أثير- الركابي حسن يعقوب
عندما يقول الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بأنه ليس في عجلة من أمره، فإنه في الواقع يعني أنه “في عجلة من أمره”!
ذلك أن الرئيس ترامب اعتاد أن يقول الشيء ونقيضه في الوقت نفسه، فمنذ بداية الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران ما انفك الرئيس ترامب يدلي بتصريحات متناقضة ويعلي من سقوف مطالبه من إيران ثم ما تلبث هذه التصريحات أن تتبدد وتذهب أدراج الرياح بتصريحات جديدة منه تحمل نفس خواص سابقاتها من الحدة، و التناقض، والمبالغة.
حتى أن المراقبين والمحللين والمختصين بالسياسة الدولية وحتى المتابعين العاديين لمجريات وتطورات الحرب أصبحوا في حيرة من أمرهم من فرط تناقضات تصريحاته وهو أمر جديد لم تعهده أروقة الرئاسة الأمريكية سواء في البيت الأبيض أو الأجهزة المرتبطة عضويًا بمؤسسة الرئاسة الأمريكية .
ففي الوقت الذي يجمع المراقبون فيه أن الوقت لم يعد في صالح أمريكا لعوامل وأسباب داخلية وأخرى خارجية، وفي خضم سباقه هو نفسه مع الزمن يطلق الرئيس ترامب تصريحا يقول فيه بأنه ليس في عجلة من أمره؛ ما يُفهم منه أن عنصر الوقت في صالحه ولا يمثل له قيدًا على حركته وتعاطيه مع الأزمة، وهو أمر يجافي الحقيقة تمامًا بإجماع المراقبين وبحيثيات ما هو قائم الآن على صعيد الأزمة وموقف الحزب الجمهوري وتآكل شعبية الرئيس نفسه مع قرب الانتخابات التمهيدية داخل الحزب استعدادًا لانتخابات التجديد النصفي للكونغرس حيث بات من المسلم به أن الحزب يحتاج لمعجزة من نوع خاص كي يتفادي خسارة محتملة ومرجحة بنسبة كبيرة، إذ تتزايد وترتفع الأصوات الرافضة للاستمرار في الحرب، فضلًا عن تأثيراتها على أسعار الوقود وسط تنامي الشكوك حول مبررات الرئيس ترامب المتعلقة بما يسميه بالتهديد النووي الإيراني على أمريكا والعالم، وأنه يخوض الحرب دفاعًا عن الأمن القومي الأمريكي.
وهي تبريرات يجد رجل الشارع الأمريكي العادي صعوبة بالغة في استيعابها والاقتناع بها وهو يكابد ويكافح من أجل تدبير معاشه ويجتهد لسد الفجوة التي أحدثتها الحرب بين دخله ومصروفاته وهي فجوة آخذة في الاتساع طرديًا مع استمرار حالة اللاسلم واللاحرب واستمرار أزمة إغلاق مضيق هرمز وانعكاسها الضار على قطاع الطاقة العالمي، وهو وضع لا شك أنه بكل المقاييس يمثل ضغطًا على صانع القرار الأمريكي يجعله يبحث جديًا وعلى عجل عن أقصر الطرق للتخلص من وطأته، لكن الرئيس ترامب يتجاهل ذلك ويرى أنه ليس في عجلة من أمره.
إنها حالة إنكار فريدة من نوعها وفي مستواها، وتثير العديد من التساؤلات، هل الرئيس ترامب تملكه شعور باليأس من تحقيق النجاح فيما تبقى من عهدته الثانية والأخيرة وأنه قد دخل مرحلة البطة العرجاء مبكرًا، أم تراه يراهن على انهيار النظام الإيراني بفعل الضغط الذي يولده الحصار الأمريكي على الاقتصاد الإيراني وتوقف صادراته النفطية؛ ما يضطره إلى الاستسلام والقبول بالإملاءات الأمريكية في نهاية المطاف، أم أنه ينتظر فعلًا إيجابيًا تجاه مضيق هرمز من قبل المجموعة الأوروبية التي تسعى جاهدة إلى البحث عن صيغة مناسبة لإعادة فتح المضيق وانسياب الملاحة فيه بصورة عادية، أم ينتظر نتائج إثارة الموضوع في مجلس الأمن مع كل ما يحيطه من تعقيدات وقيود إجرائية.
يحدث هذا التباطؤ الأمريكي في الوقت نفسه الذي تستغل فيه إيران الوقت بصورة مثالية في إعادة بناء قوتها وما دمرته الغارات الأمريكية والإسرائيلية في حرب الأربعين يومًا بوتيرة أسرع، وفي هذا الشأن كشفت شبكة CNN الأمريكية مؤخرًا نقلًا عن مصادر مطلعة على تقييمات الاستخبارات الأمريكية أن إيران استأنفت بعضًا من إنتاجها للمسيّرات خلال فترة وقف إطلاق النار، واستبدال مواقع الصواريخ وقاذفاتها، وأن ثلثي منصات إطلاق الصواريخ قد نجت من الضربات الأمريكية، وتمكن إيران من استخراج منصات كانت قد طمرت تحت الأنقاض، لتكون جاهزة للدخول في الخدمة مرة أخرى.
وهذا الوضع يجعل من عودة أمريكا للحرب عودة محفوفة بالمخاطر وغير محسوبة بحساب ما استجد على أرض الواقع خلال فترة وقف إطلاق النار، وهو السبب وراء الوعيد الذي أطلقته طهران مؤخرًا بأنه إذا استأنفت أمريكا الحرب عليها فإن ردها سيكون قويًا ومختلفًا ويطال مناطق أخرى خارج المنطقة، ورغم أن الرئيس ترامب قد أشار إلى أنه يعتزم توجيه ضربة محدودة ومحسوبة لإيران فيما لو لم يتم التوصل لاتفاق، إلا أن هذا الاحتمال ترد عليه تحفظات كثيرة لعل أبرزها هو أن الرد الإيراني على الأرجح سيكون أكبر وأوسع وقد يقود إلى تداعيات وعواقب وخيمة ذات تأثيرات كارثية يفوق أثرها الضار ما حدث جراء إغلاق مضيق هرمز تضطر معه قوى دولية فاعلة للتدخل بصورة مباشرة وتتحول الأزمة من إقليمية إلى دولية؛ ما يباعد آفاق الحل.
عليه؛ فإن المخرج من الوصول إلى هذا المصير ينبغي على كل الأطراف خصوصًا الأطراف الإقليمية ودول الخليج أن ترمي بثقلها لدعم وإنجاح المساعي الدبلوماسية الباكستانية - الخليجية النشطة لنزع فتيل الأزمة ووقف الحرب وتجنيب المنطقة مخاطر الدخول مجددًا في أتون حرب لا يريدها أحد.





