من الميدان إلى قلب الدولة: سيرة المقدم سعيد بن سالم الذي شارك في صناعة عُمان الحديثة (3)

شهادات المؤرخ بيترسون والتكريتي وجون جراهام توثّق دور سعيد بن سالم الوهيبي في لحظة انتقال السلطة، ثم تكليفه بإعادة تشكيل إستراتيجية العمل في القصور السلطانية في السنوات الأولى للنهضة

من الميدان إلى قلب الدولة: سيرة المقدم سعيد بن سالم الذي شارك في صناعة عُمان الحديثة (3)
سيرة المقدم سعيد بن سالم الذي شارك في صناعة عُمان الحديثة
أثير- د. محمد بن حمد العريمي
في مسيرة الأمم، تبرز شخصياتٌ تُجسّد لحظات التحوّل، وتختزل في أدوارها ملامح مرحلةٍ بأكملها، ومن بين تلك الشخصيات في التاريخ العُماني الحديث، يبرز اسم المقدم سعيد بن سالم الوهيبي، بوصفه واحدًا من رجالات المرحلة التي شهدت توحيد البلاد، وترسيخ دعائم الدولة الحديثة؛ فقد ارتبط حضوره العسكري بالمحطات المفصلية التي سبقت قيام النهضة الحديثة، وأسهم في الجهود التي هدفت إلى بسط الاستقرار وتعزيز الوحدة الوطنية، في زمنٍ كانت فيه البلاد تواجه تحديات داخلية معقّدة، ومع بزوغ فجر الثالث والعشرين من يوليو 1970، كان الوهيبي في قلب الحدث، مساندًا لمسيرة النهضة التي قادها السلطان قابوس بن سعيد – طيّب الله ثراه – ومشاركًا في تثبيت أركانها في سنواتها الأولى.
عودة إلى ظفار… دوريات دربات واختبار الصبر
في يناير من عام 1968م، ولم تمضِ سوى أسابيع قليلة على عودة سرية الضابط سعيد بن سالم الوهيبي من ظفار واستقرارها في معسكر الرستاق، حتى جاءت الأوامر مجددًا بالتحرك، فقد شهدت الجبهة الجنوبية تصعيدًا مفاجئًا، إثر اشتباك للسرية الأولى – التي كانت قد حلّت محلهم – مع ما كان يُعرف بالثوار، وأسفر ذلك عن مقتل أحد الضباط، الأمر الذي استدعى إعادة نشر قواتٍ أكثر خبرة.
في دورية بظفار عام 1968
في دورية بظفار عام 1968
وهكذا، عادت السرية بقيادة الضابط سعيد بن سالم الوهيبي إلى ظفار، وتحديدًا إلى ضلكوت، قرب الحدود مع اليمن الجنوبي، في منطقةٍ وعرة تُعدّ من أكثر مسارح العمليات تعقيدًا، وفي اليوم الثاني من وصوله، تلقّى أمرًا بقيادة فصيلين قوامهما ستون جنديًا، لتنفيذ دورية راجلة على امتداد وادي دربات، أحد أهم المواقع الحيوية في المنطقة.
تعامل الضابط سعيد مع المهمة بمنهجية دقيقة، فقسّم جنوده إلى مجموعات صغيرة لتغطية نطاقٍ أوسع، وكانت مهمتهم الأساسية استطلاع المنطقة وتحديد مواقع الطرف الآخر، وخلال تنفيذ هذه الدوريات، وقع اشتباك محدود بين إحدى المجموعات وعناصر من إحدى قبائل المنطقة، أسفر عن مقتل رجل واحد، في حادثةٍ عكست حساسية الميدان وتعقيد تركيبته الاجتماعية.
ومع اقتراب غروب الشمس، أدرك سعيد أهمية التحصّن، فأصدر أوامره لجنوده بحفر خنادق دفاعية، غير أن تعليماتٍ عاجلة صدرت من قائد السرية تقضي بالانسحاب والعودة إلى ضلكوت، ولم تكن المهمة سهلة؛ إذ كان على القوة أن تسلك طريقًا ساحليًا ليليًا في ظلّ ارتفاع المدّ الذي يغمر الشاطئ، ما جعل الحركة بطيئة وشاقة.
استغرقت الرحلة نحو اثنتي عشرة ساعة متواصلة، من السادسة مساءً حتى السادسة صباحًا، في مسيرٍ اختبر قدرة الجنود على التحمّل والانضباط، وقد واصلت السرية تمركزها في المنطقة الغربية من ظفار لعدة أشهر، في واحدة من المراحل التي صقلت خبرة الضابط سعيد بن سالم الميدانية، ورسّخت مكانته كقائدٍ قادر على إدارة رجاله في أصعب الظروف.
صورة تعكس القوة والصلابة
صورة تعكس القوة والصلابة
تنقّلات الميدان… من بدبد إلى نزوى ثم العودة إلى ظفار
في مطلع عام 1968م، انتقل الملازم سعيد بن سالم الوهيبي إلى مرحلة جديدة في مسيرته العسكرية، حين تم نقله إلى السرية الثانية من “فوج الصحراء”، التي كانت قد شُكّلت حديثًا في قاعدة بدبد بالمنطقة الداخلية، في خطوةٍ تعكس اتساع نطاق مسؤولياته وتنوّع خبراته الميدانية.
ولم تمضِ أشهر قليلة حتى عادت ظفار لتكون وجهته من جديد؛ ففي أواخر العام نفسه، انتقلت السرية الثانية إلى هناك لتحلّ محل السرية الثالثة، ضمن عمليات التناوب العسكري في مسرح الأحداث، وخلال وجوده في ظفار، شهد سعيد محطة شخصية مهمّة، تمثّلت في ولادة ابنه “حمد”، في لحظةٍ تداخل فيها الخاص والعام، بين واجب الميدان ومسؤولية الأسرة.
وفي عام 1969م، عادت السرية الثانية إلى شمال عُمان، وتمركزت في نزوى، حيث أُسند إلى سعيد تكليفٌ جديد يعكس تطوّر دوره القيادي، تمثّل في قيادة فرقة الاستطلاع، وهي من أكثر الوحدات حساسيةً ودقة، نظرًا لاعتمادها على سرعة الحركة، ودقة المعلومة، وحسن التقدير الميداني.
ومع مطلع عام 1970م، كان على الملازم سعيد أن يعود مرةً أخرى إلى ظفار، في رابع مهمة له هناك خلال خمس سنوات فقط، في دلالة واضحة على الثقة المتكررة في كفاءته، وعلى ارتباط اسمه بمسرح العمليات الأكثر تعقيدًا في تلك المرحلة.
في ميدوي. مايو 1970
في ميدوي. مايو 1970
إلى القرب من مركز القرار… مرافقًا للسلطان
في الأسبوع الأول من تولّي السلطان قابوس بن سعيد مقاليد الحكم في عُمان، وقع الاختيار على الملازم سعيد بن سالم الوهيبي ليكون مرافقًا عسكريًا لجلالته، خلفًا لتوني هزلدين، في خطوةٍ عكست حجم الثقة التي حظي بها، ومكانته التي ترسّخت عبر سنواتٍ من العمل الميداني والانضباط.
وتُسند هذه الرواية شهادة الوزير المتقاعد أحمد بن سويدان البلوشي، الذي استعاد تفاصيل تلك المرحلة قائلاً: “مكثت في صلالة حتى سبتمبر عام 1971، أي قرابة عامٍ ونيف، ثم عرض عليّ الرائد لاندن – عندما جاء لزيارتي في بيت الزبير – الانتقال إلى مكتب القصر، وكان آنذاك قيد التأسيس. وقد رافقه في تلك الزيارة النقيب سعيد بن سالم الوهيبي، حيث كان الرائد لاندن قد نُقل بأوامر جلالة السلطان ليُعيَّن ياورًا (مستشارًا عسكريًا)، كما تم تعيين الملازم سعيد بن سالم الوهيبي في الأسبوع الأول مرافقًا عسكريًا لجلالة السلطان، خلفًا لتوني هزلدين.”
وتعكس هذه الشهادة جانبًا من التحوّل المؤسسي الذي شهدته الدولة في بدايات عهد النهضة، حيث انتقل سعيد بن سالم الوهيبي من ميادين العمليات إلى موقعٍ بالغ الحساسية بالقرب من رأس الدولة، ليكون شاهدًا على تشكّل مرحلة جديدة، ومشاركًا في تفاصيلها اليومية.
كما يذكر جون جراهام الذي كان قائدًا عامًا للقوات المسلحة في شهادته عن سيرة المقدم سعيد بن سالم الوهيبي، والمذكورة في مذكرات المقدم غير المنشورة أن السلطان قابوس بن سعيد اختار الملازم سعيد بن سالم ليكون من أقرب مساعديه في الأيام الأولى لتوليه مقاليد الحكم، حيث اصطحبه معه عند مغادرته جوًا إلى مطار بيت الفلج يوم الثلاثين من يوليو عام 1970 لحضور مراسم تولّي السلطنة، في دلالةٍ واضحة على الثقة التي حظي بها الوهيبي منذ البدايات الأولى للنهضة الحديثة. كما تم في الفترة ذاتها تعيين النقيب تيم لاندن ليعمل ياورًا ومرافقًا للسلطان.
ويضيف جراهام أن السلطان الراحل حرص منذ البداية على تحديد اختصاصات مساعديه بصورة دقيقة، بحيث تكون مهام كلٍّ منهم مستقلة عن الآخر، بما يضمن وضوح المسؤوليات وحسن إدارة العمل في المرحلة الجديدة، فبينما تولّى السيد حمد بن حمود البوسعيدي شؤون القبائل، وأصبح تيم لاندن مستشارًا سياسيًا، أوكل السلطان إلى سعيد بن سالم الوهيبي مهمة تنظيم وإعادة تشكيل إستراتيجية العمل في القصور السلطانية، وهي مهمة عكست حجم الثقة التي أولاها له، والدور الإداري والتنظيمي الذي اضطلع به في تأسيس ملامح الجهاز الإداري المحيط بالسلطان خلال السنوات الأولى من النهضة.
المراجع
  • البلوشي، أحمد بن سويدان. رحلتي في عالم الاتصالات، دار الفارابي، لبنان، 2012.
  • التكريتي، عبد الرزاق. ثورة الرياح الموسمية، دار جداول للنشر والترجمة والتوزيع، 2019
  • جي. إي. بيترسون. حركات التمرد في عُمان: صراع السلطنة من أجل السيادة (ترجمة بدر العبري)، 2007.
  • سيرة المقدم سعيد بن سالم الوهيبي. نسخة غير منشورة. أرشيف متحف المقدم سعيد بن سالم الوهيبي.
  • أرشيف متحف المرحوم سعيد بن سالم الوهيبي. منزل الأسرة، حي الرحبة، الخميس 30 أبريل 2026.
  • إبراهيم بن محمد بن مرهون الوهيبي. ملاحظات وإضافات مكتوبة على مسودّة التقرير، الاثنين 18 مايو 2026.
  • ناصر بن سليمان بن علي الوهيبي. ملاحظات مكتوبة على مسودة التقرير، الأربعاء 20 مايو 2026
  • موقع قانون.

شارك هذا الخبر