خاص- أثير
بلغ عدد المتقدمين لامتحانات دبلوم التعليم العام في العام الدراسي 2025/2026 أكثر من 65 ألف طالب، وهو أعلى عدد يُسجل خلال السنوات الثماني الماضية، وهذه الأرقام مرشحة للصعود، إذ تكشف بيانات اطلعت عليها “أثير” أن عدد طلبة الصف 12 سيصل إلى 80 ألف طالب خلال ست سنوات.
وفي المقابل، ارتفعت أعداد المقاعد التي يطرحها مركز القبول الموحد، إلا أن السؤال الذي يبرز مع كل عام دراسي يبقى حاضرًا: هل تنمو فرص التعليم العالي بالوتيرة نفسها التي تنمو بها أعداد خريجي الصف الثاني عشر؟ وما الخيارات الأخرى لاستيعاب هؤلاء الشباب؟
تفتح “أثير” هذا الملف عبر تتبع تطور أعداد طلبة الصف الثاني عشر، ومراحل القبول الموحد، والفجوة بين أعداد الخريجين والمقبولين، وصولًا إلى استشراف ما قد تواجهه منظومة التعليم العالي خلال السنوات المقبلة، إذ أن اختزال القضية في عدد المقاعد قد يحجب سؤالًا أكثر أهمية: ما طبيعة منظومة التعليم التي نريدها بعد المرحلة المدرسية؟ وهل نوجّه جميع الخريجين إلى المسار نفسه؟
أعلى عدد خلال 8 سنوات
تكشف البيانات التي تتبعتها “أثير” أن العام الدراسي 2025/2026 سجّل أعلى عدد للمتقدمين لامتحانات دبلوم التعليم العام، إذ تجاوز العدد 65 ألف طالب، بعد أن كان 49 ألف طالب قبل ثماني سنوات، بزيادة تقارب 15 ألف طالب، ونسبة نمو بلغت نحو 32%.
وتعتمد هذه الأرقام على البيانات المنشورة سنويًا في الأخبار الرسمية لوزارة التعليم ووسائل الإعلام، الخاصة بأعداد المتقدمين لامتحانات دبلوم التعليم العام.
وقبل بدء التسجيل في نظام القبول الموحد، تخرج من هذه الأعداد فئات مختلفة، من بينها الطلبة غير الناجحين، والطلبة الذين لا تؤهلهم نتائجهم للتسجيل، إضافة إلى الطلبة غير العُمانيين الذين يقدّر عددهم بنحو خمسة آلاف طالب سنويًا.

مصدر البيانات: الأخبار الصحفية المنشورة عن أعداد المتقدمين لامتحانات دبلوم التعليم العام في وسائل الإعلام والموقع الإلكتروني لوزارة التعليم “وزارة التربية والتعليم” آنذاك.
هل يستوعب القبول الموحد الزيادة؟
شهد العام الأكاديمي 2026/2027 طرح أكثر من 34 ألف مقعد عبر مركز القبول الموحد، وهو أعلى عدد من المقاعد المعلنة خلال السنوات الثماني الماضية، إلا أن أعداد الطلبة تمر بعدة مراحل قبل الوصول إلى القبول النهائي؛ إذ يبدأ النظام بأعداد الطلبة المسجلين، ثم المتقدمين الناجحين، قبل أن ينتهي بالمقبولين فعليًا في مؤسسات التعليم العالي، وفيما يلي تتبع “أثير” الإحصائيات المنشورة من مصادر مختلفة، لتتبع الأرقام خلال السنوات الثماني.

- مصدر هذه البيانات الإصدارات الإحصائية لمركز القبول الموحد. لم يتم تضمين بيانات العام الدراسي 2019/2020 نظرًا إلى عدم توفرها
- الأعوام المشار إليها هي أعوام أكاديمية
- أعداد الطلبة هم الناجحون الذين تعلن عنهم وزارة التعليم سنويًا ضمن إعلانات النتائج.
- أعداد الطلبة المذكورين في الشكل أعلاه هي بحسب العام الدراسي المنتهي، مثلا خريجي العام الدراسي 2017/2018 هم المتقدمين للعام الأكاديمي 2018/2019 وهكذا بالنسبة لبقية السنوات.
- أعداد الطلبة للعام الأكاديمي 2026/2027 هم المتقدمون لامتحانات دبلوم التعليم العام للعام الدراسي 2025/2026م، ولا تتوفر أعداد الناجحين.
ماذا تكشف المقارنة؟
بالمقارنة التفصيلية لـ “أثير” بين أعداد المتقدمين لامتحانات الصف 12، والمراحل المختلفة للقبول الموحد، يمكن التوصل إلى الآتي:
- تشهد أعداد خريجي الصف 12 ارتفاعًا تدريجيًا، غير أن هذا الارتفاع لا ينسجم مع الارتفاع في أعداد الطلبة المقبولين.
- يتناقص عدد الطلبة في كل مرحلة من مراحل القبول الموحد، فيكون العدد الأكبر للمسجلين في النظام، وينخفض تدريجيًا في المرحلة الثانية “المتقدمون الناجحون” وينخفض أكثر في المرحلة الثالثة “المقبولون”.
- يُشكل الطلبة المقبولون قرابة نصف عدد طلبة الصف الـ 12 في كل عام دراسي من الأعوام السبعة.
- بينما يرتفع أعداد المسجلين في النظام، فإن أعداد الطلبة غير المقبولين يرتفع أيضًا، ومن المرجح ارتفاع أعداد المقبولين في هذا العام نظرا لارتفاع أعداد المقاعد المطروحة للتنافس.
الطلبة الذين لم يحصلوا على مقاعد في القبول الموحد
تكشف البيانات عن ارتفاع مستمر في أعداد الطلبة الذين لا يحصلون على مقعد عبر القبول الموحد، سواء لعدم التقدم إلى النظام، أو لعدم استيفاء شروط القبول، أو لأي أسباب أخرى، فبعد أن كان عددهم يقارب 19 ألف طالب في بداية فترة الرصد، ارتفع إلى نحو 28 ألف طالب في العام الدراسي 2025/2026.
ويُحتسب هذا الرقم من خلال الفرق بين أعداد المتقدمين لامتحانات دبلوم التعليم العام وأعداد المقبولين المعلنة في القبول الموحد.

* الرقم حاصل طرح أعداد المتقدمين لامتحانات دبلوم التعليم العام من أعداد المقبولين
أكثر من 80 ألف طالب خلال 6 سنوات
لا تقف المؤشرات عند الأعداد الحالية، بل تمتد إلى السنوات المقبلة، حيث تشير بيانات المركز الوطني للإحصاء والمعلومات الخاصة بأعداد الطلبة في الصفوف الدراسية في العام الدراسي المنتهي حاليًا 2025/2026 إلى أن الدفعات القادمة ستكون أكبر من الدفعات الحالية؛ ما يعني استمرار نمو أعداد طلبة الصف الثاني عشر خلال السنوات المقبلة.
وبحسب أعداد الطلبة في العام الدراسي 2025/2026، فمن المتوقع أن يصل:
| الصف | العدد | متى سيصل إلى صف 12؟ |
|---|---|---|
| الثاني | 78,824 | 2035/2036 |
| الثالث | 81,025 | 2034/2035 |
| الرابع | 82,224 | 2033/2034 |
| الخامس | 80,877 | 2032/2033 |
| السادس | 74,637 | 2031/2032 |
وتعني هذه الأرقام أن منظومة التعليم العالي مرشحة لاستقبال أعداد أكبر من خريجي الصف الثاني عشر خلال السنوات المقبلة، الأمر الذي يطرح تحديًا يتمثل في مواكبة هذا النمو من خلال التوسع في فرص التعليم والتدريب، وتوفير مسارات متنوعة تستوعب الأعداد المتزايدة من الخريجين.

ما الخيارات الأخرى لاستيعاب هؤلاء الشباب؟
نقلت “أثير” هذه التساؤلات إلى الدكتور خلف بن مرهون العبري رئيس قسم الأصول والإدارة التربوية بكلية التربية بجامعة السلطان قابوس، الذي أوضح بأن الزيادة أعداد خريجي الصف الثاني عشر لا تبدو أمرًا غير متوقع، فهي انعكاس طبيعي للنمو السكاني واتساع قاعدة التعليم في سلطنة عمان. واعتبر أنه من الطبيعي أيضًا أن تواصل الجهات المعنية التوسع في الفرص التعليمية، وهو ما يظهر بوضوح في الزيادة المستمرة في أعداد المقاعد التي يطرحها مركز القبول الموحد. غير العبري يرى أن اختزال القضية في عدد المقاعد قد يحجب سؤالًا أكثر أهمية: ما طبيعة منظومة التعليم التي نريدها بعد المرحلة المدرسية؟
لفترة طويلة، ارتبط النجاح الدراسي في الوعي المجتمعي بالالتحاق بالجامعات، وكأنها المسار الوحيد لبناء المستقبل المهني. إلا أن هذا التصور بدأ يتغير في كثير من الدول. فالنقاش اليوم لم يعد يدور حول عدد الملتحقين بالتعليم الجامعي، بل حول قدرة منظومة التعليم على توفير خيارات متعددة تستجيب لاختلاف قدرات الطلبة، وتواكب احتياجات الاقتصاد.
التعليم ما بعد المدرسة
يوضح الدكتور خلف العبري بأن مفهوم التعليم ما بعد المدرسة برز بوصفه إطارًا أشمل من التعليم الجامعي. فالقضية ليست في توجيه جميع الخريجين إلى المسار نفسه، وإنما في توفير بدائل تعليمية متكاملة، بحيث يجد كل طالب البيئة التي تنسجم مع قدراته واهتماماته، سواء في الجامعة، أو في التعليم التقني والمهني، أو في الكليات التطبيقية، أو في برامج التدريب المتخصصة.
ولا يعني ذلك التقليل من مكانة الجامعات أو دورها. فهي ستظل مؤسسات محورية لإنتاج المعرفة وإعداد الكفاءات العلمية والبحثية. غير أن الاقتصادات الحديثة لا تبنى على خريجي الجامعات وحدهم، بل تحتاج إلى منظومة متكاملة من التخصصات والمهارات. فالقطاعات الإنتاجية والخدمية تعتمد على فرق عمل تضم مهنيين وتقنيين ومتخصصين، ولكل منهم دور لا يقل أهمية عن الآخر.
ويشير العبري في حديثه لـ “أثير” أن هذا ما يفسر الاهتمام المتزايد بالتعليم التقني والمهني في عدد من التجارب الدولية. ففي دول مثل ألمانيا وسويسرا وسنغافورة، اكتسب هذا المسار مكانة راسخة لأنه ارتبط بجودة التدريب، ووضوح الفرص المهنية، وقوة العلاقة مع سوق العمل. ومع مرور الوقت، لم يعد يُنظر إليه بوصفه خيارًا بديلًا، بل أصبح خيارًا مقصودًا لشريحة واسعة من الشباب.
ما المؤشرات في سلطنة عُمان؟
يمكن ملاحظة مؤشرات واضحة في سلطنة عمان على هذا التوجه. فقد شهدت السنوات الأخيرة توسعًا في التعليم التقني والمهني، إلى جانب تعزيز حضوره في التعليم المدرسي، وتطوير البرامج التي تستجيب لاحتياجات القطاعات الاقتصادية. وهي خطوات تنسجم مع التوجهات الدولية التي تدعو إلى تنويع مسارات التعليم بعد المدرسة، وعدم حصرها في التعليم الجامعي التقليدي.
وربما يبقى التحدي الأكبر ثقافيًا أكثر منه مؤسسيًا. إذ يشير العبري إلى أن هناك قطاعات من المجتمع تنظر إلى الجامعات بوصفها الخيار الأكثر قيمة، بينما تشير الخبرات الدولية إلى أن جودة المسار وملاءمته لسوق العمل هما العاملان الأكثر تأثيرًا في النجاح المهني. وفي بعض الحالات، قد يتمتع خريج برنامج تقني متخصص بفرص وظيفية أفضل من خريج جامعي في تخصص محدود الطلب.
وختم الدكتور خلف بن مرهون العبري رئيس قسم الأصول والإدارة التربوية حديثه مع “أثير” بقوله إن النقاش يستحق أن ينتقل إلى مستوى آخر، فبدلًا من التركيز على قدرة الجامعات على استيعاب جميع خريجي المدارس، قد يكون من الأجدى التفكير في كيفية بناء منظومة تعليم ما بعد المدرسة تتسم بالتنوع والمرونة، وتتيح لكل شاب فرصة تعليمية تتوافق مع قدراته، وفي الوقت نفسه تلبي احتياجات التنمية الوطنية.
ويُقدّر العبري أن نجاح أي نظام تعليمي يُقاس بقدرته على توفير مسارات نوعية ومتعددة، لا بعدد المقاعد الجامعية وحده وعندما تتوافر هذه المسارات، يصبح الحديث عن التعليم أكثر ارتباطًا بجودة الفرص، وأقل ارتباطًا بالمفاضلة بين من حصل على مقعد جامعي ومن لم يحصل عليه.
يُذكر أنه لإعداد هذا التقرير؛ تم العودة إلى الكتاب الإحصائي السنوي الصادر عن المركز الوطني للإحصاء والمعلومات، وإصدارات مركز القبول الموحد ( التقرير الإحصائي السنوي وأخبار صادرة عن المركز) وأخبار صادرة عن وزارة التعليم، وأخبار نشرتها وسائل الإعلام ذات العلاقة بالمحتوى.





