أثير - ريما الشيخ
لم تعد منصات التواصل الاجتماعي في مجتمعنا مجرد مساحة للترفيه أو مشاركة لتفاصيل حياتنا اليومية، بل تحولت خلال السنوات الأخيرة إلى ساحة تؤثر بصورة مباشرة في تشكيل المزاج العام وتوجيه الاهتمامات المجتمعية.
فالهواتف المحمولة في أيدينا اليوم لم تعد مجرد أدوات للتواصل، بل أصبحت منصات للنقاش والتأثير وصناعة الرأي، تحدد بشكل يومي ما الذي يشغل الناس، وما القضايا التي تستحق التفاعل أو النقد أو الدعم الجماعي.
في السنوات السابقة، كانت القضايا المحلية تحتاج إلى وقت حتى تنتقل إلى الرأي العام عبر المجالس أو وسائل الإعلام التقليدية، أما اليوم فأصبح مقطع قصير على “تيك توك”، أو منشور عبر منصة “إكس”، أو مقطع “ريلز” على “انستجرام”، كافيًا لتحويل موضوع محدود التداول إلى نقاش واسع خلال ساعات قليلة.
هذا التحول نقل المواطن العُماني من موقع المتلقي إلى موقع المشارك في صناعة المشهد الرقمي، سواء عبر التصوير أو التعليق أو إعادة النشر أو حتى التأثير في اتجاه النقاش العام.
وتشير تقديرات وتقارير رقمية متخصصة إلى أن معدلات استخدام الإنترنت ومنصات التواصل الاجتماعي في سلطنة عُمان تُعد من بين الأعلى إقليميًا، مع حضور واسع لفئة الشباب على المنصات القصيرة والمحتوى السريع، وهو ما ساهم في تسارع انتقال القضايا والأفكار والاتجاهات اليومية داخل المجتمع.
من التفاعل إلى “الضغط الرقمي”
واحدة من أبرز التحولات التي فرضتها منصات التواصل في بلادنا هي انتقال المجتمع من مجرد التفاعل مع القضايا إلى ممارسة نوع من “الضغط الرقمي” الجماعي.
فاليوم، عندما يوثق أحد المستخدمين لهذه المنصات ازدحامًا في طريق، أو ينتقد مستوى خدمة معينة، أو يرصد ملاحظة مرتبطة بفعالية أو مرفق عام، فإن الأمر لا يتوقف عند حدود المنشور الفردي، بل يتحول أحيانًا إلى موجة واسعة من التفاعل وإعادة النشر، تدفع الجهات المعنية إلى التوضيح أو الاستجابة السريعة.
وخلال الأشهر الأخيرة، برزت أمثلة عديدة على تحوّل مقاطع قصيرة مرتبطة بالخدمات أو الازدحام أو بعض الملاحظات التنظيمية إلى نقاشات واسعة تتداولها الحسابات المحلية بشكل مكثف، في مشهد يعكس حجم التأثير الذي باتت تملكه المنصات الرقمية في توجيه الانتباه الجماهيري.
هذا الواقع خلق معادلة جديدة، أصبحت فيها المنصات الرقمية أسرع من الوسائل التقليدية في نقل نبض الشارع، وأكثر قدرة على تضخيم القضايا وتحويلها إلى رأي عام خلال وقت قصير، حيث دفع هذا التحول كثيرًا من المؤسسات والجهات إلى مراقبة المزاج الرقمي بصورة مستمرة، باعتباره مؤشرًا مباشرًا على اتجاهات الرأي العام المحلي.
ظاهرة “الـ Hype”.. هل أصبحنا نركض خلف “الترند”؟
ومن الظواهر الواضحة في المشهد العُماني مؤخرًا، تصاعد ما يمكن وصفه بـ “الزخم الرقمي” أو ما يعرف محليًا بـ” الهبة“، المرتبط بالمطاعم والمقاهي والفعاليات والأماكن الجديدة.
ففي كثير من الأحيان، يكفي أن ينشر أحد المؤثرين أو الحسابات واسعة الانتشار مقطعًا لمكان معين، حتى يتحول خلال فترة قصيرة إلى وجهة مزدحمة يتداولها المستخدمون بشكل واسع.
وباتت مشاهد الطوابير والازدحام أمام بعض المواقع التجارية أو الفعاليات تتكرر بصورة لافتة، ليس بسبب الحملات الإعلانية التقليدية فقط، بل نتيجة لقدرة المنصات على خلق حالة جماعية من الفضول والرغبة في خوض التجربة ذاتها.
كما برزت بوضوح ظاهرة “الخوف من فوات التجربة” أو ما يعرف بـ (FOMO)، حيث أصبح كثير من المستخدمين يسارعون إلى زيارة بعض الأماكن أو المشاركة في بعض الأنشطة بدافع اللحاق بـ “الترند” الجماعي، أكثر من ارتباط ذلك بالحاجة الفعلية أو جودة التجربة نفسها.
وفي هذا السياق، لم تعد بعض المشاريع تحقق انتشارها بناءً على جودة الخدمة فقط، بل بقدرتها على التحول إلى محتوى بصري قابل للتداول والتصوير وإعادة النشر، وهو ما غيّر بصورة غير مباشرة طريقة التسويق وحتى تصميم بعض التجارب التجارية داخل السوق المحلي.
عندما يؤثر الخارج على الداخل العُماني
ورغم أن جزءًا كبيرًا من النقاشات الرقمية في سلطنة عُمان يرتبط بالشأن المحلي، فإن المزاج المجتمعي يتأثر أيضًا بالقضايا الإقليمية والإنسانية الكبرى.
فقد ظهر ذلك بوضوح خلال حملات المقاطعة المرتبطة بالحرب على غزة، حيث تحولت منصات التواصل داخل عُمان إلى مساحة للتوعية بالبدائل المحلية، وتبادل قوائم المنتجات، وتشجيع دعم المنتج الوطني.
وفي هذه الحالة، تجاوز دور المنصات مجرد نقل الأخبار، لتصبح أداة للتأثير في السلوك الاستهلاكي وصناعة موقف اجتماعي جماعي تجاه قضية خارجية ذات امتداد محلي.
كما أظهرت هذه الحملات قدرة المنصات الرقمية على نقل المزاج الإقليمي إلى الداخل العُماني بسرعة كبيرة، وتحويله إلى سلوك يومي ينعكس على خيارات الناس ونقاشاتهم وتفاعلهم مع الأسواق والعلامات التجارية.
سلطة “المؤثر” الجديدة.. هل سحبوا البساط؟
بالتوازي مع هذا التحول، برزت في مجتمعنا فئة جديدة تمتلك تأثيرًا واضحًا في توجيه النقاشات العامة، وهم صناع المحتوى والمؤثرون.
فالمؤثر اليوم لم يعد مجرد منتج لمحتوى ترفيهي، بل تحول في بعض الأحيان إلى طرف قادر على رفع مستوى الاهتمام بقضية معينة، أو إعادة توجيه الانتباه الجماهيري نحو موضوع محدد.
وفي كثير من الحالات، أصبحت سرعة وصول المؤثر إلى الجمهور، وقربه من لغة الناس اليومية، عوامل تمنحه تأثيرًا يفوق أحيانًا تأثير الخطاب التقليدي.
ولم يعد هذا التأثير مقتصرًا على المنتجات التجارية أو الإعلانات، بل امتد إلى القضايا الاجتماعية والخدمية وحتى النقاشات المرتبطة بالشأن العام، في وقت باتت فيه بعض الحسابات الرقمية تمتلك قدرة واضحة على تحريك المزاج الجماهيري خلال وقت قصير.
ومع ذلك، أثار هذا التحول نقاشات واسعة حول حدود المسؤولية المهنية والأخلاقية للمحتوى الرقمي، خصوصًا في ظل قدرة بعض الحسابات على التأثير السريع في الرأي العام دون وجود ضوابط إعلامية تقليدية واضحة.
بين الوعي والفوضى الرقمية
لكن هذا التأثير المتصاعد للترندات يحمل في المقابل تحديات واضحة، أبرزها سرعة انتشار المعلومات غير الدقيقة أو المقاطع المجتزأة، ففي بيئة رقمية تعتمد على السرعة والتفاعل اللحظي، قد تتحول بعض الأخبار غير المكتملة إلى موجات واسعة من الجدل قبل التحقق من صحتها، وهو ما يفتح المجال أمام حالة من الفوضى الرقمية أحيانًا.
ومع تصاعد ثقافة “السبق الرقمي”، أصبح الوعي الإعلامي والتحقق من المعلومات ضرورة مجتمعية، خصوصًا في القضايا المرتبطة بالشأن العام أو بالمؤسسات والأفراد.
ورغم أن الشخصية العُمانية عُرفت تاريخيًا بالهدوء والاتزان والابتعاد عن الصدام المباشر، فإن المنصات الرقمية خلقت مساحة أكثر سرعة وحدّة في التفاعل مع القضايا اليومية، حيث أصبحت ردود الفعل الجماعية تتشكل بوتيرة متسارعة تتأثر بطبيعة المحتوى وانتشاره اللحظي.
مجتمع يُعاد تشكيله رقميًا
ما تشهده سلطنة عُمان اليوم يتجاوز مجرد تغير في وسائل التواصل، بل يعكس تحولًا حقيقيًا في طريقة تشكل الرأي العام نفسه.
فالمنصات الرقمية أصبحت جزءًا من الحياة اليومية للمجتمع، ومصدرًا أساسيًا لتكوين الانطباعات والمواقف، فيما بات “الترند” يلعب دورًا متزايدًا في تحديد أولويات النقاش العام.
وفي سلطنة عُمان اليوم، قد يبدأ الرأي العام من شاشة هاتف، وقد تتحول ثوانٍ قليلة من التصوير إلى قضية تشغل مجتمعًا كاملًا، وبين سرعة الترند ورصانة المجتمع، تتشكل ملامح مرحلة رقمية جديدة تعيد تعريف طريقة تفاعل العُمانيين مع واقعهم اليومي.
لكن، ومع هذا التحول المتسارع، يبرز تساؤل مهم:
هل ستظل منصات التواصل مساحة تعكس نبض المجتمع فقط، أم أنها بدأت بالفعل في إعادة تشكيل طريقة تفكير المجتمع نفسه، وتحديد ما يستحق الاهتمام والغضب والتفاعل يوميًا؟





