هل ترامب “سيزيف” العصر؟

يعرقل ترامب مسار المفاوضات الأمريكية الإيرانية التي توسطت فيها سلطنة عمان وباكستان خلال عامي 2025 و2026، حيث أنهى التفاهمات مع عراقجي بشن هجمات عسكرية.

هل ترامب “سيزيف” العصر؟
هل ترامب “سيزيف” العصر؟
أثير - الركابي حسن يعقوب
أسطورة “صخرة سيزيف” هي واحدة من أساطير الأولين اكتتبها المدونون والمؤرخون وأثبتوها كواحدة من أشهر الأساطير الإغريقية ضمن عدد هائل من الأساطير التي انطوت عليها الحضارة اليونانية.
والأسطورة اصطلاحًا هي قصة أو حكاية رمزية نابعة من خيال جمعي تحمل بين ثناياها أبعادًا فلسفية وأخلاقية وأيديولوجية تمثل في الغالب رؤية الشعوب وتصوراتهم البدائية عن الحياة والوجود، والأسطورة مقدسة عند من يعتقدون فيها.
وأسطورة سيزيف تحكي عن الملك سيزيف الذي كان ملكًا على ”كورنث“، وبحسب الأسطورة فقد كان سيزيف ملكًا ماكرًا حُكم عليه بعقوبة أبدية تتمثل في إجباره على دحرجة صخرة ضخمة لأعلى الجبل، وكان كلما أوشك على الوصول بالصخرة إلى قمة الجبل حتى تتدحرج للأسفل فيؤمر مرة أخرى على إعادة الكرّة ودحرجة الصخرة إلى الأعلى، فيتكرر المشهد بسقوط الصخرة قبل أن يبلغ بها قمة الجبل، وهكذا إلى ما لا نهاية.
والأسطورة ترمز بتفاصيلها هذه إلى ”العبثية“، وإلى الشقاء المستديم والعودة على بدء إلى نقطة الصفر بعد بذل مجهود كبير ومتعب لكن دون جدوى، حيث يتبدد كل ذلك عند عتبة بلوغ الهدف والاضطرار لتكرار نفس الفعل وجني نفس النتيجة وهي الفشل.
الرئيس ترامب في إدارته للحرب والسلام مع إيران ظل يمارس نفس الدور الذي مارسه الملك الإغريقي سيزيف مع الفارق، والفارق بينه وبين سيزيف ”سيد الاسم“، أن هذا الأخير كان يُقضي عقوبة فرضت عليه ولا خيار له، فقد كان مكرهًا ومجبرًا بحسب الأسطورة، بينما الرئيس ترامب اختار هذا الدور طوعًا لا كرهًا، والأغرب أنه في كل مرة يعيد فيها دحرجة الصخرة إلى أعلى الجبل كان يتوقع نتيجة مغايرة، لكن ذلك لا يحدث بالطبع، فتتدحرج الصخرة بذات الطريقة، ويعيد الرئيس الفعل فتأتي النتيجة نفسها.
ففي يونيو 2025 لعبت سلطنة عمان دور الوسيط في جولات محادثات غير مباشرة بين ”ستيف ويتكوف“ ووزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي في العاصمة العمانية مسقط، ورغم أن الوساطة العمانية نجحت في تضييق شقة الخلاف بين الجانبين وتقريب وجهات النظر والمواقف بين الطرفين، حتى إنه تم طرح مقترحات متقدمة تتعلق بخفض تخصيب اليورانيوم الإيراني مقابل رفع العقوبات، إلا أن الرئيس ترامب اختار أن يدع صخرة المحادثات تتدحرج بعد أن كانت قاب قوسين أو أدنى من قمة الجبل، بدفع من صديقه نتنياهو الذي أوعز إليه بذلك ودله بغرور إلى خيارٍ يقصر الطريق ويختصر الزمن، فشن في خضم المحادثات الحرب على إيران فيما عرف بـ ”حرب الـ12 يومًا”. قام فيها سلاح الجو الأمريكي بقصف منشآت نووية إيرانية وانهارت المفاوضات وتدحرجت صخرتها إلى سفح الجبل!!
ثم في فبراير من العام 2026 عادت المفاوضات مرة أخرى بوساطة عمانية أيضًا عبر جولات عقدت في جنيف وصفها ترامب أثناء انعقادها بأنها تسير على ما يرام وتوقع لها أن تكون مثمرة، وكانت كل التقارير والتسريبات تقول إنها ناجحة، وتوشك أن تبلغ منتهاها بتوقيع اتفاق مرضٍ يضع حدًّا للخلاف الإيراني الأمريكي ويطوي ملف البرنامج النووي الإيراني، ولكن سيزيف العصر كان حاضرًا، فقبيل تتويج المفاوضات بمسودة اتفاق بين الطرفين، ووسط تفاؤل كبير وفرحة واسعة بقرب التوصل لاتفاق، شنت الطائرات الأمريكية والإسرائيلية في الثامن والعشرين من فبراير، وفي خضم انعقاد المفاوضات، هجومًا عنيفًا طال منشآت ومواقع عسكرية ومدنية إيرانية، كان من بينها مدرسة ميناب للبنات قُتلن جميعهن بصواريخ توماهوك الأمريكية في مأساة هزت الضمير العالمي. وتم اغتيال المرشد الإيراني الراحل علي خامنئي وعدد من القادة السياسيين والعسكريين والأمنيين الإيرانيين، فانهارت المفاوضات للمرة الثانية وتدحرجت إلى أسفل الجبل!!
ثم ما لبثت أن استؤنفت المفاوضات بوساطة باكستانية هذه المرة في العاصمة إسلام أباد، بذلت فيها باكستان مجهودًا خرافيًا قال الرئيس ترامب إنها مبشرة وستتمخض عن اتفاق تاريخي يبز ويفوق اتفاق الرئيس أوباما، وملأت تصريحاته المتفائلة وسائل الإعلام ممزوجة بغطاء من وعيد وتهديد وعقاب يطال إيران إن هي لم ”تتعاون“، وقد توصل الطرفان بمساعدة الوسيط الباكستاني وبمساعي دبلوماسية قطرية إلى مذكرة تفاهم كانت محل احتفاء الرئيس ترامب ونالت إعجابه، حتى إنه استعجل توقيعها إلكترونيًا في باريس قبل يوم من موعدها الذي كان من المقرر أن يتم في سويسرا، وعمل على تسويقها وتقديمها للداخل الأمريكي باعتبارها إنجازًا شخصيًا له.
لكن بعد ثلاثة أسابيع من بدء سريانها مارس ترامب عادته للمرة الثالثة بتوجيه ضربات ”قوية“ لمنشآت ومواقع وبنى تحتية إيرانية أمس الأربعاء قال إنها عقابًا لإيران لخرقها بنود مذكرة التفاهم، متهمًا إياها بأنها وراء استهداف وضرب ثلاث سفن تجارية كانت في حالة عبور عبر مضيق هرمز، نفت إيران مسؤوليتها عنها، لكن سبقت الضربات الأمريكية العزل، وفي غضون ذلك أعلن ترامب: ”أن مذكرة التفاهم مع إيران قد انتهت“، وأضاف بعبارة مغلظة: “لا أريد التعامل مع الإيرانيين، أهدرنا كثيرًا من الوقت مع إيران ويجب علينا القيام بعملنا!!”
وبطبيعة الحال فإن الرئيس يعني بالقيام بالعمل أن يعود إلى القصف وأن يدع المفاوضات تتدحرج نحو الأسفل، وبينما أسطر هذا المقال ما تزال القنابل الأمريكية تتساقط فوق إيران في خمس محافظات إيرانية في الشمال والجنوب والشرق، وتصريحات ترامب النارية تملأ الآفاق والأسافير، وبعد أن نعى ترامب مذكرة التفاهم عاد لاحقًا إلى الطلب من إيران الالتزام ببنود المذكرة، مما يفهم منه أنه ما يزال ملتزمًا بها ويريدها أن تكون جسرًا يوصل إلى السلام!! أي إنه يريد أن يدحرج الصخرة مرة أخرى من السفح إلى الأعلى بعد أن تركها تسقط قبل بلوغها القمة..
والمصيبة الكبرى بشأن أسطورة صخرة الملك سيزيف أنها لم تحدد مصير الصخرة ولا مصير صاحبها سيزيف، وما إذا كان قد نجح في رفعها إلى قمة الجبل واستراح من العناء والشقاء، أم ظل يعيد التجربة مرات ومرات، أم أنها سقطت عليه ليستريح هو وتستريح هي..
ومصيبتنا نحن تكمن في عدم معرفة مصير صخرة سيزيف العصر ولا مصيره هو وكيف ومتى تنتهي الأسطورة.

شارك هذا الخبر