أثير - محمد الدغيشي
حين يقرر مغامر أجنبي أن يتسلق أحد أودية جبال الحجر، من يضمن عودته سالما؟ شركة خاصة تملك رخصة؟ أم جهات إنقاذ رسمية عبر مروحيات؟ هذا السؤال هو ما جاءت اللائحة التنفيذية لقانون السياحة لتجيب عنه، حين نشرت في الجريدة الرسمية العدد 1645، مرسية قواعد مرحلة جديدة تتجاوز حدود الإصلاح الإداري، نحو تحول يوسّع المجال للقطاع الخاص ليقود نشاط سياحة المغامرات، في ظل منظومة تنظيمية متكاملة تشمل وزارة التراث والسياحة، وشرطة عُمان السلطانية، وهيئة الدفاع المدني والإسعاف، وصولا إلى وزارة الدفاع.
من يخطط ومن ينفذ؟
أحدثت اللائحة تمييزًا جوهريًا، إذ فرقت لأول مرة بين منظمي رحلات سياحة المغامرات ومشغلي أنشطة سياحة المغامرات، وهو تمييز يبدو للوهلة الأولى تقنيا، لكنه يحمل في طياته إعادة هيكلة كاملة لتوزيع المسؤوليات داخل القطاع.
فمنظم الرحلة يضطلع بدور التخطيط والتأمين وتزويد السائح بمعلومات تفصيلية حول مخاطر الرحلة وإرشادات السلامة وخرائط المسار المعتمدة، في حين يتحمل المشغل عبئا أثقل يشمل الحصول على شهادة تدقيق الأمن والسلامة من الجهة المختصة، ووضع خطة شاملة لإدارة المخاطر وإجراءات تشغيل قياسية، فضلا عن إلغاء الرحلات فور صدور إنذارات الأحوال الجوية أو الكوارث الطبيعية.
ورافق هذا التمييز توسيع ملحوظ في قائمة الأنشطة المصنفة ضمن سياحة المغامرات، لتشمل القيادة على الطرق الوعرة، ونزول المرتفعات بالحبال، وسبر الكهوف، والرحلات الطويلة عبر الأودية، وصولا إلى ركوب الجمال والأحصنة والتزلج على الرمال.
أبعد من مجرد ترخيص: عين الأمن ترافق سياحة المغامرات
تسعى اللائحة على تنظيم العلاقة بين المرخص له والوزارة، وهو اشتراط يكرس حضور الجهاز الأمني بوصفه شريكا فعليا في منظومة الرقابة السياحية.
وتعد هذه الصلة الرقابية الميدانية ركيزة لا يمكن تجاهلها في ضوء التنامي المتسارع لرحلات المغامرات في المناطق الجبلية والأودية النائية، حيث يغدو التنسيق الآني بين شركات القطاع الخاص وغرف العمليات الأمنية ضرورة عملية لا مجرد التزام نظامي، خاصة في حالات البحث والإنقاذ.
وقد منحت اللائحة موظفي وزارة التراث والسياحة المخولين صفة “الضبطية القضائية” صلاحيات واسعة تشمل دخول المناطق السياحية والمنشآت الفندقية، والاطلاع على التراخيص والسجلات والمستندات، في مؤشر واضح على أن الانفتاح على القطاع الخاص يسير جنبا إلى جنب مع تعزيز أدوات الرقابة والإنفاذ.
المؤسسة العسكرية: شريك في بناء السلامة لسياحة المغامرات
ربما كان أكثر ما يلفت، هو توقيع وزارة التراث والسياحة اتفاقية تعاون مع وزارة الدفاع، ممثلة بمركز تدريب المغامرة التابع للجيش السلطاني العُماني، في مجال تدقيق معايير الأمن والسلامة والتدريب المتخصص في أنشطة سياحة المغامرات.
وجاء هذا التعاون في توقيت دقيق يقرأ في سياق التوجه الوطني لتحويل المؤسسة العسكرية من مورد للخبرة الميدانية إلى شريك مؤسسي في بناء منظومة السلامة السياحية، مع الاستفادة القصوى من كفاءاتها التقنية وخبراتها في البيئات الوعرة.
ولا يتوقف الحضور الدفاعي عند هذا الحد، فبرنامج التعاون الموقع بين الوزارة وهيئة الدفاع المدني والإسعاف يرسي إطارا تدريبيا متخصصا يشمل الإسعافات الأولية وتقييم المخاطر في المسارات الجبلية والإنعاش القلبي، مستهدفا الكوادر العُمانية العاملة في شركات سياحة المغامرات. وقد نفذت الهيئة العامة للدفاع المدني بالتعاون مع وزارة الدفاع حتى الآن ثماني دورات في تنمية القدرات للإسعاف والإنقاذ الجبلي.
من يدفع ثمن الخطأ حين تضيع رحلة في الجبل؟
تلزم اللائحة منظمي رحلات المغامرات بالتأمين على السياح بوثيقة صادرة داخل سلطنة عُمان ضد جميع الأخطار الناجمة عن الممارسة، فيما يتعين على مشغلي الأنشطة الحصول على شهادة تدقيق الأمن والسلامة وبناء خطة متكاملة لإدارة المخاطر. وعلى الجانب الآخر، تظل هيئة الدفاع المدني والإسعاف المرجعية الميدانية لعمليات الإنقاذ في الحالات الطارئة.
هذا التوزيع يقلص الأعباء التي كانت الدولة تتحملها منفردة في السابق، في نموذج يستلهم التجربة النيوزيلندية بوصفها من أفضل النماذج العالمية في تنظيم سياحة المغامرات.
من مسقط إلى الرياض: تجربة عُمان في سياحة المغامرات تصبح “بوصلة إقليمية”
لا تعد هذه اللوائح معزولة عن سياقها الإقليمي. فقد استضافت وزارة التراث والسياحة في مايو الماضي وفدا من الهيئة السعودية للسياحة يرافقه ممثلون عن شركات متخصصة، للاطلاع على تجربة عُمان في تنظيم قطاع سياحة المغامرات. وشملت الزيارة جولة ميدانية إلى الجبل الأخضر ومعرضا تعريفيا بالمعدات والممارسات الأمنية المعتمدة.
كما وضعت الوزارة 73 لوحة توجيهية و30 لوحة معلوماتية على المسارات الجبلية في سلاسل جبال الحجر الشرقي والغربي ومحافظة مسقط، في استثمار عملي لرفع مستوى السلامة وتوجيه المغامرين في الميدان.
هل تنجح المعادلة ؟
تشكل اللائحة والإجراءات المختلفة التي تمت في مجملها إجابة على سؤال طويل الأمد: كيف يمكن تحويل الثروة الطبيعية العُمانية من جبال وأودية وكهوف إلى قطاع سياحي منافس، دون التفريط في سلامة الزوار؟
الإجابة تقوم على ثلاثية متكاملة: تنظيم يحرره، ورقابة تضبطه، وتدريب يؤهله. وفي قلب هذه المعادلة تصبح مؤسسات الدولة الأمنية والدفاعية شريكا لا رقيبا.
المصادر:





