النينو تعود مجددًا: هل يواجه العالم موجة جديدة من الطقس المتطرف؟

النينو تعود مجددًا: هل يواجه العالم موجة جديدة من الطقس المتطرف؟
النينو تعود مجددًا: هل يواجه العالم موجة جديدة من الطقس المتطرف؟
أثير – ريما الشيخ
بينما تواصل دول عديدة مواجهة موجات حر قياسية وحرائق غابات وفيضانات غير مسبوقة، عاد اسم “النينو” ليتصدر التحذيرات الدولية مجددًا بعد توقعات المنظمة العالمية للأرصاد الجوية التابعة للأمم المتحدة بإمكانية تطور الظاهرة بقوة متوسطة أو ربما قوية خلال الأشهر المقبلة، وهو ما قد يؤدي إلى ارتفاع درجات الحرارة العالمية وزيادة مخاطر الظواهر الجوية المتطرفة.
وتعد ظاهرة النينو من أكثر الظواهر المناخية تأثيرًا على كوكب الأرض، إذ لا تقتصر آثارها على منطقة المحيط الهادئ التي تنشأ فيها، بل تمتد لتؤثر في أنماط الطقس والمناخ عبر قارات العالم، مسببة تغيرات واسعة في درجات الحرارة وكميات الأمطار وشدة العواصف ومواسم الجفاف.
ما ظاهرة النينو؟
ظاهرة مناخية طبيعية تحدث عندما ترتفع درجات حرارة سطح المياه في المنطقة الاستوائية الوسطى والشرقية من المحيط الهادئ فوق معدلاتها الطبيعية.
وفي الظروف العادية، تدفع الرياح التجارية المياه الدافئة نحو غرب المحيط الهادئ، لكن خلال سنوات النينو تضعف هذه الرياح أو تتغير، ما يسمح بانتقال المياه الدافئة شرقًا نحو سواحل أمريكا الجنوبية.
ورغم أن هذا التغير يبدو بسيطًا، إلا أنه يؤدي إلى اضطراب واسع في الغلاف الجوي العالمي، ويؤثر على حركة السحب والأمطار والعواصف في مناطق تبعد آلاف الكيلومترات عن المحيط الهادئ.
لماذا تثير النينو قلق العلماء؟
تكمن أهمية النينو في أنها تطلق كميات هائلة من الحرارة المختزنة داخل المحيط إلى الغلاف الجوي، ما يؤدي إلى ارتفاع متوسط درجات الحرارة العالمية.
ويحذر العلماء من أن تأثير النينو أصبح أكثر وضوحًا في ظل التغير المناخي الحالي، حيث تتداخل آثار الظاهرتين معًا، ما يزيد من احتمالات تسجيل درجات حرارة قياسية وحدوث ظواهر جوية أكثر تطرفًا.
ولهذا السبب تتابع المؤسسات المناخية العالمية تطورات الظاهرة بدقة، نظرًا لقدرتها على التأثير في حياة ملايين البشر حول العالم.
عندما غيّرت النينو طقس العالم
شهد العالم خلال العقود الماضية عدة أحداث قوية للنينو تركت آثارًا واسعة النطاقة، ففي الفترة بين 1982 و1983 تسببت الظاهرة في خسائر اقتصادية كبيرة وأحداث مناخية غير اعتيادية في عدد من الدول.
كما تُعد نينو 1997-1998 من أقوى الظواهر المسجلة تاريخيًا، إذ ارتبطت بفيضانات مدمرة في بعض المناطق وجفاف شديد في مناطق أخرى، وتسببت بخسائر بشرية واقتصادية ضخمة.
أما نينو 2015-2016 فقد ساهمت في جعل تلك الفترة من بين الأكثر حرارة في السجلات المناخية العالمية، وأثرت على الإنتاج الزراعي والموارد المائية في العديد من الدول.
ما الظواهر الجوية التي قد ترافق النينو؟
ترتبط النينو بمجموعة واسعة من الظواهر الجوية المتطرفة، من أبرزها:
-موجات حر شديدة وطويلة الأمد.
-فترات جفاف في بعض المناطق.
-أمطار غزيرة وفيضانات في مناطق أخرى.
-زيادة احتمالات حرائق الغابات.
-اضطرابات في مواسم الأمطار.
-تغير أنماط العواصف المدارية والأعاصير.
وتختلف التأثيرات من منطقة إلى أخرى، إذ قد تستفيد بعض الدول من زيادة الأمطار، بينما تواجه دول أخرى نقصًا حادًا في المياه.
لماذا ترتفع أسعار الغذاء خلال سنوات النينو؟
لا تتوقف آثار النينو عند حدود الطقس، بل تمتد إلى الأمن الغذائي العالمي، فالجفاف أو الفيضانات يمكن أن يؤديا إلى تراجع إنتاج العديد من المحاصيل الزراعية المهمة مثل القمح والأرز والذرة والبن والكاكاو، ما ينعكس على الأسعار العالمية.
كما تؤثر الظاهرة على الثروة السمكية في بعض المناطق نتيجة ارتفاع حرارة المياه وتغير حركة التيارات البحرية، وهو ما قد ينعكس بدوره على أسواق الغذاء وسلاسل الإمداد العالمية.
خسائر اقتصادية بمليارات الدولارات
تؤكد دراسات اقتصادية أن أحداث النينو القوية تعد من أكثر الظواهر الطبيعية كلفة على الاقتصاد العالمي، وقد أشارت دراسة صادرة عن باحثين في جامعة دارتموث الأمريكية إلى أن بعض أحداث النينو الكبرى تسببت بخسائر اقتصادية عالمية قُدرت بتريليونات الدولارات على مدى سنوات طويلة نتيجة تأثيراتها على الزراعة والطاقة والبنية الأساسية والتجارة العالمية.
ويرى خبراء الاقتصاد أن آثار النينو لا تنتهي بانتهاء الظاهرة نفسها، بل قد تستمر لسنوات بسبب الأضرار التي تلحق بالإنتاج والموارد الطبيعية.
مخاطر صحية تتجاوز الطقس
ويمكن أن تؤدي الظروف المناخية المرتبطة بالنينو إلى مجموعة من المخاطر الصحية، فارتفاع درجات الحرارة يزيد من احتمالات الإصابة بالإجهاد الحراري وضربات الشمس، خاصة بين كبار السن والعاملين في الأماكن المفتوحة.
كما قد تسهم الفيضانات والأمطار الغزيرة في زيادة مخاطر تلوث المياه وانتشار بعض الأمراض، إضافة إلى توفير بيئات مناسبة لتكاثر الحشرات الناقلة للأمراض في بعض المناطق.
النينو والنينيا.. وجهان متعاكسان
غالبًا ما يتم الخلط بين ظاهرتي النينو والنينيا، فالنينو تتمثل في ارتفاع حرارة سطح مياه المحيط الهادئ الاستوائي، بينما تشير النينيا إلى انخفاض هذه الحرارة عن معدلاتها الطبيعية.
وعلى الرغم من أنهما تنتميان إلى النظام المناخي نفسه، فإن تأثيراتهما تكون متعاكسة في كثير من الأحيان، حيث تؤدي النينيا إلى أنماط مختلفة من الأمطار والحرارة مقارنة بالنينو.
هل تتأثر سلطنة عُمان بالنينو؟
لا تُعد سلطنة عُمان من المناطق التي تتأثر مباشرة بالنينو بالطريقة التي تتأثر بها دول المحيط الهادئ أو الأمريكتان، إلا أن انعكاسات الظاهرة على المناخ العالمي قد تؤثر بصورة غير مباشرة على المنطقة.
ويشير مختصون إلى أن تأثير النينو على عُمان يختلف من حالة إلى أخرى، وقد ينعكس أحيانًا على درجات الحرارة أو بعض الأنماط الجوية الموسمية، إلا أن ذلك يعتمد على عوامل مناخية متعددة ولا يمكن تعميمه على جميع سنوات النينو.
ماذا تقول أحدث التوقعات؟
بحسب المنظمة العالمية للأرصاد الجوية، فإن الظروف المناخية الحالية تشير إلى احتمالية تطور ظاهرة النينو بقوة متوسطة أو قوية، وهو ما قد يرفع درجات الحرارة العالمية ويزيد احتمالات حدوث ظواهر جوية متطرفة خلال الأشهر المقبلة.
وأكدت المنظمة أن النينو أصبحت عاملًا مهمًا في توقعات الطقس والمناخ على المستوى العالمي، داعية الحكومات والجهات المختصة إلى الاستعداد للتعامل مع آثارها المحتملة، خاصة في القطاعات المرتبطة بالمياه والزراعة والصحة والطاقة.
بين الطبيعة والتغير المناخي
يرى العلماء أن النينو ظاهرة طبيعية تحدث منذ آلاف السنين، لكنها أصبحت اليوم تتزامن مع عالم أكثر دفئًا بسبب التغير المناخي الناتج عن النشاط البشري.
ومع استمرار ارتفاع درجات الحرارة العالمية، تزداد المخاوف من أن تكون آثار النينو المقبلة أكثر وضوحًا وشدة من السابق، وهو ما يجعل مراقبة تطوراتها ضرورة علمية واقتصادية وإنسانية في آن واحد.
وبينما يترقب العالم ما ستكشفه الأشهر المقبلة، يبقى السؤال مفتوحًا: هل ستكون النينو القادمة مجرد دورة مناخية طبيعية، أم أنها ستسهم في موجة جديدة من الظواهر الجوية المتطرفة التي يشهدها العالم بالفعل؟
المصادر
World Meteorological Organization (WMO)
National Oceanic and Atmospheric Administration (NOAA)
NASA Earth Observatory
Intergovernmental Panel on Climate Change (IPCC)
Dartmouth College
United Nations Environment Programme (UNEP)
World Bank Climate Reports

شارك هذا الخبر