من ”حكومة الحرب“ إلى ”حكومة النجاة“؛ هل بدأ العدّ التنازلي لسقوط نتنياهو؟

من ”حكومة الحرب“ إلى ”حكومة النجاة“؛ هل بدأ العدّ التنازلي لسقوط نتنياهو؟
رئيس وزراء حكومة الاحتلال بنيامين نتنياهو
رصد - أثير
في تقرير نشرته وكالة الأناضول اليوم، تتكشف ملامح أزمة سياسية متصاعدة داخل الكيان الإسرائيلي، عنوانها الظاهر حلّ الكنيست والتوجّه نحو انتخابات مبكرة، فيما تدور في العمق معركة أكثر تعقيدًا بين حكومة الاحتلال والمعارضة على “رواية إسقاط الحكم”.
التقرير يسلّط الضوء على اهتزاز تحالف رئيس وزراء حكومة الاحتلال بنيامين نتنياهو مع الأحزاب الحريدية، وخلافات قانون التجنيد، ومحاولات كل طرف السيطرة على مشهد الانهيار السياسي وتوقيته، في واحدة من أكثر اللحظات حساسية داخل إسرائيل منذ هجوم السابع من أكتوبر.
من يحكم الاحتلال الإسرائيلي اليوم، وما طبيعة التحالف القائم؟
حتى نفهم جذور الأزمة الحالية داخل الاحتلال، لا بد أولًا من قراءة تركيبة الائتلاف الحاكم الذي يقوده بنيامين نتنياهو، والذي تشكّل نهاية عام 2022 ويُوصف بأنه الأكثر يمينية وتشدّدًا في تاريخ إسرائيل.
بحسب تقارير وكالة الأناضول ووسائل إعلام إسرائيلية بينها “معاريف” و”القناة 12”، يقود نتنياهو الحكومة عبر حزب الليكود اليميني، متحالفًا مع أحزاب دينية وقومية متطرفة، أبرزها حزب شاس الممثل لليهود الشرقيين المتدينين (الحريديم)، وتحالف يهدوت هتوراه الذي يمثل التيار الحريدي الأشكنازي، إلى جانب أحزاب اليمين القومي والديني المتشدد التي تدعم التوسع الاستيطاني وترفض إقامة دولة فلسطينية.
ويعتمد هذا التحالف على توازنات؛ فالأحزاب الحريدية تمنح نتنياهو الأغلبية البرلمانية، مقابل الحفاظ على امتيازاتها الدينية والاجتماعية، وعلى رأسها إعفاء طلاب المدارس الدينية من الخدمة العسكرية.
لكن مع تصاعد الضغوط الداخلية والحرب والانقسام حول قانون التجنيد، بدأت هذه التوازنات تهتز، لتتحول قضية الإعفاء العسكري من ملف تشريعي إلى تهديد مباشر لبقاء الحكومة نفسها.
هل يسبق نتنياهو خصومه إلى إسقاط حكومته؟
في خطوة بدت وكأنها محاولة لانتزاع زمام المبادرة من المعارضة، تقدّم حزب الليكود بزعامة بنيامين نتنياهو، وبمشاركة أحزاب الائتلاف الحاكم، بمشروع قانون لحل الكنيست والدعوة إلى انتخابات مبكرة، في تحرّك يكشف أن الأزمة داخل الحكومة لم تعد قابلة للاحتواء، بل دخلت مرحلة إدارة “السقوط السياسي” بدل منعه.
الخطوة جاءت بعدما أدرك نتنياهو أن المعارضة باتت تملك فرصة حقيقية لتمرير مشاريعها الخاصة بحل البرلمان، وهو ما كان سيمنحها مشهد “إسقاط الحكومة” سياسيًا وإعلاميًا، لذلك فضّل أن يقود العملية بنفسه بدل أن يُدفع إليها تحت ضغط خصومه.
لماذا يريد نتنياهو التحكم في “لحظة الانهيار”؟
بحسب وسائل إعلام عبرية، فإن جوهر تحرك نتنياهو لا يتعلق فقط بالانتخابات المبكرة، بل بالجهة التي ستبدو أمام الرأي العام وكأنها أسقطت الحكومة.
فالمعارضة، بقيادة يائير لابيد ويائير غولان، دفعت بمشروعي قانون لحل الكنيست تمهيدًا للتصويت عليهما الأسبوع المقبل، مستفيدة من التصدعات داخل الائتلاف، خصوصًا مع تصاعد غضب الأحزاب الحريدية.
لكن نتنياهو حاول قلب المشهد؛ فبدل أن يظهر بمظهر من أُسقطت حكومته، يريد تقديم الانتخابات باعتبارها “قرارًا منظمًا” اتخذه الائتلاف لإعادة ترتيب الساحة السياسية، لا هزيمة فرضتها المعارضة.
كيف تحولت أزمة “التجنيد” إلى تهديد وجودي للحكومة؟
الأزمة الحالية تفجّرت بسبب قانون إعفاء الحريديم من الخدمة العسكرية، وهو الملف الأكثر حساسية داخل سياسة الاحتلال منذ سنوات.
نتنياهو أبلغ الأحزاب الحريدية بأنه غير قادر على تمرير القانون في الكنيست الحالي لعدم امتلاكه الأغلبية الكافية، الأمر الذي فجّر غضب حلفائه الدينيين الذين لوّحوا بدعم حل البرلمان إذا لم يُقرّ القانون.
وهنا تحوّلت القضية من مجرد خلاف تشريعي إلى اختبار حقيقي لتحالف حكم استمر أكثر من عقد بين نتنياهو والأحزاب الحريدية، وعلى رأسها حزب شاس وتحالف يهدوت هتوراه.
هل بدأت الأحزاب الحريدية فعلاً بالتخلي عن نتنياهو؟
المؤشرات السياسية داخل الاحتلال توحي بأن الثقة بين الطرفين لم تعد كما كانت؛ فالتصريحات الأخيرة للحاخام دوف لاندو، الذي يُعد من أبرز المرجعيات الدينية لحزب “ديغل هتوراه”، حملت رسائل قاسية حين تحدث عن أن “الكتلة” السياسية لم تعد قائمة بالنسبة له، وهو ما اعتُبر تهديدًا مباشرًا للتحالف التاريخي بين اليمين والحريديم.
ورغم ذلك، لا يبدو أن الأحزاب الحريدية مستعدة للذهاب نحو تحالف مع معسكر اليسار، إذ تؤكد قياداتها أن أي حكومة معارضة قد تكون أكثر عداءً لها من حكومة نتنياهو نفسها.
لماذا يفضّل نتنياهو انتخابات سبتمبر بدل أكتوبر؟
التوقيت هنا ليس تفصيلًا سياسيًا عابرًا، فبحسب تقديرات إسرائيلية، لم يعد نتنياهو يرغب بإجراء الانتخابات في أكتوبر المقبل، تزامنًا مع ذكرى هجوم السابع من أكتوبر 2023، وما قد يصاحبه من نقاشات حادة حول مسؤولية القيادة السياسية والأمنية عن الإخفاق الذي هزّ الاحتلال.
لهذا بدأت ترتفع فرص إجراء الانتخابات في سبتمبر، وسط مقترحات متباينة داخل الأحزاب الحريدية، إذ يفضّل بعضها مطلع سبتمبر، بينما يدفع آخرون نحو منتصف الشهر.
هل الصراع الحقيقي بين الحكومة والمعارضة، أم داخل الائتلاف نفسه؟
المشهد السياسي في الاحتلال يكشف أن المعركة لم تعد فقط بين المعارضة ونتنياهو، بل داخل معسكر الحكم ذاته؛ فالمعارضة تحاول استثمار أزمة التجنيد والانقسامات داخل الائتلاف لدفع الاحتلال نحو انتخابات قد تنهي حكم نتنياهو، بينما يسعى الأخير إلى الحفاظ على تماسك حكومته حتى لو اضطر لقيادة عملية حلها بنفسه.
وبين الطرفين، تبدو الأحزاب الحريدية اللاعب الأكثر تأثيرًا، إذ إن موقفها النهائي قد يحسم أي مشروع سيُمرر أولًا: مشروع المعارضة الذي يُظهر الحكومة وكأنها سقطت، أم مشروع الائتلاف الذي يحاول إعادة تقديم المشهد باعتباره “تفكيكًا منظمًا”.
إلى أين يتجه الاحتلال سياسيًا؟
ما يجري داخل الاحتلال يتجاوز مجرد خلاف حول التجنيد أو موعد الانتخابات، إذ يعكس أزمة أعمق تتعلق بشكل التحالفات التي حكمت البلاد خلال السنوات الأخيرة.
فالحريديم الذين يشكلون نحو 13% من سكان إسرائيل يتمسكون برفض التجنيد بدعوى الحفاظ على هويتهم الدينية، بينما تتزايد الضغوط القضائية والسياسية لإنهاء الإعفاءات التاريخية التي حصلوا عليها لعقود.
ومع استمرار الحرب والانقسامات الداخلية، يبدو الاحتلال أمام مرحلة سياسية شديدة الحساسية، قد لا يكون السؤال فيها: “هل ستُجرى انتخابات مبكرة؟”، بل: “من سينجح في كتابة رواية سقوط الحكومة؟”

شارك هذا الخبر