رصد - أثير
تبدو التحركات الدبلوماسية المتسارعة بين واشنطن وطهران وكأنها تدفع بالملف الإيراني إلى واحدة من أكثر لحظاته حساسية منذ أشهر؛ فإما أن تفتح الطريق نحو تفاهم أوسع يخفف التوتر ويؤسس لاتفاق جديد، أو تعيد المنطقة إلى مربع التصعيد العسكري إذا تعثرت المفاوضات عند عقدة الشروط المتبادلة وانعدام الثقة.
وخلال الساعات الماضية، برز الحديث عن “مذكرة تفاهم أولية” يجري العمل عليها عبر وساطة باكستانية وقطرية، وسط تسريبات تتحدث عن تفاهمات تتعلق بوقف الحرب وفتح مضيق هرمز والبرنامج النووي الإيراني والعقوبات الأمريكية.
ماذا حدث؟
كشف مسؤول إيراني لقناة الجزيرة اليوم السبت، عن التوصل إلى مذكرة تفاهم مع الوسيط الباكستاني، مشيرًا إلى أن طهران بانتظار الرد الأمريكي النهائي.
وبحسب المسؤول، كان من المفترض أن يعلن قائد الجيش الباكستاني عاصم منير تفاصيل المذكرة من طهران، قبل أن يغادر للتنسيق مع واشنطن.
وفي السياق ذاته، قال المتحدث باسم الخارجية الإيرانية إسماعيل بقائي إن إيران تعمل حاليًا على وضع “اللمسات الأخيرة” على مذكرة تفاهم عبر محادثات غير مباشرة بوساطة باكستانية.
ما الذي تتضمنه المذكرة؟
وفقًا للتسريبات المتداولة، فإن المذكرة المطروحة لا تقتصر على وقف التصعيد العسكري، بل تمتد إلى ملفات تعد الأكثر تعقيدًا بين الجانبين.
المسؤول الإيراني قال إن البنود تشمل إنهاء الحرب، ورفع الحصار، وإعادة فتح مضيق هرمز، إلى جانب مغادرة القوات الأمريكية لمنطقة الحرب.
أما الخارجية الإيرانية فأشارت إلى أن المذكرة تتضمن 14 بندًا، ستُناقش تفاصيلها خلال فترة تتراوح بين 30 و60 يومًا.
وفي موازاة ذلك، نقلت صحيفة “فايننشال تايمز” عن مصادر مطلعة أن الاتفاق المقترح يتضمن إعادة فتح مضيق هرمز تدريجيًا، ومناقشة ملف اليورانيوم عالي التخصيب، سواء عبر تخفيفه أو تسليم جزء من المخزون الإيراني.
وفي المقابل، ستتجه واشنطن -بحسب المصادر- إلى تخفيف القيود على الموانئ الإيرانية، وتخفيف بعض العقوبات، إضافة إلى الإفراج التدريجي عن أصول إيرانية مجمدة في الخارج.
هل اقترب الاتفاق فعلًا؟
منذ أمس، تتحدث أطراف عدة عن “تقدم مهم” في مسار التفاوض، غير أن هذا التفاؤل ما يزال مشوبًا بالحذر، خصوصًا مع تاريخ طويل من جولات انتهت سابقًا إلى الانهيار المفاجئ.
الجيش الباكستاني وصف نتائج مشاورات قائده في طهران بأنها “مشجعة”، مؤكدًا أن الاتصالات تركز حاليًا على تسريع الوصول إلى تفاهم نهائي.
كما نقلت “فايننشال تايمز” عن وسطاء في الملف الإيراني أن واشنطن وطهران تقتربان من اتفاق يقضي بتمديد وقف إطلاق النار لمدة 60 يومًا، بالتزامن مع وضع إطار تفاوضي جديد للبرنامج النووي الإيراني.
وأشارت الصحيفة إلى أن الوسطاء كانوا على تواصل مستمر مع المبعوث الأمريكي ستيف ويتكوف، بالتوازي مع اجتماعاتهم مع الوفد الإيراني الذي يقوده وزير الخارجية عباس عراقجي ورئيس البرلمان محمد باقر قاليباف.
وقال دبلوماسي مطلع للصحيفة إن “الاتفاق يسير في الاتجاه الصحيح”، لكنه ما يزال “قيد المراجعة الأمريكية”.
وأضاف أن إيران قد تكون مستعدة لتقديم تنازلات إضافية في الملف النووي، لكنها لن تقدم عليها في ظل استمرار الحرب.
في المقابل، نقلت وكالة “فارس” الإيرانية عن مصادر قولها إن بعض الخلافات حُلّت بالفعل، لكن الحديث عن اتفاق وشيك لا يزال مبكرًا بسبب “تناقض الموقف الأمريكي”.
تفاؤل حذر.. ورسائل متناقضة
المشهد الحالي يعكس بوضوح حالة التذبذب التي تحكم المفاوضات.
ففي الوقت الذي تحدث فيه المتحدث باسم الخارجية الإيرانية عن تقليص نقاط الخلاف، عاد ليؤكد أن الطرفين “قريبان جدًا وبعيدان جدًا” من الاتفاق بسبب التجارب السابقة مع واشنطن.
أما وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو، فأكد أن “بعض التقدم تحقق”، مشيرًا إلى احتمال صدور إعلان خلال اليومين المقبلين.
لكن هذه الأجواء الإيجابية لا تلغي استمرار لغة التهديد.
فالرئيس الأمريكي دونالد ترمب نشر خريطة لإيران ملوّنة بالعلم الأمريكي، مرفقة بعبارة: “الولايات المتحدة الشرق أوسطية؟”، في رسالة أثارت تفاعلًا واسعًا.
كما نقل موقع “أكسيوس” عنه قوله إنه “متردد بنسبة 50% بين الاتفاق أو القصف”.
وكشف ترمب عن اجتماع يعقده مع كبار مستشاريه لمناقشة المسودة الأخيرة للاتفاق، موضحًا أن القرار النهائي قد يُتخذ خلال وقت قريب.
وفي المقابل، أكد الجيش الإيراني استعداده للرد على أي هجوم، بينما حذّر رئيس البرلمان الإيراني محمد باقر قاليباف من أن أي عودة للحرب ستُقابل بـ”رد أشد قوة وتدميرًا”.
العقدة الأعمق: انعدام الثقة
ورغم الحديث عن تقدم، فإن الأزمة الأساسية تبدو أبعد من مجرد تفاصيل فنية أو بنود تفاوضية؛ إذ ما تزال أزمة الثقة هي العقبة الأكبر بين الطرفين.
إيران تستحضر باستمرار انسحاب واشنطن السابق من الاتفاق النووي، فيما تتمسك الولايات المتحدة بمنع طهران من امتلاك أي قدرة نووية عسكرية.
ولهذا، تبدو المفاوضات الحالية وكأنها تسير على خيط شديد الحساسية؛ فكل تقدم يقابله حذر، وكل إشارة إيجابية توازيها تهديدات مبطنة بالعودة إلى الحرب.
وبين هذا وذاك، تترقب المنطقة ما إذا كانت “مذكرة التفاهم” ستتحول فعلًا إلى اتفاق يخفف التوتر، أم أنها ستكون مجرد محطة جديدة في مسار طويل من التفاهمات المؤقتة والانهيارات المتكررة.
المصدر: الجزيرة





