4 عقود من التنقيب: كيف أسهمت البعثات الفرنسية في إعادة اكتشاف التاريخ العُماني؟

المركز الوطني للبحوث العلمية الفرنسي يقود مشروعات تنقيب في أدم وقلهات وبسيا كشفت استيطانًا بشريًا يعود إلى العصر البرونزي وشبكة تجارية مع شبه القارة الهندية امتدت لآلاف السنين

4 عقود من التنقيب: كيف أسهمت البعثات الفرنسية في إعادة اكتشاف التاريخ العُماني؟
بعثات التنقيب الفرنسية
أثير- د. محمد بن حمد العريمي
في تاريخ العلاقات العُمانية الفرنسية، لم تقتصر الشراكة بين البلدين على الجوانب السياسية والثقافية، بل امتدت إلى واحد من أهم ميادين البحث العلمي، وهو علم الآثار، فمنذ ثمانينيات القرن الماضي، أسهمت البعثات الفرنسية، بالتعاون مع المؤسسات العُمانية وعدد من الجامعات والمراكز البحثية الدولية، في الكشف عن صفحات جديدة من تاريخ عُمان الممتد لآلاف السنين، عبر مشروعات تنقيب ومسوحات أثرية شملت السواحل والواحات والمستوطنات القديمة، وقد مكّنت هذه الأعمال من إعادة رسم صورة أوضح للحضارات التي ازدهرت على أرض عُمان، وعلاقاتها التجارية والثقافية مع محيطها الإقليمي والدولي.
شراكة علمية بدأت من جنوب الشرقية
يُعد المشروع المشترك بين المركز الوطني للبحوث العلمية الفرنسي (CNRS) وجامعة بولونيا الإيطالية من أبرز مشروعات التنقيب الأثري في سلطنة عُمان، وقد تولى قيادته البروفيسور سيرج كلوزيو (Serge Cleuziou) عن الجانب الفرنسي، والبروفيسور موريزيو توسي (Maurizio Tosi) عن الجانب الإيطالي.
انطلقت أعمال المشروع في عام 1985 في محافظة جنوب الشرقية، وشملت ولايات صور وجعلان، وتركزت في مواقع رأس الجنز، ورأس الحد، والسويح، ورأس الخبة، وأسفرت الحفريات عن اكتشاف دلائل تؤكد وجود استيطان بشري في رأس الحد يعود إلى القرنين الثالث والرابع قبل الميلاد، اعتمد سكانه على الصيد البحري وصيد الحيوانات البرية. كما كشفت اللقى الفخارية المستوردة من منطقة السند عن وجود شبكة تواصل بحري وتجاري مبكرة بين عُمان وشبه القارة الهندية.
تتبع بدايات الإنسان على السواحل العُمانية
في عام 2010م أطلق المركز الوطني للبحوث العلمية الفرنسي مشروعًا جديدًا برئاسة البروفيسور فينسنت كاربنتير (Vincent Charpentier)، هدف إلى دراسة تطور المجتمعات البشرية على امتداد الساحل العُماني من محافظة جنوب الشرقية حتى محافظة ظفار.
وركز المشروع على تتبع انتقال الإنسان من مجتمعات الصيد خلال العصر البليستوسيني إلى مجتمعات أكثر استقرارًا في بدايات العصر البرونزي، حيث نجح الفريق في تحديد مواقع أثرية مهمة في الدهاريز، وحاسك، والحلانيات، والشويمية، ورأس مدركة، وبر الحكمان، ومصيرة، والسويح، الأمر الذي أسهم في بناء تصور متكامل لتطور الاستيطان البشري على السواحل العُمانية عبر آلاف السنين.
خور جراما وأصيلة... قراءة جديدة للمشهد الأثري
نفذ معهد السهول والصحراء الفرنسي مشروعًا أثريًا برئاسة الدكتور كريستوف سيفين ألويت (Christophe Sévin-Allouet)، استهدف إجراء تصوير جوي ومسح ميداني وتنقيبات أثرية في ولاية صور وما حولها.
وشملت أعمال المشروع مواقع خور جراما، وأصيلة، وشياع، حيث توصلت البعثة إلى أن موقع أصيلة يمثل قلعة تعود إلى العصر الحديدي شُيدت فوق مرتفع إستراتيجي يطل على مساحة واسعة من المنطقة، فيما كشفت الدراسات في خور جراما عن مدافن دائرية وبقايا بشرية وقطع فخارية تعود إلى حضارتي أم النار ووادي سوق، بما يؤكد أهمية الموقع ضمن خارطة الاستيطان القديم في شرق عُمان.
شياع... موقع حضاري متعدد العصور
في مشروع آخر نفذه معهد السهول والصحراء الفرنسي بالتعاون مع المركز الوطني للبحوث العلمية الفرنسي (CNRS) والمركز الفرنسي للدراسات الأثرية والاجتماعية (CEFAS)، قاد الدكتور أوليفا مونوز (Oliva Munoz) أعمال التنقيب في موقع شياع بولاية صور.
وأثبتت نتائج المشروع أن الموقع ظل مأهولًا خلال فترات زمنية طويلة منذ العصر البرونزي، ويضم مقابر تشبه مقابر حضارة حفيت، إلى جانب شواهد تؤكد وجود تواصل حضاري وتبادل ثقافي مع مناطق أخرى، الأمر الذي يعكس مكانة صور بوصفها إحدى أهم مناطق الاستقرار البشري في جنوب شرق الجزيرة العربية.
رأس الجنز... نافذة على بدايات العصر البرونزي
شهد موقع رأس الجنز مشروعًا آخر للمركز الوطني للبحوث العلمية الفرنسي، قادته الدكتورة فالنتينا أزارا (Valentina Azzara)، بهدف دراسة المجتمع الذي استوطن المنطقة في بداية العصر البرونزي.
وأكدت نتائج الحفريات وجود مستوطنات بشرية متعاقبة منذ بدايات العصر البرونزي واستمرار النشاط البشري فيها خلال فترات لاحقة؛ ما جعل رأس الجنز أحد أهم المواقع المرجعية لدراسة التحولات الاجتماعية والاقتصادية التي شهدتها المنطقة خلال تلك الحقبة.
أدم... أحد أكبر المشروعات الأثرية في عُمان
من أكبر المشروعات الأثرية الفرنسية في سلطنة عُمان مشروع التنقيب في أدم وسلوت، الذي نفذته جامعة السوربون بالتعاون مع المركز الوطني للبحوث العلمية الفرنسي (CNRS) بقيادة البروفيسور سيرج كلوزيو والبروفيسور موريزيو توسي.
وتعود بداية المشروع في أدم إلى عام 2006م عقب اكتشاف صخرة منقوشة تعود إلى حضارة أم النار، ثم وضعت البروفيسورة جيسيكا جيرود (Jessica Giraud) خطة علمية متكاملة لدراسة المنطقة، واستمرت أعمال البعثة خمس سنوات بدعم من وزارة التراث والثقافة ووزارة الخارجية الفرنسية، وانتهت بإعداد دراسة شاملة لتاريخ أدم منذ عصور ما قبل التاريخ وحتى ما قبل الإسلام.
كما أثمرت أعمال المشروع عن إصدار عدد من الدراسات العلمية، من أبرزها كتاب «ترويض الصحراء العظمى: أدم فيما قبل التاريخ العُماني»، الذي يعد من أهم المراجع الحديثة في هذا المجال.
قلهات... مدينة أعادت الحفريات اكتشافها
من أبرز إنجازات البعثات الفرنسية أيضًا مشروع التنقيب في مدينة قلهات بولاية صور، الذي قاده الدكتور أكسل روجيل (Axelle Rougeulle) ضمن مشروع للمركز الوطني للبحوث العلمية الفرنسي.
وقد وصف روجيل قلهات بأنها واحدة من أكثر المواقع الأثرية إبهارًا في عُمان، مشيرًا إلى أنها كانت الميناء الرئيس في شرق الجزيرة العربية خلال العصور الوسطى، وشقيقة مدينة هرمز بين القرنين الثالث عشر والخامس عشر، قبل أن تُهجر نهائيًا.
وبدأت أعمال البعثة في ديسمبر 2008م وأسفرت عن تسجيل أكثر من 200 مبنى أثري، من بينها مسجد بيبي مريم الشهير، إضافة إلى توثيق أكثر من 1600 قبر، وإعداد خريطة أثرية دقيقة للمدينة، الأمر الذي وفر قاعدة علمية متكاملة لفهم التخطيط العمراني والحياة الاقتصادية والدينية في واحدة من أهم المدن التجارية التاريخية في المنطقة.
بيسيا... أحدث محطات البعثات الفرنسية في استكشاف عُمان القديمة
تمثل البعثة الأثرية الفرنسية في وسط عُمان (FAMCO) واحدة من أحدث حلقات التعاون العلمي بين سلطنة عُمان وفرنسا في مجال الدراسات الأثرية، إذ تتولى منذ يناير 2021، بقيادة الباحثين مارتن سوفاج وماتيلد جان، تنفيذ مشروع علمي متكامل لدراسة تاريخ الاستيطان البشري في منطقة بسيا بمحافظة الداخلية، إحدى أبرز المناطق الأثرية في شبه الجزيرة العربية.
وتقع بيسيا على السفوح الجنوبية لجبال الحجر، في موقع إستراتيجي يتوسط ملتقى عدد من الأودية، كما تتميز بوفرة الموارد المعدنية، وهي عوامل جعلتها مقصدًا للاستيطان البشري منذ العصر الحجري القديم، قبل أن تشهد ازدهارًا ملحوظًا خلال العصر البرونزي المبكر، ابتداءً من نحو 3200 قبل الميلاد، ثم خلال العصر الحديدي منذ حوالي 1300 قبل الميلاد.
ولا تقتصر أعمال البعثة على التنقيبات الأثرية التقليدية، بل تشمل إعداد خريطة أثرية شاملة للمنطقة، وإجراء تحاليل مخبرية ومادية متقدمة لدراسة اللقى الأثرية والبيئة القديمة. كما نفذت البعثة خلال موسمي يناير 2022 ويناير – فبراير 2023 مجموعة من البرامج البحثية المتخصصة، مع خطط لاستمرارها وتوسيع نطاقها في المواسم المقبلة.
إرث علمي يعزز فهم تاريخ عُمان
تكشف هذه المشروعات المتنوعة حجم الإسهام الذي قدمته البعثات الفرنسية في دراسة التراث الأثري العُماني، إذ لم تقتصر أعمالها على التنقيب والكشف عن اللقى الأثرية، بل امتدت إلى إعداد الخرائط الأثرية، وتوثيق المواقع، ونشر الدراسات العلمية، وتدريب الباحثين، بما أسهم في ترسيخ مكانة سلطنة عُمان على خريطة الدراسات الأثرية العالمية. كما تعكس هذه الإنجازات عمق التعاون العلمي بين السلطنة وفرنسا، ودوره في إحياء تاريخ عُمان القديم، وإبراز ما تمتلكه من إرث حضاري يمتد عبر آلاف السنين.
المرجع
  • الحسيني، سليمان بن سالم. العلاقات الثقافية التعليمية بين سلطنة عمان والجمهورية الفرنسية، الأفق الحضاري للتواصل العماني العالمي، مركز الخليل بن أحمد، جامعة نزوى، 2020.
  • الصور من شبكة المعلومات

شارك هذا الخبر