أمام جلالة السلطان: إليك أبرز مضامين خطبة عيد الأضحى المبارك

أمام جلالة السلطان: إليك أبرز مضامين خطبة عيد الأضحى المبارك
صلاة عيد الأضحى
العمانية - أثير
أدى جلالةُ السُّلطان المُعظّم - حفظهُ اللهُ ورعاهُ- صلاة عيد الأضحى المُبارك لعام 1447هــ، في جامع السُّلطان قابوس بولاية صحار بمحافظة شمال الباطنة.
وقد أمَّ المُصلّين معالي الدّكتور وزيرُ الأوقاف والشّؤون الدينيّة الذي ألقى خُطبة العيد واستهلّها بالتّكبير والحمد لله على نِعمِه والصّلاة والسّلام على الرّسول صلّى الله عليه وسلّم.
وركّزت الخُطبةُ على مقاصد الدّين الحنيفة في بناء الإنسان الواعي وربط الإيمان بالعمل الصّالح لصناعة الحياة الطيّبة، مُؤكدةً على دلالات شعيرة الحجّ ومنافعها الشّاملة التي تُسهم في تعزيز المسؤوليّة، وحسن التّدبير، وتجديد الفكر، واستقرار الأوطان.
كما تناولت الخُطبةُ أهميّة استثمار التّنوع الإيجابي والتّكامل لإيجاد فرص النّهوض والازدهار، وتطرّقت إلى ما تنعمُ به سلطنة عُمان من حكمةٍ قياديّةٍ مُلهمة لجلالةِ السُّلطان المعظّم -أعزّهُ اللهُ-، وشعب واعٍ ومُؤسّسات مُتكاملة تصنع الإنجاز وتُرسّخ العمران والاستقرار.
وفيما يأتي نصُّ خُطبة عيد الأضحى المبارك:
“اللهُ أَكْبَرُ اللهُ أَكْبَرُ القائلُ: ﴿لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَّعْلُومَاتٍ﴾، اللهُ أَكْبَرُ، لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ واللهُ أَكْبَرُ، الحَمْدُ لِلّهِ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللهِ، عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ، وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ الكِرَامِ.
أُوصِيكُمْ بِاللهِ وَتَقْوَاهُ وَالتَّوَكُّلِ عَلَيْهِ: ﴿وَمَن يَتَّقِ اللهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجًا وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ، وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى الله فَهُوَ حَسْبُهُ﴾، أَمَّا بَعْدُ؛ فَيَا أيُّهَا المُؤْمِنُونَ: فِي كُلِّ يَوْمٍ أَقْدَارٌ تُنْسَجُ، وَمَصَائِرُ تُحَدَّدُ، وَصَفَحَاتٌ تُكْتَبُ بَيْنَ المقَادِيرِ وَالتَّحَوُّلَاتِ: ﴿صُنْعَ اللهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ﴾.
وَجَاءَ الوَحْيُ بالدِّينُ؛ لِيَصِلَ السَّمَاءَ بِالأَرضِ، وَيَجْعَلَ الإنسَانَ يَعيشُ الحَيَاةَ مُتَّصِلًا بِالمعْنَى، وَوَعيٌ يُحسِنُ قِرَاءةَ الأحداث، وَمَسلَكٌ يَرْبِطُ الإيمانَ بِالعَمَل، والقِيَمَ بالحَيَاةِ الطَّيِّبَة، فَالدِّينُ فِي جَوْهَرِهِ بِنَاءٌ لِلْإِنْسَانِ؛ حَتَّى يَسِيرَ فِي الأَرْضِ عَلَى صِرَاطِ الْحِكْمَةِ وَالْمَقْصِدِ: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾.
اللهُ أَكْبَرُ، لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ واللهُ أَكْبَرُ، أيُّهَا المُؤْمِنُونَ: الدِّينُ لَا يَعْزِلُ الْإِنْسَانَ عَنِ الْحَيَاةِ، وَلَا يُبْعِدُهُ عَنْ شُؤُونِهَا، وإنَّمَا يُعِيدُهُ إِلَيْهَا أَكْثَرَ وَعْيًا، وَأَعْمَقَ مَسْؤُولِيَّةً، وَأَصْدَقَ انْتِمَاءً للهِ، وَلِلْمُجْتَمَعِ، وَلِلْأَرْضِ الَّتِي اسْتَخْلَفَهُ اللهُ فِيهَا؛ يقول الحقُّ مثالا على ذلك: ﴿وَأَذِّن فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِن كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ، لِّيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللهِ فِي أَيَّامٍ مَّعْلُومَاتٍ﴾.
فِي الْحَجِّ؛ تَتَعَمَّقُ الْعِبَادَةُ، وتَتَجَلَّى الطَّاعَةُ الْوَاعِيَةُ الَّتِي تَصْنَعُ حُسْنَ التَّدْبِيرِ. والتَّدبيرُ حِينَ يَسْتَقِرُّ يُحَقِّقُ المنَافِعَ، وَيَحْفَظُ الْمَصَالِحَ، وَيَصُونُ الْمَقَاصِدَ. وقال: ﴿لِيَشْهَدُوا﴾ دِلاَلَةً عَلَى الحُضُورِ وَالمشَارَكَةِ وَالوَعْي، وَفِي الْحَجِّ يَسْعَى الْإِنْسَانُ بَيْنَ الشَّعَائِرِ، فَيَرْتَقِي وَعْيُهُ مِنْ ضِيقِ النَّظَرِ إِلَى رَحَابَةِ الْمَقْصِدِ، وَمِنَ التَّعَلُّقِ بِالظَّاهِرِ إِلَى إِدْرَاكِ الْمَعْنَى.
﴿لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ﴾ تَكْشِفُ حَيَوِيَّةَ الدِّينِ، وَاتِّسَاعَ مَقَاصِدِهِ، وَتَجَدُّدَ مَعَانِيهِ؛ فِي تَنَوُّعِ الْعِبَادَاتِ، وَثَرَاءِ الطَّاعَاتِ، وَتَعَدُّدِ مَقَامَاتِ الْقُرْبِ مِنَ الله، لِتَبْقَى الرُّوحُ مُتَّصِلَةً بِمَصْدَرِهَا، وَالنَّفْسُ فِي تَزَكٍّ وَوَعْيٍ وَارْتِقَاء. فَفِي كُلِّ عِبَادَةٍ ما يُنِيرُ الْبَصِيرَةَ، وَيُجَدِّدُ الْفِكْرَ، ويُلهمُ الْمَعْنَى؛ وَهَذِهِ بَعضُ مَنَافِعِ العِبَادِ في دِينِهِم.
﴿لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ﴾ تُجَلِّي انْتِظَامَ حَيَاةِ النَّاسِ عَلَى الكَسْبِ وَالعَمَلِ، وَأَنَّهُ مَسْؤُولِيَّةٌ مُتَجَدِّدَةٌ، وَسَعْيٌ لَا يَتَوَقَّفُ، وَعَمَلٌ مُسْتَمِرٌّ؛ فَالمنَافعُ عَوَالِمُ حَيَّةٌ تَتَفَاعَلُ فِيهَا حَاجَاتُ الْمُجْتَمَعِ وَالدَّوْلَةِ، وَتَتَنَوَّعُ فِيهَا الْأَوْلَوِيَّاتُ، وَتَتَعَاقَبُ عَليهَا الْفُرَصُ وَالتَّحَدِّيَاتُ.
آيةٌ تَكْشِفُ أهميَّةَ البَصِيرَةِ وَالتَّوَازُنِ وَالْحِكْمَةِ؛ وكيف نَصُوغُ مِنْ تَفَاصِيلِ الْأَيَّامِ شُهُودَ نَهْضَةٍ، وَنبعَثُ مِنْ تَحَوُّلَاتِ الزَّمَنِ مَنَافِعَ للوَطَن.
بَدَأَ النِّدَاءُ ﴿وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ﴾ فَاجْتَمَعُوا عَلَى اخْتِلَافِ أَوْطَانِهِمْ وَأَلْسِنَتِهِمْ وَمَشَارِبِهِمْ، فِي نِظَامٍ وَغَايَةٍ وَنُسُكٍ: ﴿لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ﴾؛ فَيُجَلِّي هَذَا الأَذَانُ فِي الحجِّ أَنَّ التَّنَوُّعَ لَيْسَ خَطَرًا فِي ذَاتِهِ، إِذَا أُحْسِنَتْ إِدَارَتُهُ بِالْوَعْيِ، وَضَبَطَتْهُ الْمَصَالِحُ الْعُلْيَا؛ فَالتَّنَوُّعُ قُوَّةٌ تَصْنَعُ التَّكَامُلَ، وَطَاقَةٌ تَدْفَعُ نَحْوَ الإِبْدَاعِ والنهضة، وَاسْتِقْرَارُ الأَوْطَانِ مِنْ أَعْظَمِ الْمَنَافِعِ الَّتِي تَحْفَظُ الدِّينَ وَالإِنْسَانَ وَالْحَيَاةَ.
الْمَنَافِعُ بَيْنَ النَّاسِ تُبنَى بالْوَعْيِ، وَاحْتِرَامِ النِّظَامِ، وَالتَّعَاوُنِ، وَحِفْظِ السِّلْمِ الْمُجْتَمَعِيِّ، وَالِانْتِمَاءِ الْمُشْتَرَكِ، والتّفاهم، وتَوْجيهِ الطَّاقَاتِ الْمُتَنَوِّعَةِ إِلَى إِرَادَةٍ جَامِعَةٍ تَخْدِمُ الْإِنْسَانَ وَالْأَرْضَ: ﴿وَلَوْلَا دَفْعُ اللهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الْأَرْضُ وَلَكِنَّ اللهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْعَالَمِينَ﴾.
وَلِلَّهِ الْحَمْدُ وَالْفَضْلُ أَنْ حَبَانَا فِي عُمَانَ بِقَائِدٍ اجْتَمَعَتْ فِيهِ الْحِكْمَةُ الْجَامِعَةُ، وَالْقُدْرَةُ الْمُلْهِمَةُ، وَبِشَعْبٍ يَسْعَى بِوَعْيٍ وَمَسْؤُولِيَّةٍ، وَمُؤَسَّسَاتٍ تُـحكِمُ صِنَاعَةَ الْإِنْجَازِ؛ فَتَتَكَامَلُ قُوَى الْوَطَنِ، وَتَتَوَلَّدُ الْمَنَافِعُ، ويتَرَسَّخُ الِاسْتِقْرَارُ وَالْعُمْرَانُ، فَيَصْدُقُ فِيهِ دُعَاءُ إِبْرَاهِيمَ عَلَيْهِ السَّلَام (رَبِّ اجْعَلْ هَذَا بَلَدًا آمِنًا وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَرَاتِ).
كما يلبّي الحجّ أذان القِبلة، يلبّي الوطن، أذان عُمان برسوخ الحكم، وعمق الإرث، واتزان الرؤية، فتبقى عُمان وطنًا، تتجلّى فيه هيبةُ الدّولة ومجد الحضارة ورفعة الإنسان يحفظها السُّلطان بالعدل، ويبنيها الأوفياء بصدق العمل، ويعلي شأنها الجميع بثبات الولاء.
اللهُ أَكْبَرُ اللهُ أَكْبَرُ، لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ واللهُ أَكْبَرُ، ﴿إنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾. اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ وَآلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلِّمْ تَسْلِيمًا كَثِيرًا. اللَّهُمَّ اجْعَلْ أَيَّامَنَا تحيى بالإيمَانِ، وَشُؤُونَنَا جَارِيَةً عَلَى الْحِكْمَةِ وَالِاتِّزَانِ، وَافْتَحْ لَنَا مِنْ نُورِ الْبَصِيرَةِ مَا نَهْتَدِي بِهِ فِي تَدْبِيرِ الْقَوْلِ وَالْعَمَلِ.
اللَّهُمَّ احْفَظْ بَلَدَنَا عُمانَ، وَأَدِمْ عَلَيْهَا الْأَمْنَ وَالسَّكِينَةَ، ووَاحَةَ خَيْرٍ وَبَرَكَةٍ وَاطْمِئْنَانٍ، اللَّهُمَّ أَيِّدْ سُلْطَانَنَا هَيثَمَ بنَ طَارِق بِمَدَدِ حِكْمَتِكَ، وَنُورِ عِرْفَانِكَ، وَلُطْفِ أَنْوَارِكَ، اللَّهُمَّ أَدِمْ عَلَى يَدَيْهِ ثَبَاتَ الْقِيَادَةِ، وَرُسُوخَ الْحِكْمَةِ، وَقُوَّةَ الْعَدْلِ، وَأَجْرِ الْخَيْرَ عَلَى قَلْبِهِ وَلِسَانِهِ، وَأَدِمْ بِهِ عَلَى عُمانَ وَحْدَةَ الْقُلُوبِ، وَرِفْعَةَ الشَّأْنِ بَيْنَ الْأُمَمِ.
اللَّهُمَّ يَا وَاسِعَ الرَّحْمَةِ، كُنْ لِعِبَادِكَ الْمُسْتَضْعَفِينَ فِي فِلَسْطِينَ سَنَدًا مِنْ عِنْدِكَ، وَمَدَدًا مِنْ رَحْمَتِكَ، اللَّهُمَّ يَا جَلِيلَ الْإِحْسَانِ، ارْحَمْ مَنْ انْتَقَلُوا إِلَى جِوَارِكَ رَحْمَةً تَغْمُرُ أَرْوَاحَهُمْ مِنْ رِضْوَانِكَ، وَأَكْرِمْ مَنْ بَقِيَ مِنْ عِبَادِكَ بِعَفْوٍ مِنْكَ وَإِحْسَانِكَ، وَاجْعَلْنَا جَمِيعًا فِي ظِلَالِ رَحْمَتِكَ الَّتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ: ﴿وَقُل رَّبِّ اغْفِرْ وَارْحَمْ وَأَنْتَ خَيْرُ الرَّاحِمِينَ﴾.
وعقب أداء الصّلاة، استقبل جلالةُ السُّلطان المعظّم -أيّدهُ اللهُ- المُهنّئين بهذه المُناسبة المُباركة، وقد بادلهم جلالتُه التّهاني مقرونةً بأطيب التّمنّيات بِعِيدٍ سعيدٍ عامرٍ بالخيرات والبركات، مُعربًا عن خالص شكره وتقديره لما أبدوْهُ من مشاعر صادقة ودعوات طيّبةٍ.
ولدى خُروج جلالةِ عاهل البلاد المُفدّى من الجامع أطلقت المدفعيّةُ إحدى وعشرين طلقةً تحيّةً لمقام جلالتِه -أعزّهُ الله-.

شارك هذا الخبر