تل أبيب تحرّض، وواشنطن تضرب، ودول الخليج تدفع الثمن

عن الكاتب

تل أبيب تحرّض، وواشنطن تضرب، ودول الخليج تدفع الثمن
تل أبيب تحرّض، وواشنطن تضرب، ودول الخليج تدفع الثمن
أثير - الركابي حسن يعقوب
انقضى شهر كامل منذ التوقيع على مذكرة التفاهم بين إيران وأمريكا، ودخلت المذكرة اليوم شهرها الثاني، والنتيجة هي مزيد من التصعيد والمواجهة بين الجانبين في حالة أشبه بالحرب الشاملة.
ورغم التسريبات الأمريكية التي رشحت قبل يومين، وتتحدث عن وجود مفاوضات خلف الكواليس تهدف إلى التهدئة والعودة إلى مسار التفاوض، إلا أن الواقع على الأرض يناقض هذه التسريبات بشكل صريح.
ما يجري بين إيران وأمريكا في الوقت الراهن لا يحمل في طياته أي مؤشرات للعودة إلى مسار التفاوض، بل على العكس، فإن المعطيات الحالية تشير إلى أن الأمور تتجه نحو مزيد من التصعيد، خاصة من الجانب الأمريكي الذي بادر مطلع الأسبوع الماضي، على نحو مفاجئ، بشن ضربات مكثفة لم تنخفض وتيرتها طوال الأسبوع، بل كانت تأخذ منحًى تصاعديًا واضحًا.
ومن جانبها، فقد كثفت إيران من ردودها على الضربات الأمريكية، وصعدت هجماتها بضربات واسعة طالت أهدافًا داخل الكويت والبحرين وقطر والأردن، تقول إيران إنها أهداف أمريكية، رغم أنها، وبحسب ما تناقلته وكالات أنباء محلية وعالمية، أهداف مدنية، بل إن إيران تقول إنها ترد على الهجمات الأمريكية “بالمثل”، معلنة استهدافها بنى تحتية وطرقًا وممرات، بجانب قواعد عسكرية ورادارات، وبهذا المعنى فإن الرد الإيراني يقوم على قاعدة “هذه بتلك” (Tit for Tat)، ولكن خطورة هذا النهج أن الرد لا يأتي خصمًا على أمريكا، وإنما تضار به الدول المذكورة بصورة مباشرة.
ويلاحظ على الحملة العسكرية التي تشنها أمريكا على إيران منذ أسبوع أن بنك أهدافها تغلب عليه الصفة المدنية، فمعظم الأهداف التي طالتها الحملة حتى الآن كانت أهدافًا مدنية، حيث ركزت الضربات الأمريكية على البنية التحتية المدنية الإيرانية، فاستهدفت ستة جسور في محافظة هرمزغان، ومحطة ربط السكك الحديدية في بندر عباس، ومطار إيرانشهر في محافظتي سيستان وبلوشستان، وضربت خطوطًا لنقل الكهرباء تربط مدنًا رئيسية على الساحل الإيراني، ودمرت برج المراقبة البحرية بالكامل في مدينة تشابهار.
ووفقًا لما أعلنته إيران بالرد بالمثل على الهجمات الأمريكية، فإنه من المؤكد أنها ستعمل على استهداف البنى التحتية والمرافق الحيوية المدنية في عدد من دول الخليج التي تضعها إيران ضمن قائمة أهدافها منذ بداية الحرب، وهو أمر يثير تساؤلات عديدة حول الموقف الأمريكي حيال هذا النهج الإيراني، وما يتعين عليها القيام به لتجنيب هذه الدول مضار الضربات والهجمات التي هي، ببساطة، رد فعل على الهجمات والضربات الأمريكية. هل ستخفض واشنطن من ضرباتها واستهدافها للأعيان المدنية الإيرانية، وبالتالي تخفف الوطأة على حلفائها بالمنطقة، أم أنها ستصعد منها، وبالتالي تعرض هذه الدول لمزيد من الضربات والهجمات الإيرانية، ليزداد الوضع سوءًا وتعقيدًا، وترتفع الكلفة عليها بلا مقابل؟
ومن الواضح جدًا أن وراء أكمة التصعيد الأمريكي الحالي ضد إيران تقبع تل أبيب، التي هي المستفيد الأول، وربما الوحيد، من التصعيد الأمريكي ضد إيران، كما كانت من قبل ثلاث مرات، ولهذا الزعم دلائل تعضده، أولها أن استهداف الأعيان المدنية هو سياسة إسرائيلية بامتياز، فعلتها في غزة ولبنان، وهي جزء من استراتيجية الأرض المحروقة التي تتبعها تل أبيب، وكل العالم شاهد على ذلك. وثانيها نسف ما تم الاتفاق عليه بين إيران وأمريكا في مذكرة التفاهم، وقد كان لتل أبيب رأيها الواضح والمعلن الرافض لها باعتبارها ضد مصلحة إسرائيل. وثالثة الأثافي تدمير القدرات الصاروخية لإيران أو استنزافها على الأقل، التي تعتبرها تل أبيب أخطر من البرنامج النووي نفسه، وقد خبرت هذه القدرات من خلال الضربات التي وجهتها لها إيران، وطالت أهدافًا حيوية داخل العمق الإسرائيلي.
وهكذا عادت تل أبيب لضلالها القديم لتفرض أجندتها من جديد، وتستعيد هيمنتها ونفوذها على الرئيس ترامب، توجهه حيثما تشاء، ومن المتوقع أن تتسارع خطى تل أبيب سباقًا مع الزمن للتأثير على الأحداث والتطورات في اتجاه مزيد من التصعيد، بحيث لا يكون من السهل العودة إلى مسار التفاوض، خاصة وأن العلاقة بينها وبين جي دي فانس، نائب الرئيس ترامب، ساءت وتشهد توترًا غير مسبوق، لذلك هي تسعى لقطع الطريق على أي محاولة لفانس للتأثير على ترامب قد تعرقل خططها.
وفي الحقيقة، فإن إسرائيل هي الطرف الرابح حتى الآن، فهي لا شأن لها بتداعيات الأزمة في مضيق هرمز، ولا تضار بتأثيراتها السلبية نتيجة الإغلاق، بل على العكس، تستفيد من تصاعد أزمة المضيق، فهي تبقي نار الحرب مع إيران متقدة، وتضعف بالتالي ما تعتبره تل أبيب دولًا معادية، وتضعها في سلة واحدة مع إيران، وبالتالي، بإضعافها، تصبح الفرصة سانحة أمامها لفرض استراتيجيتها التوسعية التي تتضمن أيضًا التطبيع وما يسمى باتفاقيات إبراهام.
من المؤسف القول إن تل أبيب هي من تدير هذه الحرب، وهي من تؤجج نيرانها، والهدف ليس إيران وحدها، وإنما كل دول المنطقة التي تمثل، في العقل والفكر الاستراتيجي الإسرائيلي الصهيوني، طوقًا معاديًا لها. ومن المؤسف أيضًا القول إنها نجحت في فرض معادلة جديدة في صراعها الاستراتيجي مع دول المنطقة، تجعلها أقل الأطراف تحملًا للخسائر، ومفاد هذه المعادلة يمكن صياغته في جملة واحدة تلخص المشهد برمته، وهي: تل أبيب تحرّض، وواشنطن تضرب، ودول الخليج تدفع الثمن.

شارك هذا الخبر