أثير- د. مجدي العفيفي
لماذا يلجأ الحكام الباحثون عن الزعامة إلى الميديا الآن ؟
بل هو سؤال مفصلي في فهم التحوّل الكارثي في بنية الزعامة الحديثة.
الجواب لا يختصر في الإعلام كوسيلة، بل في الميديا كبديل عن الحقيقة.
لأن الميديا اليوم أصبحت العصا السحرية لصناعة المجد الزائف.
هي المسرح الذي يعوّض العجز في الميدان، والمنبر الذي يرفع الفارغين فوق الرؤوس، والستار الذي يُخفي خلفه خواء السلطة من أي محتوى أخلاقي أو فكري.
الحاكم الذي لا يملك مشروعًا، يبحث عن “صوتٍ” يُغطي به الصمت.
الذي لا يستطيع أن يُنجز على الأرض، يُنجز على الشاشة.
الذي فشل في الحكم، ينجح في الإخراج.
لقد تحوّلت الميديا من سلطةٍ تراقب الحاكم إلى أداةٍ يُدير بها الحاكمُ الجماهيرَ، من مرآةٍ تكشف، إلى ستارةٍ تحجب.
وأصبح الحاكم الذي لا يمتلك آلة إعلامية ضخمة، كالجندي في ساحة قتال بلا سلاح، فالمعركة الآن ليست في البرلمانات ولا في الشوارع، بل في العقول، عبر الشاشة.
لكن لماذا تحديدًا يلجأ الحاكم الباحث عن الزعامة - لا الزعيم الحقيقي - إلى الميديا؟
أولًا: لأنه لا يملك “الكاريزما الطبيعية” التي تجعل الناس تتبعه بوعيٍ وإيمان، فيعوّضها بـ“الكاريزما المصنوعة” عبر الكاميرا، حيث يُعاد بناء صورته بزاويةٍ تُظهر القوة، وصوتٍ يُصاغ ليبدو ثابتًا، وخطابٍ مكتوبٍ بعنايةٍ يختبئ خلفه الفراغ.
ثانيًا: لأن الميديا تمنحه الإحساس بالخلود
في كل بثٍّ مباشر، وفي كل ظهورٍ متكرّر، يُقنع نفسه أنه حاضرٌ في الوعي الجمعي.
إنها وهم البقاء. الحاكم الحقيقي يُخلِّدُه التاريخ، أما الباحث عن الزعامة فيُخَلِّده البثّ المباشر.
ثالثًا: لأن الميديا أسهل طريق لتخدير الجماهير.
فبدل أن يبني مستشفى، يُطلق حملة.
بدل أن يُصلح التعليم، يُنتج فيلمًا وثائقيًا عن “النهضة”
بدل أن يُنقذ وطنًا، يُصدر وعودًا ملوّنة بتقنية 4K أي وهم الإنجاز: التركيز على المظاهر والخطابات الإعلامية عالية الجودة لإلهاء الشعوب عن تدهور الأوضاع الفعلية على الأرض.
الميديا لا تُحاسب، الميديا تُجمّل.
وفي زمن الصورة، يكفي أن تبدو نزيهًا... لا أن تكون كذلك.
رابعًا: لأن الميديا تمنحه جيشًا من “المصفّقين الإلكترونيين”، يُعيدون بثّ كلامه حتى يصبح “حقيقة” بالتكرار، لا بالمنطق.
الآلة الإعلامية تُعيد صياغة الواقع بحيث يصير الكذب رواية، ويصبح الفشل “إنجازًا غير مسبوق”، ويُقدَّم الخراب على أنه “إعادة بناء”.
خامسًا: لأن الحاكم الباحث عن الزعامة لا يؤمن بالشعب، بل يخاف منه.
والميديا هي وسيلته لترويضه دون عنف، لغسل وعيه دون دم.
يُحدّثه عبر الشاشة بدل أن يواجهه في الميدان،
ويمنحه صورةً مثالية عن واقعٍ بائس، فيطمئن الضمير، ويخمد الغضب.
وهنا تكمن المأساة الكبرى:
أن الإعلام الذي كان يفترض أن يكون صوت الناس ضد السلطة،
صار صوت السلطة داخل عقول الناس.
لقد تحوّل الزعيم في زمن الصورة إلى “ممثل دولة”،
يعرف جيدًا زاويته أمام الكاميرا،
يبتسم حين يُقال له “ابتسم”،
يغضب حين يأمره المخرج،
ويبدو وطنيًا حين يعلو النشيد في الخلفية.
وهكذا صار الحكم “عرضًا مسرحيًا”، لا “مهمة تاريخية”
صار الوزير “مُقدِّم برامج”، والرئيس “نجمًا”،
والشعب “جمهورًا في استوديو” يُصفّق متى أُضيئت الإشارة الحمراء.
لكن الحقيقة أن الزعامة الحقيقية لا تُصنع بالميديا، بل تُفتضح بها.
فالإعلام يمكنه أن يلمّع الزجاج، لكنه لا يصنع الماس.
ويمكنه أن يرفع الصوت، لكنه لا يخلق المعنى.
أما الحاكم الذي يظن أن الكاميرا تحفظ مجده، فهو كمن يكتب تاريخه على الماء.
في الزمن الرديء، لم تعد الزعامة فكرةً، بل مشهدًا.
ولم يعد الحاكم قائدًا، بل ممثلًا يؤدي دوره أمام كاميرات العالم، محاطًا بفريق إنتاج، ومخرجين، ومستشارين في الصورة والإضاءة أكثر مما في السياسة والفكر.
صار الحكم عرضًا تلفزيونيًا ضخمًا، يتنافس فيه “النجوم” على المشاهدات، ويُقاس فيه المجد بعدد المتابعين، ويُختزل الوطن في “مشهدٍ محبوكٍ جيدًا” يُبهر الجماهير لحظةً… ثم يذوب كالسراب.
ولأننا في عصر “الميديا أولًا”، فقد تحوّل القصر الرئاسي إلى استوديو،
والخطب إلى “نشرات ترويجية”،
والقرارات إلى “إعلانات مدفوعة الثمن”
أما الحاكم نفسه، فقد صار - بملء إرادته - ممثلًا يعيش في الدور أكثر مما يحكم الواقع.
ولانتزاع أقنعة الباحثين عن زعامات رخيصة.. بقية مؤلمة!!!!





