هتف في شوارع ظفار (جاء قابوس): تفاصيل من سيرة أحد رجال الظل في ليلة التاريخ العُماني

يستعرض التقرير سيرة الرائد سعيد بن علي جيح قطن ، ودوره بتأسيس قوات الفرق الوطنية حاملا الرقم F-001 حتى وفاته عام 1991.

هتف في شوارع ظفار (جاء قابوس): تفاصيل من سيرة أحد رجال الظل في ليلة التاريخ العُماني
الرائد سعيد بن علي جيح قطن
أثير- د. محمد بن حمد العريمي
في الأزمنة التي تمرّ فيها الأوطان بمنعطفاتٍ حاسمة، تبرز أسماء رجالٍ لم يكونوا مجرّد شهودٍ على الأحداث، بل كانوا جزءًا من تفاصيلها الدقيقة، وحجارةً أساسية في بناء المراحل الجديدة من تاريخها، ومن بين تلك الأسماء التي ارتبطت بسنوات التحوّل الكبرى، يبرز اسم الرائد سعيد بن علي جيح قطن، الرجل الذي خرج من جبال نحيز الهادئة ليجد نفسه في قلب أحداثٍ غيّرت وجه البلاد ومسارها إلى الأبد، والذي رحل عن دنيانا في العاشر من يوليو 1991، أي قبل (35) عامًا من الآن.
لقد عاش سعيد بن جيح زمنًا مضطربًا، كانت فيه ظفار مسرحًا للصراعات والتجاذبات السياسية والفكرية، وعاشت فيه عُمان مرحلةً من أصعب مراحل تاريخها الحديث، وبين الجبال الوعرة، ومعسكرات التدريب، وحقول النفط في الخليج، وممرات الحصون في ليلة الثالث والعشرين من يوليو 1970م، تشكّلت ملامح شخصية رجلٍ امتزجت في داخله صلابة المقاتل، وخبرة الميدان، وروح ابن المجتمع القريب من الناس.
وفي هذا التقرير، تقترب “أثير” من سيرة الرائد سعيد بن علي جيح قطن، لتستعرض محطاتٍ من حياته، منذ نشأته الأولى في جبال ظفار، مرورًا برحلاته في الخليج، وتحولاته السياسية والعسكرية، وصولًا إلى دوره في أحداث الثالث والعشرين من يوليو، وإسهاماته في بناء عُمان الحديثة، في محاولة لاستحضار جانبٍ من ذاكرة مرحلةٍ صنعت حاضر الوطن ومستقبله.
من شعاب نحيز إلى دروب الحياة الوعرة
ولد سعيد بن علي بن سهيل جيح قطن في وادي نحيز، أحد جبال المنطقة الوسطى بمحافظة ظفار، حوالي عام 1936م بحسب ما يظهر في جواز سفره الخاص، ونشأ في بيئةٍ جبلية بسيطة شكّلت ملامح شخصيته الأولى، حيث عاش تفاصيل الحياة التقليدية التي كانت سائدة في تلك المرحلة، فبدأ بتعلّم أبجديات القراءة والكتابة وفق الإمكانات المتاحة آنذاك، إلى جانب ممارسته عددًا من الأعمال المرتبطة بطبيعة المنطقة، وفي مقدمتها رعي الماشية والتنقل بين الشعاب والسهول الجبلية.
وكانت ظفار في تلك الحقبة تعاني محدودية الخدمات التعليمية والاقتصادية، إذ لم تكن هناك مدارس نظامية حديثة سوى المدرسة السعيدية في صلالة. كما كانت فرص العمل شحيحة، الأمر الذي دفع كثيرًا من أبناء ظفار وعُمان إلى الهجرة بحثًا عن لقمة العيش ومستقبلٍ أفضل في دول الخليج العربي التي بدأت تشهد تحولات اقتصادية متسارعة مع بدايات الطفرة النفطية.
رحلة الغربة الأولى.. من جبال ظفار إلى مدن النفط
في هذا السياق، قرر سعيد بن علي بن سهيل جيح قطن خوض تجربة السفر مبكرًا، فتوجّه في خمسينيات القرن العشرين إلى دولة الكويت التي كانت آنذاك إحدى الوجهات الرئيسة للشباب العُماني والعربي، نظرًا لما توفره من فرص عمل ودراسة في ظل النمو الاقتصادي الكبير الذي شهدته البلاد بعد اكتشاف النفط، وقد كانت رحلته الأولى بمثابة محاولة لاستطلاع الواقع الجديد والتعرّف إلى طبيعة الحياة هناك، غير أن إقامته في الكويت لم تدم طويلًا، إذ قرر لاحقًا الانتقال إلى المنطقة الشرقية بالمملكة العربية السعودية، حيث كانت تتوافر فرص العمل بصورة أكبر، خصوصًا في المنشآت النفطية التابعة لشركة أرامكو، إلى جانب وجود جالية عُمانية ساعدت الكثير من القادمين الجدد على الاستقرار والتأقلم مع الحياة هناك.
أرامكو.. المدرسة التي صقلت خبراته وفتحت له أبواب العالم
في المنطقة الشرقية من المملكة العربية السعودية، التحق سعيد بن علي جيح قطن بالعمل في شركة أرامكو، التي كانت تُعد آنذاك واحدة من أكبر القلاع الصناعية والنفطية في المنطقة، ومركزًا اقتصاديًا استقطب آلاف العاملين من مختلف الجنسيات والخلفيات، وقد شكّلت تلك المرحلة محطةً مهمة في حياته، إذ أتاح له العمل في أرامكو فرصة الاحتكاك المباشر ببيئة عمل حديثة تختلف كثيرًا عمّا عرفه في سنواته الأولى بجبال ظفار.
وخلال فترة عمله هناك، تعلّم مبادئ الميكانيكا وبعض المهارات الفنية المرتبطة بصيانة المعدات والأعمال التشغيلية، وهي خبرات كانت ذات قيمة كبيرة في ذلك الزمن. كما بدأ يكتسب أولى معارفه باللغة الإنجليزية من خلال تعامله اليومي مع الموظفين والخبراء الأجانب العاملين في الشركة، الأمر الذي ساعده لاحقًا على توسيع مداركه والانفتاح على تجارب جديدة في مجالات العمل والإدارة.
ولم يقتصر نشاطه في المنطقة الشرقية على العمل الوظيفي فقط، بل اتجه كذلك إلى ممارسة النشاط التجاري، حيث خاض بعض التجارب في مجال المقاولات والأعمال الحرة، مستفيدًا من الحركة العمرانية والاقتصادية النشطة التي شهدتها المنطقة في تلك الفترة، وقد عُرف عنه الطموح والسعي الدائم إلى تحسين أوضاعه المعيشية وبناء مستقبلٍ أفضل لأسرته.
وفي إطار اهتمامه بالتعليم وإدراكه لأهميته في صناعة المستقبل، حرص سعيد بن علي جيح قطن على إلحاق أبنائه بالمدارس النظامية الحديثة في المملكة العربية السعودية، في وقتٍ كانت فيه فرص التعليم الحديث محدودة في كثير من مناطق عُمان، وظل أبناؤه هناك يواصلون دراستهم حتى إكمال المرحلة الثانوية، حتى بعد عودته هو شخصيًا إلى عُمان في أواخر ستينيات القرن العشرين، في خطوة تعكس وعيه المبكر بأهمية التعليم ودوره في بناء الأجيال.
أثناء عمله في شركة أرامكو مطلع الستينيات الميلادية
أثناء عمله في شركة أرامكو مطلع الستينيات الميلادية
من الغربة إلى الانخراط في الحراك السياسي والعسكري بظفار
على الرغم من وجود سعيد بن علي جيح قطن في مدينة الدمام بالمملكة العربية السعودية، وانشغاله بالعمل والحياة المعيشية، إلا أن ارتباطه بوطنه وبيئته الأصلية في ظفار ظل حاضرًا بقوة في وجدانه، حيث كان يتابع باهتمام الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية والسياسية التي كانت تعيشها المنطقة في تلك المرحلة، وقد شكّلت معاناة الأهالي وضعف الخدمات وغياب فرص التنمية دافعًا لدى كثير من الشباب العماني من ظفار للبحث عن وسائل للتغيير، وكان سعيد بن جيح قطن من بين أولئك الذين انشغلوا مبكرًا بالشأن المحلي وسعوا لفهم التحولات التي بدأت تتشكل في المنطقة.
ومع تصاعد الحراك السياسي بين بعض الشباب في مطلع الستينيات، اقترب سعيد بن جيح قطن من تلك التنظيمات والتحركات التي سبقت انطلاق العمل المسلح، وهي التحركات التي مهّدت لاحقًا للأحداث التي عاشتها ظفار طوال عقدٍ كامل، وشهدت خلالها المنطقة تحولات سياسية وفكرية وعسكرية عميقة تركت أثرها على تاريخ عُمان الحديث.
ويشير الباحث محمد سعيد دريبي العمري إلى أنه مع بدايات إرهاصات الثورة في ظفار، قام الإمام غالب بن علي الهنائي بتقديم الدعم المالي للتنظيمات الظفارية المسلحة التي كانت في طور التشكّل آنذاك. كما فتح أبواب معسكره التدريبي في العراق لاستقبال المتطوعين الراغبين في حمل السلاح وتلقي التدريبات العسكرية الأولية، وقد بلغ عدد المتدربين في منتصف عام 1964م نحو ثلاثين فردًا، كان يشرف على تدريباتهم سعيد بن علي جيح قطن، في دلالة على حضوره المبكر ضمن القيادات الميدانية والتنظيمية المرتبطة بتلك المرحلة.
ويشير الباحث محمد سعيد دريبي العمري في السياق ذاته إلى أن سعيد بن علي جيح قطن أبدى موقفًا معارضًا لبعض التفاهمات التي جرت بين الإمام غالب بن علي وبعض ممثلي التنظيمات الظفارية المسلحة في تلك المرحلة، إذ يذكر أنه عندما علم بالاتفاق الذي تم التوصل إليه بين الطرفين، قام مع عددٍ من الجنود الذين كانوا معه بتنظيم مظاهرة احتجاجية أمام مكتب الإمام. كما أوقف التدريبات العسكرية وغادر العراق عائدًا إلى المملكة العربية السعودية، في خطوة هدفت – بحسب الرواية – إلى إفشال الاتفاق الذي أُبرم بين الإمام ووفد التنظيمات الظفارية.
ويضيف العمري أن نهاية شهر نوفمبر عام 1964م شهدت عقد اجتماعات موسعة بين ممثلي التنظيمات الظفارية، وذلك في إطار السعي إلى دمج تلك التنظيمات في كيانٍ موحّد يقود العمل السياسي والعسكري في المرحلة المقبلة. وفي هذا السياق، جرى استدعاء سعيد بن جيح قطن للمشاركة في تلك الاجتماعات، فحضر إلى الكويت برفقة عددٍ من زملائه، من بينهم مسعود جعبوب المعروف بلقب “خنتور”.
غير أن الاجتماعات – وفق الرواية ذاتها – لم تنجح في إقناع سعيد بن جيح بالانضمام إلى الجبهة الموحّدة التي كان يجري العمل على تشكيلها، الأمر الذي دفعه إلى العودة مجددًا إلى المملكة العربية السعودية، حيث تمكن لاحقًا من التأثير في موقف الإمام غالب بن علي تجاه تلك التنظيمات، إذ تراجع الإمام عن التنسيق مع اللجان التي تمثلها، وأبلغهم بأن دعمه ومساعداته ستقتصر على ممثلي ابن نفل فقط، وهو ما يعكس حجم التعقيدات والانقسامات السياسية والتنظيمية التي كانت تشهدها الساحة الظفارية في تلك المرحلة المبكرة من الصراع.
من صفوف الثورة إلى العمل مع قوات السلطان
خلال النصف الثاني من ستينيات القرن العشرين، وبعد اندلاع ما عُرف بثورة ظفار، عاد سعيد بن علي جيح قطن إلى موطنه في ظفار، تاركًا أسرته في مدينة الدمام بالمملكة العربية السعودية، حيث كان أبناؤه الكبار يواصلون تعليمهم هناك، وقد جاءت عودته في ظل التحولات السياسية والعسكرية المتسارعة التي شهدتها المنطقة آنذاك، ورغبته في الاقتراب من مجريات الأحداث والمشاركة في رسم مستقبل بلاده.
وفي بدايات عودته، سعى سعيد بن جيح إلى الانضمام إلى الجبهة، شأنه شأن عددٍ من أبناء ظفار الذين رأوا في الحركة آنذاك وسيلة للمطالبة بتحسين الأوضاع المعيشية والاجتماعية والسياسية. غير أنه لم يستمر طويلًا ضمن صفوفها، إذ سرعان ما غادرها بعد أن شعر – بحسب ما يروى عنه – بأن مسار الثورة بدأ ينحرف عن أهدافه الأساسية، مع دخول أفكارٍ وتوجهات أيديولوجية دخيلة على المجتمع المحلي وتركيبته التقليدية.
وعقب خروجه من الجبهة، قام بتسليم نفسه إلى قوات السلطان سعيد بن تيمور، لينتقل بعدها إلى مرحلة جديدة من حياته ارتبطت بالعمل العسكري والأمني إلى جانب قوات السلطان، مستفيدًا من خبرته الميدانية ومعرفته الدقيقة بطبيعة المجتمع الظفاري والبيئة الجغرافية في المنطقة.
وخلال الفترة الممتدة حتى أحداث الثالث والعشرين من يوليو 1970م، عمل سعيد بن علي جيح قطن قريبًا من السلطان سعيد بن تيمور. كما انضم إلى المكتب السياسي (المخابرات)، الذي كان مقره في معسكر أم الغوارف، وهو الجهاز الذي أدّى دورًا مهمًا في متابعة التطورات الأمنية والسياسية في ظفار خلال تلك المرحلة الحساسة.
قيادة معسكر أم الغوارف عام 1969 حيث مقر المكتب السياسي (المخابرات)
قيادة معسكر أم الغوارف عام 1969 حيث مقر المكتب السياسي (المخابرات)
وضمّ المكتب السياسي عددًا من الشخصيات التي برز بعضها لاحقًا في مواقع عسكرية ومدنية مهمة، من بينهم النقيب آنذاك ثيمتي لاندن، والشيخ عبدالله بن سالم الزيدي، والوزير المتقاعد أحمد بن سويدان البلوشي، واللواء لاحقًا يحيى بن ناصر الفهدي، وخلفان بن سالم المعمري، وسعيد بن علي العفاري، وغيرهم من الشخصيات التي ارتبطت بمراحل التأسيس الأولى للدولة الحديثة.
عدد من منتسبي المكتب السياسي في عام 1969 ومن ضمنهم سعيد بن علي جيح. كتاب رحلتي في عالم الاتصالات
عدد من منتسبي المكتب السياسي في عام 1969 ومن ضمنهم سعيد بن علي جيح. كتاب رحلتي في عالم الاتصالات
في سيارة الأمن السياسي أثناء إحدى المهمات. كتاب رحلتي في عالم الاتصالات
في سيارة الأمن السياسي أثناء إحدى المهمات. كتاب رحلتي في عالم الاتصالات
وقد اضطلع سعيد بن علي جيح قطن بأدوارٍ مهمة داخل ذلك الجهاز، مستفيدًا من معرفته العميقة بواقع المجتمع المحلي في ظفار، وعلاقاته الواسعة بأبناء المنطقة، إلى جانب إجادته التحدث باللهجة المحلية التي كانت تُعد عنصرًا مهمًا في التواصل مع الأهالي وفهم طبيعة المجتمع المحلي، فضلًا عن معرفته باللغة الإنجليزية التي اكتسبها خلال سنوات عمله في المملكة العربية السعودية، الأمر الذي جعله من الشخصيات ذات القيمة في العمل الميداني والاستخباراتي آنذاك.
سعيد بن علي جيح ممسكًا بالمنظار المقرّب أثناء إحدى المهام
سعيد بن علي جيح ممسكًا بالمنظار المقرّب أثناء إحدى المهام
مبشّر النهضة في شوارع ظفار
عندما أعلن السلطان قابوس بن سعيد -طيّب الله ثراه- توليه مقاليد الحكم في الثالث والعشرين من يوليو 1970م، كان سعيد بن علي جيح قطن من أوائل الذين حملوا بشائر المرحلة الجديدة إلى الناس، إذ وقف على مقدمة إحدى السيارات العسكرية يجوب شوارع صلالة، وهو يعلن بصوتٍ مفعم بالفرح والحماس خبر تولّي السلطان الشاب الحكم، وبداية عهدٍ جديد لعُمان.
سعيد بن علي أعلى إحدى السيارات العسكرية داخل الحصن مبشرًا بحكم السلطان
سعيد بن علي أعلى إحدى السيارات العسكرية داخل الحصن مبشرًا بحكم السلطان
وقد ظلّ ذلك المشهد راسخًا في ذاكرة كثيرٍ من كبار السن في ظفار، خصوصًا في المناطق التي مرّت بها السيارة العسكرية آنذاك، حيث ما يزال البعض يتذكر صيحات سعيد بن جيح المفعمة بالأمل وهو يبشّر الناس بمقدم قائد النهضة العُمانية وبانيها، السلطان قابوس بن سعيد، في لحظةٍ شعر فيها الأهالي بأن البلاد تقف على أعتاب تحول تاريخي غير مسبوق.
وكانت تلك اللحظات تحمل بالنسبة لأبناء ظفار، بل عمان بشكلٍ عام، معنىً استثنائيًا، فقد جاءت بعد سنوات من الاضطرابات والصراعات والظروف الصعبة، لذلك استقبل الناس الخبر بمشاعر امتزج فيها الفرح بالدهشة والترقّب، وفي خضم تلك الأجواء، برز سعيد بن جيح قطن كأحد الوجوه التي ارتبطت بنقل البشرى الأولى للناس، ليس بصفته رجلًا عسكريًا فحسب، بل باعتباره واحدًا من أبناء المجتمع الذين عاشوا معاناة المرحلة السابقة، وآمنوا بأن التغيير القادم قد يفتح بابًا واسعًا نحو الأمن والاستقرار والتنمية.
وقد تحوّل صوت سعيد بن جيح في تلك الساعات إلى صوتٍ يختصر تطلعات جيلٍ كامل كان ينتظر ميلاد عُمان الجديدة، لذلك بقي حضوره في ذاكرة الناس مرتبطًا بتلك اللحظة التاريخية التي بدأ معها فجر النهضة العُمانية الحديثة.
سعيد بن جيح قطن وقوات الفرق الوطنية
كان سعيد بن علي بن سهيل جيح قطن من ضمن الشخصيات التي أدّت دورًا في تأسيس “قوات الفرق الوطنية” بمحافظة ظفار، وهي القوات التي أسهمت بصورة فاعلة في تثبيت الأمن ومساندة الدولة خلال سنوات التحديات والصراعات التي عاشتها المحافظة في سبعينيات القرن العشرين.
وكانت القيادة السياسية والعسكرية، مدعومة بالتقارير الاستخباراتية والميدانية، قد أدركت أهمية إيجاد قوات محلية مساندة تتكون من أبناء المجتمع الظفاري أنفسهم، ولا سيما أولئك الذين سبق لهم الانتماء إلى صفوف الجبهة، بحكم معرفتهم الدقيقة بطبيعة المنطقة الجغرافية ومسالكها الجبلية الوعرة، وقدرتهم على التحرك بسهولة داخل تلك التضاريس المعقدة، فضلًا عن امتلاكهم خبرة في أساليب القتال وحركة المجموعات المسلحة؛ لذلك أوكلت إلى هذه الفرق مهام متعددة، من بينها الحراسة والاستطلاع وجمع المعلومات ومساندة قوات السلطان المسلحة في العمليات الميدانية.
وفي هذا الإطار، بدأت عملية تشكيل قوات الفرق الوطنية بصورة تدريجية، حيث تم تأسيس عددٍ من الفرق التي حملت أسماء ذات دلالات تاريخية وقومية ودينية، كان أولها “فرقة صلاح الدين” برئاسة سالم بن مبارك المعشني، والتي تُعد أول فرقة يتم تشكيلها رسميًا بتاريخ 28 ديسمبر 1970م.
وفي شهري مارس وإبريل من عام 1971م، تواصلت عملية تأسيس الفرق، فتم تشكيل “فرقة العاصفة” في منطقة نجد ظفار من رجال المهرة، وكانت تُعرف في بداية تأسيسها باسم “فرقة الإخلاص”. كما شكّلت قبائل بيت كثير “فرقة النصر”، تلاها تأسيس “فرقة خالد بن الوليد” في مدينة طاقة بناءً على اقتراح الشيخ بريك بن حمود والي ظفار، ثم “فرقة جمال عبد الناصر” في مدينة سدح.
وخلال شهري يونيو ويوليو من العام نفسه، اتسع نطاق هذه التشكيلات، فتم إنشاء “فرقة طارق بن زياد” في غرب ظفار، إلى جانب “صلاح الدين” الثانية في المنطقة الشرقية من ظفار، و“فرقة العمري” في مرباط، إضافة إلى “فرقة العروبة” و“فرقة المستعجلة“، وغيرها من الفرق التي أصبحت لاحقًا جزءًا مهمًا من منظومة العمل العسكري والأمني في المحافظة.
وقد حققت قوات الفرق الوطنية نجاحًا ملحوظًا في استقطاب المواطنين وكسب ثقتهم، من خلال تقديم مختلف الخدمات الصحية والتموينية والأمنية، إلى جانب دورها في توفير معلومات دقيقة عن مواقع وتحركات الثوار، ومساندة قوات السلطان المسلحة في تنفيذ العمليات العسكرية ضد التمرد.
وفي خضم هذه المرحلة، برز دور الضابط سعيد بن علي جيح قطن، حيث كان من الشخصيات التي اضطلعت بدورٍ مهم في الحشد لتكوين هذه الفرق وتشجيع أبناء القبائل والمجتمعات المحلية على الانضمام إليها، مستفيدًا من علاقاته ومعرفته العميقة بطبيعة المجتمع الظفاري، الأمر الذي جعله من الشخصيات المؤثرة في مرحلة بناء الفرق الوطنية وتحويلها إلى قوة مساندة أدّت دورًا محوريًا في استعادة الاستقرار في ظفار.
مع عدد من منتسبي قرات الفرق الوطنية
مع عدد من منتسبي قرات الفرق الوطنية
خلال عمله في قوات الفرق
خلال عمله في قوات الفرق
ويذكر الشيخ سعيد بن علي السعدوني أنه عند وصولهم إلى صلالة قادمين من مسقط إثر مباركتهم للسلطان قابوس بعد توليه زمام الحكم في 23 يوليو 1970، كان الموكّل باستقبالهم هناك، سعيد بن علي بن سهيل جيح قطن من قوات الفرق الوطنية.
مع عدد من أفراد قوات الفرق الوطنية
مع عدد من أفراد قوات الفرق الوطنية
خبر في مجلة العقيدة يعود إلى عام 1972
خبر في مجلة العقيدة يعود إلى عام 1972
الرقم العسكري الأول
بحسب بطاقته العسكرية، مُنح الضابط سعيد بن علي جيح قطن الرقم العسكري (F-001)، وهو رقم يحمل دلالة رمزية كبيرة في تاريخ قوات الفرق الوطنية، إذ يعكس مكانته بوصفه واحدًا من أوائل الضباط والشخصيات التي ارتبطت بتأسيس هذه القوات وتنظيمها خلال السنوات الأولى من مرحلة ما بعد الثالث والعشرين من يوليو 1970م.
وقد ظل هذا الرقم مسجلًا باسمه حتى وفاته، ليبقى شاهدًا على موقعه في بدايات تشكيل الفرق الوطنية، وعلى الدور الذي اضطلع به في مرحلةٍ كانت فيها البلاد تخوض واحدة من أكثر الفترات حساسية في تاريخها الحديث، وتعمل على بناء مؤسساتها الأمنية والعسكرية في ظل ظروف استثنائية معقدة.
مصافحًا السلطان قابوس أثناء إحدى المناسبات في الحصن حوالي عام 1982
مصافحًا السلطان قابوس أثناء إحدى المناسبات في الحصن حوالي عام 1982
قوةٌ وصلابة وروحٌ لا تعرف الانكسار
اشتهر الرائد سعيد بن علي جيح قطن بين رفاقه ومعارفه بالقوة الجسمانية والشجاعة الفائقة وقدرته الكبيرة على التحمّل، وهي صفات ارتبطت بشخصيته منذ سنوات شبابه الأولى في جبال ظفار، ثم ازدادت وضوحًا خلال سنوات العمل العسكري والأمني التي خاض خلالها ظروفًا ميدانية قاسية تطلبت قدرًا عاليًا من الصبر والصلابة.
ومن المواقف التي تكشف جانبًا من شخصيته وقدرته الاستثنائية على التحمّل، ما يرويه الوزير المتقاعد أحمد بن سويدان البلوشي، الذي عمل إلى جانبه في المكتب السياسي أواخر ستينيات القرن العشرين، حيث يقول:
“وكان من بيننا سعيد بن جيح، الذي أذكر له أنه إذا ما شعر بوعكة صحية لا يذهب إلى المستشفى، وإنما يقوم بمعالجة نفسه، وذلك بإحضار الميسم (أداة الكيّ)، فيقوم بتسخينها على الموقد الخاص بالطبخ حتى تحمرّ، ثم يقف أمام المرآة ويقوم بكيّ نفسه، ونحن ننظر متعجّبين، ثم يشير إلينا إذا ما كان فينا من يشتكي من ألمٍ أو مرض أو من يتطوع للعلاج! رحمه الله، كم كان رجلًا طيبًا ودودًا”.
وتعكس هذه الرواية جانبًا من طبيعة الحياة التي عاشها رجال تلك المرحلة، حيث كانت وسائل العلاج الحديثة محدودة، فيما ظل الكيّ الشعبي واحدًا من أساليب التداوي المعروفة في البيئات المحلية. لكنها في الوقت نفسه تكشف عن شخصية سعيد بن جيح الصلبة، وقدرته اللافتة على تحمّل الألم، إلى جانب روحه المرحة والقريبة من رفاقه، إذ لم يكن مجرد رجلٍ عسكري صارم، بل شخصية اتسمت بالبساطة والود وروح الألفة التي جعلته يحظى بمحبة من عملوا معه وعرفوه عن قرب.
صورة جماعية خلال إحدى المناسبات العسكرية
صورة جماعية خلال إحدى المناسبات العسكرية
جراح المعارك وثمن الانحياز للوطن
خلال مسيرته الطويلة في المجال العسكري، واجه الرائد سعيد بن علي جيح قطن العديد من التحديات والمخاطر، وذلك بحكم انحيازه إلى جانب السلطان والدولة في واحدة من أكثر الفترات اضطرابًا في تاريخ ظفار الحديث، فقد كانت مشاركته في المهام الميدانية والأمنية، تجعله عرضةً بصورة دائمة للاستهداف والمواجهة المباشرة.
وقد دفع سعيد بن جيح ثمن تلك المواقف من جسده، إذ تعرض خلال سنوات الصراع للإصابة أكثر من مرة، فأصيب برصاصة في رجله. كما أصيب برصاصة أخرى في زند يده، وهي إصابات تعكس طبيعة الظروف القاسية التي عاشها رجال تلك المرحلة، وما كانوا يواجهونه من مخاطر يومية في الجبال والوديان ومناطق الاشتباك المختلفة.
غير أن تلك الإصابات لم تُثنه عن مواصلة دوره العسكري والأمني، بل ظل حاضرًا في الميدان، وقد عُرف عنه تحمّله الكبير للآلام وصبره على المشاق، وهي صفات ازدادت رسوخًا فيه بفعل سنوات الحرب والعمل الميداني الطويل.
إحدى الإصابات التي تعرض لها الرائد سعيد بن علي جيح أثناء اشتباك ضد قوات الجبهة
إحدى الإصابات التي تعرض لها الرائد سعيد بن علي جيح أثناء اشتباك ضد قوات الجبهة
مجلسٌ مفتوح وأدوارٌ اجتماعية
على الرغم من انشغالاته العسكرية والأمنية الكثيرة بحكم طبيعة عمله والمسؤوليات التي اضطلع بها خلال سنوات التحولات التي شهدتها ظفار، إلا أن الرائد سعيد بن علي جيح قطن لم يكن بعيدًا عن مجتمعه، فقد ظل حاضرًا في المشهد الاجتماعي، مؤديًا أدوارًا إنسانية واجتماعية متعددة فرضتها عليه طبيعة تنشئته القبلية، والظروف الاجتماعية التي كانت تعيشها المنطقة في تلك المرحلة.
وقد عُرف مجلسه الكائن في مزرعته بمنطقة صلالة الشرقية، بأنه واحد من المجالس التي يقصدها الناس لحل المشكلات الاجتماعية والنظر في القضايا والخلافات المختلفة، حيث كان يستقبل الأهالي بروحٍ ودودة وحرصٍ على الإصلاح وتقريب وجهات النظر، مستفيدًا من مكانته وخبرته الواسعة في التعامل مع الناس.
أمام مدخل بيته الكائن في مزرعته بمنطقة صلالة الشرقية
أمام مدخل بيته الكائن في مزرعته بمنطقة صلالة الشرقية
ولم يقتصر دوره على الإصلاح الاجتماعي فحسب، بل امتد كذلك إلى مساعدة الشباب الباحثين عن فرص العمل، سواء من أبناء قبيلته أو من غيرهم من مختلف أطياف المجتمع، إذ كان يؤمن بأهمية توفير سبل العيش الكريم للشباب، ويحرص على دعمهم ومساندتهم في الحصول على وظائف أو الالتحاق بالأعمال المناسبة، مستفيدًا من علاقاته وموقعه الوظيفي.
باللباس الظفاري التقليدي
باللباس الظفاري التقليدي
رخصة قيادته
رخصة قيادته
الرحيل الأخير
في العاشر من يوليو عام 1991م، رحل الرائد سعيد بن علي جيح قطن عن عمرٍ ناهز الخامسة والخمسين، بعد صراعٍ مع المرض، لتنتهي بذلك مسيرة رجلٍ ارتبط اسمه بمحطات مفصلية من تاريخ ظفار وعُمان الحديث، وكان شاهدًا ومشاركًا في كثيرٍ من التحولات السياسية والعسكرية والاجتماعية التي شهدتها البلاد خلال النصف الثاني من القرن العشرين.
وبرحيله، طُويت صفحة أحد رجال المرحلة الذين عاشوا سنوات التحول بكل ما حملته من صعوبات وتحديات، غير أن آثارهم بقيت حاضرة في ذاكرة الوطن، وفي الحكايات التي يرويها أبناء تلك المرحلة عن رجالٍ آمنوا بعُمان الجديدة وأسهموا في تشييد بداياتها الأولى.
وتمثل سيرة الرائد سعيد بن علي جيح قطن نموذجًا لجيلٍ من الرجال الذين عاشوا التحولات الكبرى في تاريخ عُمان الحديث، وانتقلوا بين مراحل شديدة التعقيد، بدأت بسنوات الشظف والغربة والبحث عن الرزق، مرورًا بسنوات الصراع والتقلبات السياسية والعسكرية، وانتهاءً بالمشاركة في بناء ملامح الدولة الحديثة بعد بزوغ فجر الثالث والعشرين من يوليو 1970م.
فقد كان ابنًا لبيئةٍ جبلية بسيطة في ظفار، لكنه استطاع أن يصنع لنفسه حضورًا بارزًا من خلال ما امتلكه من شجاعةٍ وقوة شخصية وخبرة ميدانية، ليكون شاهدًا على أحداث مفصلية، ومشاركًا في بعضها، سواء خلال ليلة الثالث والعشرين من يوليو، أو عبر دوره في تأسيس قوات الفرق الوطنية، أو من خلال إسهاماته الأمنية والاجتماعية التي تركت أثرًا في محيطه.
ولم يكن سعيد بن جيح مجرد رجل عسكري ارتبط اسمه بالسلاح والمعارك، بل كان كذلك رجل مجتمعٍ قريبًا من الناس، مفتوح المجلس، حاضرًا في الإصلاح بين الأهالي، ومساندًا للشباب والباحثين عن العمل، وهو ما جعل ذكراه باقية في وجدان من عرفوه وعاصروه.
ومع مرور السنوات، تبقى مثل هذه الشخصيات جزءًا من الذاكرة الوطنية التي تحفظ تفاصيل المراحل الأولى من بناء عُمان الحديثة، وتروي للأجيال كيف أسهم رجالٌ بسطاء بإمكاناتهم وتجاربهم وتضحياتهم في صناعة وطنٍ استطاع أن يتجاوز التحديات، وينطلق نحو الاستقرار والتنمية والوحدة.
المراجع
  • البلوشي، أحمد بن سويدان. رحلتي في عالم الاتصالات، دار الفارابي، بيروت، لبنان، 2012.
  • التكريتي، عبد الرزاق. ثورة الرياح الموسمية، دار جداول للنشر والترجمة والتوزيع، 2019
  • جي. إي. بيترسون. حركات التمرد في عُمان: صراع السلطنة من أجل السيادة (ترجمة بدر العبري)، 2007.
  • العريمي، محمد بن حمد. آمن بالوحدة التي دعا إليها السلطان قابوس: تفاصيل من مسيرة الشيخ سعيد بن علي السعدوني الذي كان الاغتيال يحاصره في كل ثانية، تقرير منشور في منصة أثير ، 27 سبتمبر 2024.
  • العمري، محمد سعيد دريبي. ظفار الثورة في التاريخ العماني المعاصر، رياض الريّس للكتب، لبنان، 2004
  • غزلان، محمود عبدالله. الجيش السلطاني العماني، الهيئة المصرية العامة للكتاب، القاهرة، 2021
  • معلومات حصل عليها معد التقرير من قبل الفاضل رائد بن سعيد بن علي جيح قطن. تواصل هاتفي.

شارك هذا الخبر