أثير- أحمد بن عبد الله الشبيبي
خبير الاستشارات الاسرية
في بداية العلاقة الزوجية قد يبدو الشريك النرجسي شخصًا جذابًا واثقًا بنفسه كريمًا في اهتمامه قادرًا على إغراق الطرف الآخر بكلمات الإعجاب والوعود الكبيرة. لكن مع مرور الوقت قد تتبدل الصورة تدريجيًا فيقل التقدير ويزداد الانتقاد ويصبح أحد الزوجين مطالبًا باستمرار بإثبات حبه وولائه بينما تُهمَّش احتياجاته ومشاعره. وهنا قد نكون أمام سمات نرجسية تؤثر بعمق في استقرار العلاقة الزوجية.
ولا بد من التأكيد أن الاعتزاز بالنفس أو الرغبة في التقدير لا يجعلان الإنسان نرجسيًا بالضرورة. فهناك فرق بين وجود بعض السمات النرجسية وبين اضطراب الشخصية النرجسية الذي يحتاج تشخيصه إلى مختص في الارشاد النفسي وفق معايير مهنية محددة. ولذلك ينبغي تجنب استخدام وصف “نرجسي” بوصفه تهمة جاهزة لكل شريك أناني أو صعب الطباع.
كيف تظهر النرجسية في العلاقة الزوجية؟
يميل صاحب السمات النرجسية الواضحة إلى تضخيم أهميته والمبالغة في قدراته وإنجازاته والسعي المستمر إلى الإعجاب والاهتمام. وقد يرى نفسه أكثر جمالًا أو ذكاءً أو تميزًا من الآخرين ويشعر بأنه يستحق معاملة استثنائية.
داخل العلاقة الزوجية قد ينظر هذا الشريك إلى الطرف الآخر بوصفه وسيلة لتعزيز صورته الاجتماعية أو إشباع حاجته إلى التقدير وليس شريكًا مستقلًا له مشاعر واحتياجات وحقوق. وقد يدعم شريكه ما دام هذا الدعم يضيف إلى نجاحه أو صورته ثم يقلل من قيمته أو يبتعد عنه عندما يتوقف عن منحه الإعجاب المطلوب، وتظهر المشكلة بصورة أوضح عندما تتحول العلاقة من الشراكة إلى السيطرة، فيصبح أحد الزوجين هو مركز العلاقة وتدور الحوارات والقرارات والمناسبات حول رغباته ومزاجه، بينما يُطلب من الطرف الآخر أن يتكيف دائمًا ويعتذر دائمًا، ويتنازل دائمًا.
النرجسية المتخفية الوجه الذي يصعب اكتشافه
ليست النرجسية دائمًا صاخبة أو متباهية فقد تتخذ صورة متخفية أكثر هدوءً وحساسية ولذلك يصعب اكتشافها في بداية العلاقة. ومصطلح “النرجسية المتخفية” وصف متداول لنمط من السمات وليس تشخيصًا مستقلًا.
قد لا يتحدث الشريك النرجسي المتخفي باستمرار عن تفوقه لكنه يحمل في داخله شعورًا بالاستحقاق ويتوقع اهتمامًا خاصًا دون أن يطلبه بوضوح. وعندما لا يحصل عليه قد يلجأ إلى الانسحاب العاطفي أو الصمت العقابي أو لعب دور الضحية أو إشعار شريكه بالذنب.
وقد يبدو شديد الحساسية للنقد إذ يتعامل مع الملاحظة البسيطة وكأنها إهانة كبيرة. وبدلًا من مناقشة المشكلة يقلب الأدوار ليصبح هو الطرف المجروح بينما يجد الشريك الآخر نفسه معتذرًا عن مشكلة لم يكن سببًا فيها.
ومن العلامات التي قد تظهر في هذا النمط:
- تقديم نفسه دائمًا بوصفه الطرف المظلوم أو غير المقدَّر.
- الحساسية المفرطة تجاه الملاحظات والنقد.
- استخدام الصمت أو الانسحاب لمعاقبة الشريك.
- التقليل غير المباشر من نجاح الطرف الآخر.
- إطلاق تعليقات جارحة ثم وصفها بأنها مزاح.
- إظهار التعاطف أمام الناس وافتقاده داخل المنزل.
- تذكير الشريك المستمر بما قدمه له.
- مقارنة العلاقة بعلاقات الآخرين لإثارة الشعور بالنقص.
- إنكار الوقائع أو تحريفها حتى يشك الطرف الآخر في ذاكرته وإدراكه.
- انتظار الاهتمام والتقدير دون تقديم قدر مماثل منهما.
ولا تكفي علامة واحدة للحكم على الشخصية وإنما ينبغي النظر إلى نمط متكرر ومستمر يسبب ضررًا واضحًا للعلاقة.
كيف تتأثر الحياة الزوجية؟
تعيش العلاقة الزوجية المتأثرة بالنرجسية دورة مرهقة تبدأ أحيانًا بالمبالغة في الحب والتقدير ثم تنتقل إلى الانتقاد والتقليل من القيمة وقد تنتهي بالهجر العاطفي أو التهديد بالانفصال. وقد تتكرر هذه الدورة كلما حاول الطرف المتضرر الابتعاد أو استعادة استقلاله.
ومع استمرار هذا النمط، قد يفقد الشريك ثقته بنفسه ويصبح شديد الحذر في كلماته وتصرفاته خوفًا من إثارة الغضب أو الاتهام. وقد يسأل نفسه باستمرار هل أنا المخطئ؟ هل أبالغ في مشاعري؟ هل المشكلة في شخصيتي؟
كما يمكن أن تظهر آثار نفسية مثل القلق والحزن والشعور بالوحدة واضطراب النوم والعزلة الاجتماعية وضعف القدرة على اتخاذ القرار. وقد يمتد الأثر إلى الأبناء عندما يشاهدون الانتقاص المستمر أو الصمت العقابي أو الصراع على السيطرة فيتعلمون أن الحب مرتبط بالخوف أو التنازل عن الكرامة.
كيف يتعامل الشريك بطريقة صحية؟
التعامل مع السمات النرجسية لا يكون بإلغاء الذات أو قبول الإهانة أو الدخول في منافسة لإثبات من هو المخطئ. وإنما يبدأ بالوعي بالنمط والمحافظة على التوازن النفسي ووضع حدود واضحة.
من المهم التعبير عن السلوك المزعج بهدوء ودقة مثل القول: «لن أواصل الحديث عندما يتضمن إهانة ويمكننا استكماله عندما يصبح الحوار محترمًا». وينبغي أن تكون الحدود محددة وقابلة للتطبيق لأن الحدود التي لا تترتب عليها مواقف عملية قد تتحول إلى مجرد طلبات يمكن تجاهلها.
كما يحتاج الشريك إلى المحافظة على علاقاته الأسرية والاجتماعية الصحية وعدم الانعزال عن الأشخاص الداعمين. ومن الضروري ألا يجعل رضا الطرف الآخر المعيار الوحيد لقيمته وألا يهمل احتياجاته النفسية والجسدية والاجتماعية من أجل تجنب الخلاف.
ويُفضَّل تجنب النقاشات الطويلة التي تتحول إلى تبادل للاتهامات أو محاولة لإثبات كل تفصيل. لكن تجنب الجدال لا يعني الموافقة على تحريف الحقيقة كما أن الهدوء لا يعني الصمت أمام الإساءة.
وقد تساعد الاستشارة النفسية الفردية الشريك المتضرر على فهم ما يحدث واستعادة ثقته بنفسه واتخاذ قرارات أكثر اتزانًا. أما الإرشاد الزواجي فقد يكون مناسبًا عندما يعترف الطرفان بالمشكلة ويكون الحوار آمنًا لكن وجود عنف أو تهديد أو سيطرة قهرية يستدعي تقييمًا متخصصًا وخطة لحماية المتضرر قبل التفكير في الجلسات المشتركة.
هل يمكن أن يتغير الشريك النرجسي؟
التغيير ممكن عندما يمتلك الشخص وعيًا حقيقيًا بسلوكه ويقبل تحمّل مسؤوليته ويستعد للعلاج والعمل المستمر. لكنه يصبح صعبًا عندما ينكر المشكلة ويلقي اللوم كله على شريكه أو يستخدم الاعتذار المؤقت فقط لاستعادة السيطرة.
ولذلك لا يستطيع أحد تغيير شريكه بالقوة ولا ينبغي أن يربط سلامته النفسية بوعد غير محدد بالتغيير. فقبول الإنسان لا يعني قبول إساءته والحفاظ على الأسرة لا يعني التضحية بالكرامة أو الأمان.
إن أخطر ما في النرجسية المتخفية أنها لا تترك دائمًا جرحًا ظاهرًا، لكنها قد تترك داخل الشريك سؤالًا مؤلمًا عن قيمته واستحقاقه للحب. والعلاقة الزوجية السليمة لا تقوم على الإعجاب بطرف واحد أو الخوف من غضبه بل على الاحترام المتبادل والتعاطف وتحمل المسؤولية وحق كل شريك في أن يُسمع ويُقدَّر ويعيش بأمان.






