سلطنة عُمان في الفضاء الرقمي: المكانة الراسخة وتحولات الإدراك

سلطنة عُمان في الفضاء الرقمي: المكانة الراسخة وتحولات الإدراك
سلطنة عُمان في الفضاء الرقمي: المكانة الراسخة وتحولات الإدراك
أثير- د. زاهر بن بدر الغسيني، أكاديمي – مُتخصص في التفاعل الثقافي والعالم الإسلامي
تجاوز الفضاء الرقمي وظيفته بوصفه وسيطًا تقنيًا للتواصل، ليغدو بنيةً فاعلة في إنتاج المعنى وإعادة تشكيل الإدراك، تتقاطع داخلها الأبعاد الإعلامية والسياسية والرمزية في صياغة صورة الدول وتمثلاتها داخل الوعي الدولي. وفي ظل هذا التحول البنيوي، أصبحت المكانة الدولية خاضعة لعمليات مستمرة من إعادة التفسير والتداول والتأويل داخل فضاءات رقمية سريعة التأثير. وفي هذا السياق، يكتسب الخطاب الرقمي موقعًا محوريًا بوصفه أهم أدوات إنتاج الدلالة السياسية وإعادة تشكيل تمثلات الفاعلين الدوليين، بما يجعله عنصرًا فاعلًا في بناء الإدراك العام للدول داخل منظومة العلاقات الدولية. وتبرز سلطنة عُمان في هذا الإطار بوصفها أنموذجًا لمكانة دولية راسخة تستند إلى تراكم دبلوماسي متوازن يرتكز على الحياد الإيجابي وإدارة التوازنات في بيئة إقليمية ودولية معقدة، ممَّا يمنح حضورها درجة عالية من الاستقرار الرمزي، دون أن يعزلها عن ديناميات إعادة التفسير التي يفرضها الفضاء الرقمي على صور الدول وتمثلاتها، ففي ظل التحولات المتسارعة التي يشهدها الفضاء الرقمي، وما أفرزته من انفلات معلوماتي، برزت مسؤولية الخطاب الرقمي بوصفها ركيزة أساسية لإعادة ضبط العلاقة بين حرية التعبير والالتزام بالمصلحة العامة، إذ لم يعد المشهد الاتصالي المعاصر يرتكز على احتكار المؤسسات الرسمية لعملية بناء السمعة الوطنية، وإنما بات الأفراد أنفسهم فاعلين مؤثرين في تشكيل التصورات العامة وإعادة إنتاج الدلالات المرتبطة بالدولة عبر منصات التواصل والفضاءات الرقمية المفتوحة.
وانطلاقًا من هذا الإدراك، تأتي المادة (26) من القانون الجديد لمكافحة جرائم تقنية المعلومات في عُمان بوصفها تجسيدًا لتوجه تشريعي يستوعب التحول في طبيعة الفاعلين وآليات التأثير داخل البيئة الرقمية، إذ لا تقتصر غايتها على تجريم سلوكيات مُعيَّنة، بل تمتد إلى إرساء إطار قانوني يوازن بين ضمان حرية التعبير من جهة، وحماية المصالح الوطنية والاعتبارات المرتبطة بالمكانة الدولية للدولة من جهة أخرى، ذلك أن الحاجة إلى تنظيم الخطاب الرقمي لم تنبثق من الاعتبارات القانونية المجردة، وإنما من طبيعة البيئة التداولية الرقمية ذاتها وما تتيحه من إمكانات واسعة لإنتاج المعاني، وإعادة تشكيل التصورات العامة حول الدول، إذ يتخذ التفاعل داخل هذا الفضاء طابعًا مركبًا متعدد الأبعاد؛ حيث يُمثل من جهة فضاءً للحوار والتقارب وتبادل الخبرات الثقافية، وبالمقابل؛ قد ينزلق إلى بيئة قابلة لإعادة إنتاج المعلومات المضللة والخطابات غير الموثوقة، بما يُسهم في إعادة تشكيل تموضع عُمان في الوعي الخارجي بصورة لا تعكس معطيات الواقع الفعلي. ويكتسب هذا التحول دلالته الأعمق حين يُنظر إليه في سياق ما راكمته سلطنة عُمان من رأسمال سياسي ودبلوماسي يتأسس على القدرة على إدارة التوازنات وصياغة مسارات الوساطة وبناء الثقة في العلاقات الدولية، ممَّا يجعل تموضعها في الفضاء الرقمي قابلاً للتأثر بأنماط من التداول الإعلامي غير الخاضع لآليات التحقق الصارم، وهو ما يظهر في تداول الأخبار غير الدقيقة وتسارع التأويلات وتباينها، ويُفهم ذلك في ضوء ما تُمثله سلطنة عُمان من حضور متزن وفاعل في محيطها الإقليمي والدولي، بما يعزز قابليتها للاهتمام الإعلامي، ويضاعف كثافة القراءات التأويلية المُوجَّهة إليها، في سياق ما تتمتع به من ثقل سياسي ودبلوماسي متراكم داخل معادلات العلاقات الدولية. وقد برزت أهمية هذا الحضور بصورة أوضح في الأحداث الإقليمية والدولية الأخيرة، إذ استمرَّت عُمان في أداء أدوارها القائمة على التوازن والوساطة، مع الحفاظ على مسافة متزنة من الاستقطابات الحادة، الأمر الذي عزَّز مكانتها بوصفها فاعلًا يُعوَّل عليه في إدارة قنوات التواصل والحوار في بيئات سياسية شديدة التعقيد. وينعكس هذا الثقل السياسي في ارتفاع منسوب التلقي وحِدَّّة التفسير وتعدد زوايا التأويل، فضلًا عن حساسية ملحوظة تجاه أي محتوى يمسُّ تموضعها أو حضورها، ضمن دينامية مُركَّبة من إعادة إنتاج الخطاب داخل الحيز التداولي الرقمي.
ولا يقتصر ما سبق ذكره على كونه تصورًا نظريًا لطبيعة التفاعل داخل الفضاء الرقمي، بل يجد تجلياته العملية في عدد من الوقائع التي تكشف عن الكيفية التي يمكن بها للمحتوى المتداول أن يعيد تشكيل إدراك الأحداث والصورة الذهنية للدول. وفي هذا الإطار، يمكن قراءة بعض التفاعلات الرقمية التي صاحبت الحديث عن استهداف ميناء الفحل مؤخرًا، فرغم تأكيد وكالة الأنباء العُمانية أن العمليات في الميناء كانت تسير بشكل طبيعي، إلا أن هذه الحادثة أظهرت كيف يمكن لمحتوى متداول خارج سياقه أن يتحول سريعًا إلى موجة من التفاعلات والتأويلات تُعيد إنتاج الحدث ضمن تمثلات مغايرة لواقعه الفعلي، وفي سياق يتسم بهشاشة التحقق وسرعة انتشار المحتوى. إن هذه الحالة تكشف بوضوح عن أحد أبرز تحديات الفضاء الرقمي المعاصر، والمتمثل في اختلال العلاقة بين صحة المعلومة وسرعة تداولها، إذ لم تعد القيمة المعرفية مرتبطة بمدى التحقق بقدر ما ترتبط بسرعة الانتشار وقوة التأثير، وهو ما يفضي إلى بيئة خصبة لتشكل تصورات ذهنية قد لا تتطابق مع الواقع، لكنها مع ذلك تُسهم في تشكيل الرأي العام وإعادة إنتاج تصور المكانة الدولية لسلطنة عُمان، عبر ديناميات متداخلة من التشويش المعرفي وإعادة إنتاج المعنى داخل الفضاء التداولي الرقمي.
وتزداد خطورة هذا الواقع حين ينخرط بعضهم في سجالات حوارية مع حسابات مجهولة أو غير موثوقة، يتعذر التحقق من هُويات القائمين عليها أو دوافعها، فيتحول التفاعل في هذه الحالة من ممارسة لتبادل الرأي إلى فضاء مفتوح للتأثير غير المتوازن، والسعي نحو توجيه النقاش العام إلى مسارات مضللة أو استقطابية، بما يفرض إعادة التفكير في مسؤولية المستخدم الرقمي بوصفها عنصرًا أساسًا في ضبط جودة التفاعل داخل الفضاء التداولي، والحد من مظاهر التشويش المعلوماتي. ولا يظل هذا الطرح حبيس المستوى التجريدي النظري، بل يجد تجلياته العملية في أنماط متعددة من التفاعلات الرقمية التي تشهدها المنصات الاجتماعية في الآونة الأخيرة، حيث تنشط حسابات غير موثقة ومعرفات مجهولة في إعادة تدوير أخبار وادعاءات غير دقيقة، سواء عبر التعليق على أحداث إقليمية أم تداول مقاطع مجتزأة خارج سياقها التداولي، ويؤدي ذلك إلى إنتاج سرديات موازية تتباين مع الروايات الرسمية والمصادر الموثوقة، بما يفضي إلى إعادة تشكيل المجال النقاشي العام على نحو يتجاوز معطيات الواقع الفعلي.
وفي ضوء ما سبق، يتَّضح أن إشكالية التفاعل غير المنضبط داخل الفضاء الرقمي لا تقف عند حدود تشويه المعلومات أو إعادة إنتاج سرديات غير دقيقة فحسب، بل تمتد لتلامس بُعدًا أكثر تعقيدًا يتعلق بكيفية تشكّل إدراك سلطنة عُمان في الفضاء الرقمي، وما يترتب عليه من إعادة قراءة لمكانتها وتموضعها في الوعي الدولي، بصورة قد لا تعكس واقعها المؤسسي أو مسارها التنموي القائم على التوازن والاستمرارية، وتبرز أهمية الانتقال من مقاربة المسؤولية الفردية إلى مقاربة أكثر شمولًا تتصل بالحضور المؤسسي والقانوني في إدارة الفضاء الرقمي، بما يضمن صون المجال العام من الانزلاق نحو إنتاج صور ذهنية مضطربة أو غير دقيقة عن عُمان. وهنا، يمكن فهم المادة (26) من قانون مكافحة جرائم تقنية المعلومات في عُمان بوصفها امتدادًا لمنظومة حماية الرأسمال الرمزي للدولة، بما يشمله من موثوقية وسمعة دولية، وهو رصيد راكمته السلطنة عبر نهضتها الحديثة، ليس فقط عبر بناء مؤسساتها وتطوير بنيتها التنموية، بل أيضًا من خلال حضورها الدبلوماسي المتوازن القائم على إدارة التوازنات وصياغة مسارات الوساطة في بيئة إقليمية ودولية شديدة التعقيد، ويُمثل هذا الحضور أحد المرتكزات الأساسية في ثبات المكانة الراسخة لعُمان، غير أن هذا الثبات يظل منفتحًا على تحولات الإدراك التي يفرضها الفضاء الرقمي، إذ تتداخل السرعة مع كثافة التأويل وتعدد القراءات، بما يتيح إعادة تشكيل بعض الصور والسرديات المتداولة حول الدولة، بعيدًا عن سياقها الفعلي أو دلالاتها الدقيقة. ومن ثَمَّ، فإن مقاربة حضور سلطنة عُمان في الفضاء الرقمي تقتضي استيعاب التفاعل المستمر بين رسوخ مكانتها الدولية وتحولات الإدراك التي تفرضها البيئة الرقمية، بما تنطوي عليه من إعادة إنتاجٍ للسرديات وتعددٍ في زوايا التلقي، وتتحمَّل المسؤولية الوطنية في هذا السياق دورًا محوريًا في ضبط التفاعل داخل الفضاء الرقمي، بما يحدُّ من تشكُّل السرديات غير الدقيقة أو المجتزأة، ويحافظ على اتساق الإدراك العام مع الواقع المؤسسي للدولة وتموضعها الدولي، في ظل بيئة رقمية تتسم بارتفاع قابلية التأويل.

شارك هذا الخبر