قمة بكين: الصين تربح الجولة

قمة بكين: الصين تربح الجولة
قمة بكين: الصين تربح الجولة
أثير- الركابي حسن يعقوب
يمكن القول بثبات أن الرئيس ترامب عاد من بكين إلى بلاده بخفي حنين، عاد ترامب خالي الوفاض إلا من وعود صينية مشروطة ومعلقة بمشجبي تايوان، وإيران.
لابد أن الرئيس ترامب يشعر بخيبة أمل كبيرة بسبب ضبابية نتائج زيارته للصين التي علق عليها آمال عراض، خاصة في الملف الاقتصادي الذي حرص على تحقيق اختراق فيه يدعم به موقفه المتأرجح داخليا، وظهر هذا الحرص في حشده لنخبة نوعية من رجال الأعمال ومدراء الشركات الأمريكية تم اختيارهم بعناية ودقة ليكونوا ضمن فريق الرئيس المفاوض لإبرام صفقات واتفاقات تجارية مع النظراء الصينيين.
لكن ما حدث في الواقع جاء أقل بكثير مما توقعه ترامب، بالرغم من تأكيده خلال الجلسة الختامية مع نظيره الصيني على ارتياحه لنتائج الزيارة.
وبحسب وكالة الأنباء الصينية “شينخوا”، فإن الجانبين توصلا إلى تفاهمات جديدة لتعزيز التعاون الاقتصادي والتجاري بين البلدين، إلى جانب انشاء مجلسين جديدين للتجارة والاستثمار لتوسيع آفاق التعاون الاقتصادي خلال المرحلة المقبلة، وهو حديث ضبابي ومعمم ولا جديد فيه، ولا يعبر عن التصريحات المتفائلة التي كان قد أطلقها ترامب قبيل سفره إلى الصين.
ويقول “موقع بوليتيكو” إن الرئيس ترامب تحدث عن تفاهمات واتفاقات محتملة مشيرا إلى أن الصين قد تشتري “فول الصويا” الأمريكي بما قيمته “مليارات الدولارات”، وصفقة شراء الصين 200 طائرة من طراز بوينج، وبحسب الموقع فإن الصين لم تؤكد هذه الاتفاقيات، مما يلقي ظلالاً من الشك حولها وحول بقية تفاصيل الملف الاقتصادي والتجاري وما إذا كان قد تم احداث اختراق فيه أم أنه لم يتم تحريكه أصلا.
وفيما يتعلق بالملف الإيراني، فإنه لم يطرأ عليه جديد على غير ما كان يأمل ترامب ، فقد كان يتطلع إلى أن تستخدم الصين نفوذها على إيران وحاجتها الملحة لانسياب وارداتها النفطية عبر مضيق هرمز للتأثير على طهران كعربون صداقة تقدمه بكين لواشنطن دون أن تطلبه، لكن كان رد الفعل الصيني مخيبا حيث أغلقت الصين هذا الباب واكتفت بإطلاق عبارات دبلوماسية ظلت ترددها منذ بداية الحرب الأمريكية على إيران، أكدت فيها على ضرورة تقديم الحوار على المواجهة والدبلوماسية على القوة، والعودة إلى التفاوض بجدية وبنوايا حسنة ووصفت اللجوء إلى استخدام القوة بأنه يمثل طريقا مسدودا، وأن الحرب ما كان ينبغي أن تقع منذ البداية .
وبذلك أعادت بكين واشنطن إلى نفس المربع، مربع التفاوض أو الحرب مع إيران دون أن تقدم لها أي نوع من الدعم والسند في مواجهة طهران مما يعني لها مزيدًا من التوغل في المستنقع الإيراني الذي تريد واشنطن الخروج منه بطريقة تحفظ لها ماء وجهها، لكن يبدو أن بكين تريد عكس ذلك، ربما بسبب الرغبة في إضعاف “الند” الأمريكي ، أو بسبب الموقف الأمريكي من ملف تايوان الذي لم يعطي ترامب الجانب الصيني بخصوصه أي إشارة لإمكانية تغيره بما يتوافق مع الموقف الصيني الثابت حياله.
وأيا كان الأمر فإن الحقيقة الواضحة التي لا لبس فيها، أن الحرب الأمريكية على إيران وما ترتب عليها من آثار، شكلت الوضع المتأزم الراهن في منطقة الخليج وإغلاق المضيق وتداعياته الاقتصادية السالبة ما هي إلا ساحة مواجهة تنافسية ذات طابع استراتيجي بين بكين وواشنطن. وترى بكين أن انغماس واشنطن في هذه الأزمة يخدم المصالح الصينية وتضطر معه واشنطن لطلب المساعدة منها ولن تتأخر بكين في الاستجابة وفقا لشروطها ومصالحها التي قوامها إنهاء النفوذ الأمريكي في المنطقة وتقديم الصين نفسها كبديل لها يمتلك مقومات ومزايا متعددة تفتقدها أمريكا.
وترى بكين أن سياسات ترامب الحالية تجاه الشرق الأوسط عامة ومنطقة الخليج خاصة تفتقر إلى العدالة والتوازن وتقوم على الانحياز التام والمستمر لإسرائيل ولا تعير اهتمامًا للمصالح الاقتصادية الضخمة التي تجمعها مع دول المنطقة، مما يجعل هذه الدول تعيد التفكير في بناء تحالفات جديدة تكفل لها الحفاظ على أمنها واستقرارها وحماية مواردها .
وتراهن الصين حاليا على عامل الوقت لبلوغ هذا الهدف كجزء من سياستها القائمة على “الصبر الاستراتيجي” إذ معروف عنها أنها لا تتعجل جني النتائج في قضاياها الاستراتيجية لكنها تخطو نحوها في ثبات وإن طال بها السير، وليس أدل على ذلك من قضية تايوان التي مضى عليها أكثر من سبعة عقود ولم تزل بكين تعتبرها جزءا لا يتجزأ من الصين وتسعى جاهدة لاستعادتها على الرغم من الدعم المستمر لها من قبل الإدارات الأمريكية المتعاقبة ، ولطالما استخدمت أمريكا تايوان كورقة ضغط ضد الصين طيلة تلك العقود، لكن ربما تفقد هذه الورقة صلاحيتها فيما تبقى من عُهدة الرئيس ترامب حيث تلقى ترامب تحذيرًا صريحًا من قبل الرئيس الصيني، مفاده أن إساءة تعامل واشنطن مع قضية تايوان قد تدفع بلديهما إلى مواجهة مباشرة .
وكان من نتائج هذا التحذير الصيني، تحذير آخر من الرئيس ترامب عقب عودته لبلاده للمسؤولين في تايوان بالامتناع عن أي خطوة باتجاه إعلان الاستقلال، وهو تطور بالغ الأهمية ويخدم مصالح الصين ويعزز من موقفها.
وهكذا ربحت الصين الجولة، في أهم ملف من ملفات علاقاتها مع رصيفتها أمريكا، الأمر الذي يحفزها نحو اتخاذ خطوات أبعد أكثر جرأة بشأن تايوان قبيل نهاية عُهدة ترامب.
وبخصوص إيران والمضيق، فإن بكين قصدت أن تنظر إليها بمعزل عن إطار علاقتها مع واشنطن حتى لا تكون محلاً للمساومة أو المقايضة بأي من الملفات الأخرى. وتنتظر بكين ما ستفعله واشنطن مع إيران في الأيام القادمة سواء استئنافها للحرب، أو الانخراط في الجولة الثانية من مفاوضات إسلام أباد متوشحة بوشاح الصبر الاستراتيجي، فكلا الخيارين بالنسبة لها سيان.
مصدر الصورة: مجلة Time

شارك هذا الخبر