي قد تمتد لعدة أسابيع.
النهاية.. أزمة حقيقية أم فوضى معلومات؟
بعيدًا عن التهويل الذي رافق القضية على مواقع التواصل، فإن ما حدث على متن “هونديوس” لم يكن مجرد شائعة عابرة؛ إذ أكدت التقارير المتداولة وقوع وفيات وإصابات فعلية مرتبطة بفيروس “هانتا”، وسط إجراءات عزل ومتابعة صحية استمرت لعدة أيام داخل السفينة وخارجها.
كما أعلنت منظمة الصحة العالمية تسجيل 8 حالات مرتبطة بالسفينة، بينها 3 وفيات، مع تأكيد إصابة 5 حالات بفيروس “هانتا”، مشيرة إلى أن السلالة المرتبطة بالحالات هي “آنديز”، وهي السلالة الوحيدة المعروفة بإمكانية انتقالها المحدود بين البشر نتيجة المخالطة القريبة والممتدة
لكن الحادثة في الوقت نفسه كشفت كيف يمكن أن تتحول أزمة صحية محدودة داخل مساحة مغلقة ومعزولة إلى قضية رأي عام عالمية، خاصة مع التدفق المستمر للمقاطع المباشرة والروايات المتضاربة من داخل السفينة.
كما سلّطت الضوء على حساسية الرحلات البحرية الطويلة في التعامل مع الأمراض المعدية، وأهمية سرعة الإفصاح والوضوح في إدارة المعلومات، خصوصًا عندما يكون الركاب أنفسهم مصدرًا يوميًا للصور والتفاصيل والتحديثات.





