الجدل يستمر حول العملات الرقمية؛ فهل ستكون هي “المستقبل”؟

الجدل يستمر حول العملات الرقمية؛ فهل ستكون هي “المستقبل”؟
الجدل يستمر حول العملات الرقمية؛ فهل ستكون هي “المستقبل”؟
أثير- ناصر الحارثي
شهدت العملات الرقمية جدلًا واسعًا بين المهتمين بالاستثمار والأسواق المالية منذ الصعود السريع لعملة البيتكوين، والغموض الذي أحاط بشخصية مؤسسها المعروف باسم “ساتوشي ناكاموتو”، وكانت الأخبار في البداية تركز على الارتفاع الصاروخي لقيمة البيتكوين، وتأثير تقنيات البلوك تشين في أسواق المال مستقبلًا، وكان الانقسام آنذاك واضحًا وبسيطًا بين من يراها عملة المستقبل وبديلًا للدولار، ومن يرفضها ويعد الاستثمار فيها شراءً للوهم ودخولًا في فقاعة لا قيمة حقيقية لها.
أما اليوم فقد اتسعت دائرة العملات الرقمية، ودخلت إليها نماذج مختلفة من العملات والأصول، وعلى إثر ذلك تنوعت درجات قبول المستثمرين والمؤسسات المالية والدول لهذه العملات أو رفضها، بناءً على نوعها ودرجة المخاطرة المرتبطة بها، ولذلك سأعرض في البداية، تبسيطًا لمفهوم العملات الرقمية، وأنواعها المختلفة ودرجة المخاطرة في كل نوع:
  • العملات الرقمية المشفرة: مثل البيتكوين والإيثيريوم وغيرها، وهي أصول رقمية تعتمد على تقنية البلوك تشين العامة، ولا توجد جهة مركزية تتولى إصدارها، وتعتمد قيمتها على الندرة والطلب، فيما ترتفع درجة المخاطرة المرتبطة بها.
  • العملات المستقرة: مثل USDT وUSDC، وهي من أكثر العملات رواجًا في الوقت الحالي، وتقوم فكرتها على أن تلتزم الشركة المصدرة، مثل Tether أو Circle، بالاحتفاظ بدولار أو بما يعادله ضمن احتياطياتها مقابل كل وحدة يتم إصدارها، وتكمن المخاطرة هنا في مدى الثقة بالشركات المصدرة، ونوعية احتياطياتها، وقدرتها على الوفاء بالتزامات الاسترداد.
  • العملات الرقمية للبنوك المركزية: وهي في الغالب امتداد رقمي للعملة الوطنية لتلك البنوك، وتصدرها بهدف تحسين كفاءة المدفوعات وتسويتها.
  • الأصول والرموز الرقمية الأخرى: من أشهرها رموز الخدمات «Utility Tokens»، وهي أشبه بشراء نقاط أو مكافآت رقمية تتيح الاستفادة من بعض خدمات البلوك تشين، إضافة إلى الرموز غير القابلة للاستبدال «NFTs»، التي تمثل وثيقة ملكية رقمية مشفرة لأصول مثل اللوحات والألعاب الرقمية، وترتفع في هذا النوع درجة المخاطرة والمضاربة، وهي من أقل العملات قبولا دوليا.
وبناءً على التنوع الذي شهدته العملات الرقمية خلال العقد الأخير، تباينت الآراء وتعددت درجات القبول والرفض تجاهها. كما أوجد هذا التطور نقاط مشتركة يتفق عليها عدد كبير من الاقتصاديين والمستثمرين والمؤسسات المالية والبنوك المركزية، ترتكز معظمها في إبداع التقنية المبتكرة للبيتكوين وإمكانية توظيف جزء منها في تقليل تكلفة تداول العملات، ويمكن تقسيم مواقف التأييد والرفض تجاه العملات الرقمية إلى عدة مستويات.
هناك شريحة واسعة من المؤيدين للعملات الرقمية، لكن درجة تأييدهم تختلف بناءً على نوع العملة والتقنية المستخدمة، فهناك المدافعون عن النقود غير السيادية، الذين يرون أن النظام النقدي التقليدي يمنح الحكومات والبنوك المركزية قدرة واسعة على زيادة المعروض النقدي، وتقييد التحويلات، وتجميد الأرصدة، خصوصًا في الدول التي تعاني من ارتفاع التضخم وعدم استقرار العملة، ومن أبرز الأمثلة على ذلك زيادة اللجوء إلى العملات الرقمية المستقرة في البرازيل.
وهناك أيضًا عدد من المستثمرين الذين يبحثون عن أصل نادر قريب من فكرة “الذهب الرقمي”، إلى جانب منصات التداول ومديري الصناديق الاستثمارية التي تدير أصولًا رقمية وترى في انتشار هذه العملات موردًا جديدًا للدخل. أما شركات التقنية في القطاع المالي، فترى في العملات الرقمية وسيلة لتقليل تكلفة التسويات المالية، في حين تخشى بعض الحكومات أن تفوتها فرصة التحول إلى مركز دولي للأصول والعملات الرقمية؛ لذا سعت إلى إصدار إطار عام أو تنظيم للعملات الرقمية.
أما الشريحة المعارضة للعملات الرقمية فلا تقل أهمية، وتأتي في مقدمتها البنوك المركزية، التي ترى في انتشار هذه العملات تهديدًا محتملًا للسيادة النقدية. كما أنها لا تضمن استقرار النظام المالي في حالة الأزمات، أضف إليها هيئات الأوراق المالية التي يكمن تحفظها في غياب أطر رقابية وحوكمة كافية عند تعرض الجهات المصدرة أو منصات تداول العملات المشفرة والمستقرة للإفلاس أو الاختراق، إضافة إلى أن اللوائح والأنظمة الحالية ما تزال غير كافية في عدد من الدول.
وتتحفظ كذلك سلطات مكافحة غسل الأموال؛ لأن بعض خصائص العملات الجديدة تحدّ من قدرة الجهات الرقابية على تتبع المعاملات والأطراف المستفيدة منها. أما المستثمرون التقليديون، ومن أبرزهم وارن بافيت، فيرون أن العملات المشفرة مثل البيتكوين أصول غير منتجة، ولا تستند إلى قيمة جوهرية واضحة.
لذا؛ يوجد طيف واسع من الآراء حول العملات الرقمية، فهو يتراوح بين مؤيد للاعتماد الواسع واللامركزية، ومن أبرز أمثلته التاريخية تجربة السلفادور عندما اعتمدت البيتكوين كعملة قانونية في البلاد، ومؤيد لها بصفتها استثمارًا عالي المخاطر يمكن إدخاله ضمن المحافظ الاستثمارية، ومؤيد لها باعتبارها تقنية مستقبلية، كما هو الحال لدى عدد من شركات التقنية المالية.
وهناك أيضًا من يؤيد العملات الرقمية بشرط إخضاعها للتنظيم، مع اختلاف درجات التنظيم بين الدول، من أطر محدودة مثل الولايات المتحدة الأمريكية إلى تنظيم أكثر شمولًا مثل الاتحاد الأوروبي، وفي المقابل، توجد جهات متحفظة بسبب المخاطر، مثل صندوق النقد الدولي، وأخرى معارضة لأسباب نقدية وسيادية، مثل عدد من البنوك المركزية، كما توجد دول تحظر العملات المشفرة وتجرّم تداولها، ومن أبرزها الصين، في إطار سعيها إلى ضبط السياسة النقدية وحركة الأموال داخل البلاد.

شارك هذا الخبر