أثير- د. محمد بن حمد العريمي
في مطلع عشرينيات القرن الماضي، وبينما كانت سلطنة عُمان ما تزال بعيدة عن مسارات السياحة العالمية ووسائل النقل الحديثة، وصل إلى مسقط رحّالة ياباني يُدعى جيوكو شيغا، في زيارة تُعد من الزيارات الآسيوية القليلة الموثّقة لعُمان في تلك الفترة، وقد دوّن شيغا مشاهداته وانطباعاته عن البلاد وأهلها، تاركًا شهادة تاريخية نادرة عن عُمان في عهد السلطان تيمور بن فيصل.
جاءت زيارة شيغا إلى مسقط في عام 1924 ضمن رحلة أوسع قادته إلى عدد من البلدان والموانئ المطلة على المحيط الهندي، مدفوعًا بشغفه بالتعرّف إلى الشعوب والثقافات المختلفة، وعند وصوله إلى مسقط، وجد مدينةً تتكئ على تاريخها البحري العريق، وتعيش إيقاعًا هادئًا تحكمه العلاقات التجارية والتقاليد الاجتماعية الراسخة.
ومن أبرز المحطات التي شهدتها الزيارة، اللقاء الذي جمع الرحالة الياباني بالسلطان تيمور بن فيصل، والذي أتاح له فرصة نادرة للاطلاع على جانب من الحياة السياسية والإدارية في السلطنة آنذاك، وقد ترك هذا اللقاء أثرًا واضحًا في نفس الزائر، الذي أبدى إعجابه بحفاوة الاستقبال وكرم الضيافة التي قوبل بها.
وتكتسب هذه الزيارة أهمية خاصة كونها تمثل نافذة مبكرة للتواصل بين عُمان واليابان في فترة سبقت إقامة العلاقات الدبلوماسية الرسمية بين البلدين بعقود طويلة. كما أنها تقدم وصفًا مباشرًا لعُمان من منظور زائر آسيوي جاء من أقصى الشرق، بعيدًا عن الروايات الأوروبية التي هيمنت على أدبيات الرحلات في المنطقة.
ولم تخلُ رحلة شيغا من المواقف الإنسانية والطريفة التي عكست طبيعة الحياة اليومية في مسقط آنذاك، وهي مواقف تضفي على روايته بعدًا إنسانيًا يتجاوز مجرد الوصف الجغرافي أو السياسي، وتجعل من رحلته وثيقة تاريخية ثرية تستحق التوقف عندها.
وفي هذا التقرير، تقترب “أثير” من تفاصيل زيارة يوكو شيغا إلى مسقط في عام 1924، ومن لقائه بالسلطان تيمور بن فيصل، وما سجله من مشاهدات وانطباعات ومواقف تكشف جانبًا من ملامح عُمان قبل أكثر من مئة عام.
جذور مبكرة لعلاقة امتدت عبر القرن
على الرغم من أن العلاقات العُمانية اليابانية تُعد اليوم من أبرز نماذج التعاون بين دول الخليج العربي وشرق آسيا، فإن التواصل بين البلدين ظل محدودًا حتى أواخر القرن التاسع عشر، ومع ذلك، تكشف المصادر التاريخية عن إشارات مبكرة تدل على معرفة اليابانيين بعُمان قبل ذلك بقرون؛ إذ تضمنت موسوعة “واكان سانساي زوي” اليابانية، التي أُلّفت خلال عصر إيدو، معلومات عن اللبان العُماني ومدينتي صحار ومرباط. كما تشير بعض الروايات إلى أن الكاهن والرحالة الياباني بيترو كاسوي كيبي مرّ بعُمان في عام 1619م، ليُعد من أوائل اليابانيين الذين وصلوا إلى المنطقة.
ومع انفتاح اليابان على العالم في النصف الثاني من القرن التاسع عشر، بدأت ملامح التواصل الحديث مع عُمان تتشكل تدريجيًا، فبعد إصلاحات الإمبراطور ميجي في عام 1868م، أوفدت اليابان بعثات علمية واستكشافية إلى مختلف أنحاء العالم لاكتساب الخبرات والمعارف، وفي هذا السياق زار نوبويوشي فوروكاوا، الضابط في سلاح المهندسين الياباني، مدينة مسقط في عام 1880م، كما دخلت السفينة الحربية اليابانية “هيي” خليج مسقط في العام نفسه، لتصبح أول سفينة بحرية يابانية ترسو في الميناء العُماني.
غير أن الزيارة التي شكّلت نقطة تحول حقيقية في مسار العلاقات الحديثة بين البلدين كانت زيارة الرحالة والمفكر الياباني شيجيتاكا شيغا إلى عُمان خلال عامي 1923-1924م، فقد وصل شيغا إلى مسقط في وقت كانت فيه السلطنة تخطو بثبات في إدارة علاقاتها الخارجية، وحظي باستقبال من السلطان تيمور بن فيصل، الأمر الذي منح زيارته بعدًا سياسيًا وثقافيًا يتجاوز مجرد الرحلة الشخصية.
وقد أسهمت هذه الزيارة في تعريف اليابانيين بعُمان من خلال ما دوّنه شيغا من مشاهدات وانطباعات. كما مثلت إحدى أوائل المحطات التي أسست لجسور التفاهم والتقارب بين الشعبين، قبل أن تشهد العلاقات العُمانية اليابانية انطلاقتها الكبرى في سبعينيات القرن العشرين، لتتحول إلى شراكة راسخة ومتنامية في مختلف المجالات.
من هو شيغا شيجيتاكا؟
هو شيغا شيجيتاكا (Shiga Shigetaka)، أحد أبرز المفكرين والجغرافيين في اليابان الحديثة، ويُعرف في بعض المصادر العربية باسم “جيوكو شيغا” أو “شيجيتاكا شيغا”، وقد عاش بين عامي 1863 و1927م، وشهد مرحلة التحولات الكبرى التي عرفتها اليابان خلال عصر ميجي، وأسهم بصورة مؤثرة في صياغة الفكر الجغرافي والسياسي الياباني في تلك الحقبة.
اشتهر شيغا بكتاباته الجغرافية ورحلاته الاستكشافية الواسعة، وكان من الداعين إلى انفتاح اليابان على العالم والاستفادة من تجارب الأمم الأخرى، مع المحافظة على الهوية الوطنية اليابانية، وقد دفعه هذا الاهتمام إلى القيام بعدد من الرحلات في آسيا والشرق الأوسط، سعيًا إلى دراسة المجتمعات والثقافات المختلفة عن قرب.

وقد خلّف شيغا عددًا من المؤلفات التي حظيت بانتشار واسع في اليابان، من أبرزها كتاب “شؤون بحار الجنوب الحالية” الصادر في عام 1887م، والذي عرض فيه رؤيته لأهمية التوسع التجاري الياباني والانفتاح على المناطق الواقعة جنوب شرق آسيا والمحيط الهندي. كما أصدر في عام 1894م كتاب “المناظر الطبيعية في اليابان” الذي حقق نجاحًا استثنائيًا، وأسهم في ترسيخ الهوية القومية اليابانية من خلال ربطها بجغرافية الأرخبيل الياباني وطبيعته الفريدة، حتى عُدّ من أكثر الكتب تأثيرًا في الفكر الجغرافي الياباني الحديث. أما آخر مؤلفاته فكان كتاب “بلدان غير معروفة لليابان” الذي ضم مشاهداته وانطباعاته عن عدد من البلدان والمجتمعات التي زارها خلال رحلاته الخارجية.
أهمية الزيارة
تكتسب زيارة المفكر الياباني شيغا شيغيتاكا إلى عُمان خلال عام 1924م أهمية استثنائية؛ إذ جاءت من شخصية فكرية ذات حضور واسع في الأوساط الثقافية والسياسية اليابانية، الأمر الذي جعل ملاحظاته عن مسقط وسلطانها وأهلها تتجاوز حدود أدب الرحلات، لتصبح جزءًا من الجهد المعرفي الذي أسهم في تعريف القارئ الياباني ببلاد كانت ما تزال مجهولة نسبيًا في شرق آسيا آنذاك؛ ولذلك يمكن النظر إلى زيارة شيغا بوصفها إحدى المحطات المبكرة التي مهدت، ثقافيًا ومعرفيًا، لتطور العلاقات العُمانية اليابانية في العقود اللاحقة.

نحو “المجهول”.. الطريق إلى عُمان
لم يصل شيغا شيجيتاكا إلى مسقط مباشرة، بل سلك طريقًا طويلًا عبر بلوشستان وجنوب بلاد فارس بعد أن أنهى جانبًا من رحلاته في الهند، وخلال تلك الرحلة كانت مشاعر القلق والترقب ترافقه باستمرار، خصوصًا أن الجزيرة العربية كانت بالنسبة لكثير من اليابانيين آنذاك أرضًا بعيدة وغامضة لا يعرفون عنها إلا القليل.
ويصف شيغا تلك اللحظات قائلًا إنه عندما تجاوز رأس موري عند الحدود بين الهند وبلوشستان، شعر بوحدة عميقة وهو يتأمل آخر مظاهر العالم الذي اعتاد عليه، فقد سمع من قبل أنه لن يشاهد منارات بحرية أو مظاهر عمرانية مماثلة لما عرفه في الشرق الأقصى والهند إلا بعد بلوغه السواحل الغربية للشرق الأوسط، الأمر الذي جعله يتخيل أنه يودّع ما كان يسميه “العالم المتحضّر” ويدخل منطقة مجهولة يلفّها الغموض.
ويعترف الرحالة الياباني بأن تلك الأفكار ولّدت في نفسه شيئًا من الخوف والرهبة، لكنه في الوقت ذاته كان يشعر بحماس متزايد كلما اقترب من وجهته الجديدة، فقد كانت فكرة دخول بلد مجهول بالنسبة له تثير فضوله العلمي وشغفه الاستكشافي، وتجعل قلبه يخفق بقوة وهو يستعد لاكتشاف أرض لم تطأها أقدام كثير من أبناء بلاده من قبل.
وتكشف هذه المشاعر عن الصورة النمطية التي كانت سائدة لدى بعض اليابانيين في مطلع القرن العشرين تجاه الجزيرة العربية، باعتبارها منطقة بعيدة ومعزولة عن مراكز العمران الحديثة، إلا أن ما دوّنه شيغا لاحقًا عن عُمان وسكانها وحاكمها يظهر أن كثيرًا من تلك التصورات المسبقة بدأت تتبدد منذ اللحظات الأولى لوصوله إلى مسقط.
عُمان كما عرفها اليابانيون قبل قرن
قبل وصوله إلى مسقط، كان شيغا شيجيتاكا قد جمع ما تيسر له من معلومات عن عُمان، فكتب في مذكراته أن السلطنة دولة مستقلة تقع في الركن الشرقي من شبه الجزيرة العربية عند مدخل الخليج العربي، وقدّر عدد سكانها بنحو نصف مليون نسمة، بينما قدر عدد سكان مسقط ومطرح معًا بنحو عشرين ألف نسمة.
كما أشار إلى أن حجم التجارة السنوية للبلاد يبلغ نحو 7.5 ملايين ين ياباني، موضحًا أن أبرز الصادرات العُمانية آنذاك كانت التمور والأسماك المجففة وزعانف أسماك القرش والملح والرمان والليمون، في حين شملت الواردات الأرز والسكر والقهوة والأقمشة القطنية والنفط والسلع الاستهلاكية اليومية.
وتكشف مذكراته عن حجم الغموض الذي كانت تمثله الجزيرة العربية لدى اليابانيين في مطلع القرن العشرين؛ إذ يعترف بأنه شعر بشيء من الرهبة قبل دخوله عُمان، فحرص على اتخاذ احتياطات خاصة اعتقد أنها ستساعده على الاندماج في البيئة الجديدة وتقليل حساسية السكان تجاه الأجانب.
فقد وصل إلى مسقط مرتديًا بدلة واقية من حرارة الطقس صُنعت له في كلكتا، إضافة إلى قبعة خاصة اشتراها من هناك، محاولًا الظهور بمظهر رجل أعمال هندي ميسور الحال. كما بذل جهدًا لتعلم بعض العبارات الدينية والكلمات العربية الأساسية قبل رحلته، فحفظ عبارات الأذان والتكبير والشهادة، إلى جانب عدد من الكلمات الشائعة مثل: «أيوا»، و«لا»، و«كم»، و«ما هذا؟»، معتقدًا أن معرفته بهذه المفردات البسيطة قد تساعده على كسب ودّ السكان والتخفيف من الحواجز اللغوية والثقافية التي كان يتوقع مواجهتها.
وتعكس هذه التفاصيل مقدار الجرأة التي اتسمت بها رحلته؛ فالرجل الذي تجاوز الستين من عمره آنذاك لم يكتفِ بالسفر منفردًا إلى منطقة بعيدة عن وطنه آلاف الكيلومترات، بل حاول أن يهيئ نفسه نفسيًا وثقافيًا للتواصل مع مجتمع لم يكن معروفًا على نطاق واسع لدى اليابانيين في ذلك الوقت.
“مدينة محرّمة”.. مسقط كما رآها الرحالة الياباني
لم يكن وصول شيغا شيجيتاكا إلى مسقط تجربة عادية بالنسبة له، فقد جاء إلى عُمان وهو يحمل في ذهنه صورة غامضة عن الجزيرة العربية، حتى إنه يذكر أنه كان يردد أبياتًا للشاعر والمؤرخ الياباني الشهير سانيُو راي (1780-1832م) ليستمد منها الشجاعة وهو يقترب من الأراضي العُمانية، ويشير إلى أنه كان يستحضر قصة الشاعر الذي شجّع نفسه بالأبيات ذاتها أثناء عبوره إحدى النقاط الحدودية في اليابان، الأمر الذي يعكس حجم التوجس الذي كان يشعر به قبل وصوله إلى بلاد العرب.
وعندما اقتربت السفينة من مسقط، وجد نفسه أمام مشهد لم يرَ له مثيلًا من قبل، فقد وصف الجبال الصخرية المحيطة بالمدينة بأنها ترتفع مباشرة من البحر الهادئ كأنها حواجز طبيعية هائلة، ويعترف بأنه عجز عن إيجاد الكلمات المناسبة لوصف ذلك المنظر الفريد، فلا كلمة “شاهقة” ولا “مرتفعة” ولا “وعرة” كانت كافية في نظره للتعبير عن طبيعة المكان.

وبعد محاولات عديدة للبحث عن وصف مناسب، استقر في النهاية على كلمة واحدة هي: “المحرّمة” أو “المدينة المحرّمة”، إذ رأى أن الجبال والحصون والأبراج الموزعة فوق القمم الصخرية توحي وكأنها شُيّدت لمنع الغرباء من دخول المدينة. كما لفت نظره انتشار المدافع في الحصون المطلة على الميناء، وهو ما أضفى على المشهد مزيدًا من الهيبة والرهبة.
كما سجّل الرحالة الياباني ملاحظات دقيقة عن شوارع مسقط، فأشار إلى أنها كانت ضيقة للغاية، حتى إن الشارع الرئيس المقابل للقصر السلطاني لم يتجاوز عرضه بضعة أمتار، بينما كانت بعض الأزقة لا يزيد عرضها على متر واحد تقريبًا.
موقف طريف في موكب زفاف
من أطرف المواقف التي دوّنها شيغا خلال زيارته أنه صادف موكب زفاف أثناء سيره إلى القصر السلطاني، وقد لفتت هيئته انتباه المشاركين في الموكب، إذ يبدو أن معظمهم لم يشاهدوا شخصًا يابانيًا من قبل.
ويصف الموكب بأنه كان يضم نحو ثلاثين شخصًا، غالبيتهم من النساء، يتقدمهم رجال يقرعون الطبول، تتبعهم امرأة تحمل المبخرة، ثم عدد من الرجال والنساء يحملون أواني وأطباقًا فوق رؤوسهم، بينما كانت مجموعة من النساء تنشد أهازيج احتفالية متناغمة.
ويذكر شيغا أن جميع أفراد الموكب توقفوا فجأة ونظروا إليه في وقت واحد عندما التقوا به في الطريق، الأمر الذي وضعه في موقف محرج ومثير للدهشة، وللتغلب على هذا الموقف غير المتوقع، صعد فوق صخرة قريبة وبدأ يغني النشيد الوطني الياباني “كيميغايو”.
لكن رد الفعل جاء مختلفًا عما توقعه؛ إذ انفجر أفراد الموكب بالضحك وهم يشاهدون ذلك الزائر القادم من أقصى شرق آسيا يقف فوق صخرة في أحد أزقة مسقط مرددًا كلمات لا يفهمها أحد سواه، لتتحول اللحظة إلى واحدة من أكثر المواقف طرافة في رحلته العُمانية.
وتكشف هذه الرواية أن سكان مسقط كانوا ينظرون إلى الزائر الياباني بالقدر نفسه من الفضول الذي كان ينظر به هو إليهم؛ فبينما وصل شيغا وهو يحمل تصورات غامضة عن بلاد العرب، وجد العُمانيون أنفسهم أمام رجل قادم من بلدٍ بعيد لم يعتادوا رؤية أبنائه، ومن هذا التفاعل الإنساني البسيط نشأت واحدة من أقدم الشهادات اليابانية الموثقة عن المجتمع العُماني في القرن العشرين.
المراجع
- إندو، هارو. عمان واليابان تبادل ثقافي مجهول بين البلدين، ترجمة د. مجدي حاج إبراهيم، ذاكرة عمان، مسقط، 2018.
- عبد العزيز، محمد غلام محي الدين. رحلتي في ظل سلاطين الحكمة، مطبعة جامعة السلطان قابوس، مسقط، 2025
- Haruo Endo، Oman and Japan Unknown Cultural Exchange between the two countries، 2012





