أثير- د. محمد بن حمد العريمي
عرفت عُمان عبر تاريخها الطويل حركةً علمية نشطة جعلت من التأليف والنسخ أحد أبرز المظاهر الحضارية في المجتمع العُماني، حيث أولى العلماء وطلبة العلم عنايةً كبيرة بالكتاب والمخطوط، بوصفه الوسيلة الأهم لحفظ العلوم ونقلها عبر الأجيال.
وقد ازدهرت هذه الحركة في مختلف الحواضر العلمية العُمانية، مثل نزوى والرستاق وبهلاء وجعلان وصحار وغيرها، فامتلأت المكتبات الخاصة والعامة بالمؤلفات في الفقه واللغة والتاريخ والأدب والفلك والطب وعلوم السلوك والتربية.
ولم يكن العالم العُماني يكتفي بالتأليف فحسب، بل كان كثيرٌ منهم ينسخ الكتب بيده، أو يكلف النُّسّاخ المهرة بنسخها؛ إدراكًا منهم لأهمية حفظ المعرفة من الضياع، في زمنٍ كانت فيه المخطوطات تُنسخ يدويًا قبل ظهور الطباعة؛ ولهذا برزت في عُمان أسماءٌ كثيرة عُرفت بالنسخ والإتقان وجودة الخط، وأسهمت في تداول المؤلفات بين العلماء وطلبة العلم داخل عُمان وخارجها.
وقد أثمرت هذه النهضة العلمية عن ظهور مئات المؤلفات والمخطوطات النفيسة التي ما تزال شاهدةً على عمق الحراك الفكري الذي عرفته البلاد. كما تكشف عن انفتاح العلماء العُمانيين على مختلف المعارف والاتجاهات الفكرية في العالم الإسلامي.
ومن بين تلك الكنوز يبرز كتاب “إيضاح نظم السلوك إلى حضرات ملك الملوك” للشيخ ناصر بن أبي نبهان الخروصي، الذي يمثل نموذجًا للمؤلفات العُمانية التي جمعت بين العلم والأدب والتربية الروحية، وحفظته جهود النُّسّاخ جيلًا بعد جيل حتى وصل إلى عصرنا الحاضر.
وفي إطار محاولتها سبر أغوار الثقافة العُمانية، والاقتراب من كنوزها المخطوطة التي حفظت جوانب مهمة من تاريخ الفكر والعلم في البلاد، تتناول “أثير” في هذا التقرير نسخةً مخطوطة من كتاب “إيضاح نظم السلوك إلى حضرات ملك الملوك”، قام بنسخها سعيد بن عيسى السَّمّي، إحدى الشخصيات العلمية العُمانية التي برزت خلال القرن الثالث عشر الهجري الموافق للقرن التاسع عشر الميلادي، في محاولةٍ لإلقاء الضوء على هذا الأثر العلمي، وعلى سيرة الناسخ الذي أسهم في حفظه ونقله للأجيال اللاحقة.
“إيضاح السلوك”.. حين التقت روح التصوف العُماني بشعر ابن الفارض
يُعدّ كتاب “إيضاح نظم السلوك إلى حضرات ملك الملوك” من ذخائر المكتبة العُمانية، ومن أبرز المؤلفات التي حظيت بعناية المهتمين بعلم السلوك والتصوف في عُمان، كونه يتناول بالشرح والتحليل قصيدتين من أشهر القصائد الصوفية في التراث العربي، وهما القصيدتان التائيتان الصغرى والكبرى لأبي حفص عمر ابن أبي الحسن علي ابن الفارض، المعروف بلقب " سلطان العاشقين“، ومطلع التائية الصغرى: نعم بالصبا قلبي صبا لأحبّتي ... فيا حبّذا ذاك الشذا حين هبّتِ. ومطلع الكبرى: سقتني حُميّا الحبّ راحة مقلتي ... وكأسي محيّا مَن عن الحُسن جلّتِ.
وقد قسّم مؤلف الكتاب الشيخ ناصر بن أبي نبهان الخروصي كتابه إلى ثلاثة أجزاء رئيسية؛ تناول الجزء الأول منها قضايا تهذيب النفس وتخليص الروح من علائق الهوى والشهوات، والسير بها في مدارج التزكية وصولًا إلى مراتب الكمال الروحي، بينما خُصص الجزء الثاني للحديث عن كمال النبي ﷺ وعلو مقامه وسموّ أخلاقه، في حين تناول الجزء الثالث مقامات الحقيقة وما يرتبط بها من معانٍ روحية وتأملات عرفانية.
ويكشف هذا الكتاب عن جانبٍ مهم من حضور الفكر السلوكي في البيئة العلمية العُمانية، إذ درج علماء الإباضية على استخدام مصطلح “السلوك” بدلًا من “التصوف”، في محاولةٍ لربط هذا الاتجاه بالتربية الأخلاقية والالتزام بالشريعة ومجاهدة النفس، بعيدًا عن بعض الدلالات التي ارتبطت بمفهوم التصوف في بيئات أخرى؛ ولذلك أطلقوا على الشعر ذي النزعة الروحية اسم “شعر السلوك”، باعتباره شعرًا يهدف إلى تهذيب الإنسان وتطهيره من الأخلاق الذميمة، ودعوته إلى التوبة ومخالفة هوى النفس وشهواتها، والسير في طريق الاستقامة عبر الطاعة والإخلاص ومجاهدة النفس في سبيل الوصول إلى الحق تعالى.
وقد انتهى الشيخ ناصر بن أبي نبهان الخروصي من تأليف هذا الكتاب في بلدة سمد نزوى بتاريخ السابع من رجب سنة 1243هـ، وهو تاريخٌ يحمل دلالة خاصة في سيرته؛ إذ إنه العام نفسه الذي غادر فيه عُمان متوجهًا إلى زنجبار، بعد أن دعاه السيد سعيد بن سلطان لمرافقته إلى هناك، في مرحلةٍ شهدت تنامي الحضور العُماني السياسي والتجاري والثقافي في شرق أفريقيا.
ويُنظر إلى “إيضاح نظم السلوك إلى حضرات ملك الملوك” بوصفه الكتاب الوحيد الذي ألّفه الشيخ ناصر بن أبي نبهان الخروصي داخل القطر العُماني، قبل انتقاله إلى زنجبار، الأمر الذي يمنحه قيمةً تاريخية إضافية، باعتباره آخر ثمرةٍ علمية كبرى دوّنها المؤلف على أرض عُمان قبل بدء مرحلة جديدة من حياته العلمية والفكرية في المهجر العُماني بشرق أفريقيا.
ويظل هذا الكتاب شاهدًا على جانبٍ مهم من تاريخ الفكر العُماني، وعلى الصلة الثقافية التي ربطت عُمان بالمشرق العربي وبالتراث الصوفي الإسلامي، فضلًا عن كونه نموذجًا للنتاج العلمي الذي رافق انتقال العلماء العُمانيين بين عُمان وشرق أفريقيا خلال القرن التاسع عشر الميلادي.

نسخٌ مبكرة حفظت أثر المخطوط عبر الزمن
تزداد أهمية مخطوط “إيضاح نظم السلوك إلى حضرات ملك الملوك” من الناحية التاريخية والعلمية إذا ما نظرنا إلى النسخ المبكرة التي حُفظ بها هذا الأثر العُماني المهم؛ إذ يمكن أن تُعدّ النسخة التي قام بنسخها الشيخ سعيد بن عيسى السّمَي أقدم نسخة معروفة جاءت بعد النسخة الأصلية التي خطّها المؤلف الشيخ ناصر بن أبي نبهان الخروصي بنفسه.
وتكمن قيمة هذه النسخة في الفارق الزمني القصير نسبيًا بينها وزمن التأليف؛ فالمؤلف انتهى من كتابة سنة 1243هـ، بينما قام سعيد بن عيسى السمي بنسخه سنة 1274هـ، أي بعد نحو ثلاثين عامًا فقط من ظهور النص الأصلي، وهو فارقٌ زمني يمنح المخطوط أهميةً كبيرة لدى الباحثين في مجال تحقيق النصوص ودراسة التراث المخطوط، لأن النسخ القريبة من زمن المؤلف تكون –في الغالب– أكثر دقة وأقرب إلى الأصل من حيث سلامة النص وقلة التصحيف والتحريف.

كما تكشف هذه النسخة عن سرعة انتشار الكتاب واهتمام الأوساط العلمية العُمانية به، خصوصًا أن مؤلفه كان قد غادر عُمان إلى زنجبار في العام نفسه الذي فرغ فيه من تأليفه، الأمر الذي يشير إلى أن الكتاب ظل حاضرًا ومتداولًا بين طلبة العلم والعلماء داخل عُمان حتى بعد انتقال مؤلفه إلى شرق أفريقيا.
ولم تتوقف مسيرة نسخ الكتاب عند هذه النسخة، إذ ظهرت نسخة أخرى سنة 1288هـ، قام بنسخها سالم بن علي بن ناصر بن علي الإسماعيلي؛ ما يدل على استمرار تداول الكتاب ونسخه خلال النصف الثاني من القرن الثالث عشر الهجري، واهتمام النُّسّاخ والعلماء بالحفاظ عليه بوصفه أحد النصوص المهمة في علم السلوك والتصوف العُماني.
وتعكس هذه النسخ المتعاقبة جانبًا من العناية الكبيرة التي أولتها البيئة العلمية العُمانية للمخطوطات؛ إذ كان النسخ اليدوي يمثل وسيلة أساسية لحفظ العلوم ونقلها عبر الأجيال، في زمنٍ لم تكن فيه المطابع قد انتشرت بعد؛ ولذلك لم يكن الناسخ مجرد ناقلٍ للنص، بل كان شريكًا في حفظ الذاكرة العلمية وصيانة التراث الفكري من الضياع.

مؤلف المخطوط.. سيرة عالمٍ جمع بين الفقه والأدب والسلوك
هو الشيخ ناصر بن أبي نبهان الخروصي الذي يعدّ أحد أبرز علماء عُمان في القرن الثالث عشر الهجري. وُلد سنة 1192هـ/1778م ببلدة العليا في وادي بني خروص، ونشأ في بيت علمٍ وصلاح، فتلقى العلم على يد والده العلامة أبي نبهان جاعد بن خميس الخروصي، قبل أن يصبح لاحقًا من كبار العلماء والقضاة والأدباء في عصره. عُرف بسعة علمه وتنوع معارفه في الفقه والعقيدة والأصول والأدب والسلوك. كما كان شاعرًا ومؤلفًا غزير الإنتاج، خلّف عشرات المؤلفات في مختلف العلوم الشرعية واللغوية والروحية. انتقل في مرحلةٍ من حياته إلى نزوى ثم رافق السيد سعيد بن سلطان إلى زنجبار حيث عاش هناك ردحًا من الزمن، وتوفي في ميتوني بزنجبار سنة 1263هـ/1847م، بعد حياةٍ حافلة بالعلم والتأليف والتعليم، ومن أشهر مؤلفاته كتاب “إيضاح نظم السلوك إلى حضرات ملك الملوك” الذي يُعد من أبرز كتب السلوك والتصوف في المكتبة العُمانية.
بين حرد المتون والرواية الشفوية.. ملامح من سيرة الناسخ سعيد بن عيسى السَّمّي
أما ناسخ المخطوط الشيخ سعيد بن عيسى السَّمي، فهو سعيد بن عيسى بن راشد بن أحمد بن رجب بن حديد بن ربيع بن مسعود السمي، وقد أثبت نسبه كاملًا في حَرْد متن مخطوطتين قام بنسخهما بيده، الأولى هي مخطوطة “إيضاح نظم السلوك إلى حضرات ملك الملوك” التي انتهى من نسخها في السابع من صفر سنة 1274هـ، والثانية مخطوط “صراط الهداية” الذي أتمّ نسخه في العشرين من رجب سنة 1279هـ، ومن خلال هذين التاريخين يتضح أن الشيخ سعيد بن عيسى السمي عاش في القرن الثالث عشر الهجري الموافق للقرن التاسع عشر الميلادي.
ولا تكاد المصادر المكتوبة تورد شيئًا عن سيرة سعيد بن عيسى السمي سوى ما دوّنه بنفسه في خواتيم المخطوطات التي نسخها، حيث أشار إلى اسمه ونسبه، وذكر أنه قام بنسخ تلك الكتب لنفسه، وهي إشارة توحي بأنه كان من أهل القدرة واليسار، إذ إن اقتناء المخطوطات ونسخها في ذلك العصر كان يتطلب توفر الإمكانات المادية والمعرفية معًا.
غير أن جانبًا من سيرته بقي محفوظًا في الذاكرة الشفوية، وفي بعض التقييدات التي دوّنها حفيده سعيد بن حمد بن عبدالله بن سعيد بن عيسى، الذي نقل شيئًا من أخبار جدّه اعتمادًا على روايات عدد من المعمرين خلال ثمانينيات وتسعينيات القرن العشرين، ومن بينهم محمد بن ناصر بن سالم الشعيبي، وغابش بن تون الشعيبي.
وتشير تلك التقييدات إلى أن سعيد بن عيسى السمي كان يسكن قرية “حلفا” بوادي بني خالد، وكان له فيها “مبرز” أو “برزة”، وهي مفردة محلية يستخدمها العُمانيون للدلالة على المجلس الذي يكون عادة أمام الحصن أو منزل الشيخ أو الحاكم، حيث يجتمع الناس للنظر في شؤونهم، والاستماع إلى قضاياهم، ومناقشة احتياجاتهم المختلفة، ويكشف وجود هذا المبرز عن المكانة الاجتماعية التي كان يحظى بها سعيد بن عيسى السمي داخل مجتمعه المحلي، فضلًا عن اهتمامه بالعلم والنسخ وحفظ التراث المخطوط.
ولا تُسعفنا المصادر المتاحة بمعلوماتٍ واضحة حول الكيفية التي تلقّى بها سعيد بن عيسى السَّمّي العلم، أو أسماء العلماء الذين أخذ عنهم وتتلمذ على أيديهم. كما لا تذكر لنا حلقاته العلمية أو مجالسه المعرفية بصورة مباشرة. غير أن وضعه في سياقه الزمني والعلمي يفتح الباب أمام جملة من الاستنتاجات المهمة؛ إذ تُعد الفترة الممتدة ما بين 1250هـ إلى 1350هـ من أكثر الفترات ازدهارًا في الإنتاج العلمي العُماني، بحسب الإحصائية التي أوردها الباحث سلطان الشيباني في عدد جريدة “الرؤية” الصادر بتاريخ 6 نوفمبر 2017م، وهي مرحلة شهدت نشاطًا واسعًا في التأليف والنسخ وتداول الكتب بين العلماء وطلبة العلم.
ومن اللافت أن سعيد بن عيسى السمي قد عاصر العالم الرباني الشيخ ناصر بن أبي نبهان الخروصي، المتوفى حوالي سنة 1847م، الأمر الذي يجعل احتمال اتصاله به أو التتلمذ على يديه احتمالًا واردًا، خصوصًا إذا ما أخذنا بعين الاعتبار أن سعيد بن عيسى قام بنسخ مخطوط “إيضاح نظم السلوك إلى حضرات ملك الملوك” بعد نحو عشر سنوات فقط من وفاة مؤلفه، وبعد إحدى وثلاثين سنة من فراغ الشيخ ناصر بن أبي نبهان من تأليف الكتاب سنة 1243هـ، ما يجعل نسخة سعيد بن عيسى من أقرب النسخ إلى الأصل المؤلف.
وتتأكد أهمية هذه النسخة إذا ما علمنا أن الدكتور وليد خالص أشار إلى أن النسختين اللتين اعتمد عليهما في تحقيق كتاب “إيضاح نظم السلوك إلى حضرات ملك الملوك” هما النسخة الأصلية المؤرخة سنة 1243هـ، ونسخة أخرى نُسخت سنة 1288هـ، الأمر الذي يعني أن نسخة سعيد بن عيسى السمي المؤرخة سنة 1274هـ تمثل –زمنيًا– الحلقة الأقرب مباشرة إلى مخطوط المؤلف الأصلي، رغم أنها لم تُذكر ضمن النسخ المعتمدة في التحقيق.

وتحمل هذه الحقيقة دلالات مهمة؛ فهي تشير إلى أن سعيد بن عيسى السمي كان حريصًا على اقتناء أحدث المؤلفات العلمية التي ظهرت في عصره، ومهتمًا بنسخها والاحتفاظ بها. كما تكشف عن جِدّه واجتهاده في طلب العلم، ووعيه بقيمة الكتاب والمخطوط في زمنٍ كانت فيه المعرفة تُصان بالنسخ اليدوي، ويتناقلها العلماء والمهتمون جيلاً بعد جيل.
ولم يقتصر أثر سعيد بن عيسى السَّمّي على اهتمامه بالعلم ونسخ المخطوطات فحسب، بل امتد أثره إلى ذريته التي برز منها عددٌ من الشخصيات العلمية والاجتماعية ذات الحضور المؤثر في المنطقة الشرقية من عُمان، ومن أبرز أبنائه الشيخ عبدالله بن سعيد بن عيسى السمي، الذي تولّى القضاء في زمن الإمام عزان بن قيس البوسعيدي وما تلاه من مراحل، وكان يُعدّ من الشخصيات العلمية والاجتماعية البارزة في ولاية جعلان بني بو حسن، بل والمنطقة الشرقية، حيث استقرت الأسرة بعد انتقال والده من وادي بني خالد إلى تلك المنطقة.
وقد عُرف الشيخ عبد الله بمكانته العلمية، وبحضوره في الحياة العامة، الأمر الذي أسهم في ترسيخ مكانة الأسرة داخل المجتمع المحلي، لتتواصل هذه المكانة في الجيل اللاحق من خلال حفيد سعيد بن عيسى، وهو الشيخ حمد بن عبدالله بن سعيد السمي، الذي أدّى أدوارًا فكرية واجتماعية مهمة خلال القرن العشرين.
وتشير الوثائق المكتوبة، والروايات المتداولة إلى أن حمد بن عبد الله كانت تربطه صلات واسعة بعددٍ من الشخصيات العُمانية، سواء على مستوى عُمان عمومًا أو المنطقة الشرقية على وجه الخصوص. كما حظي بثقة ولاة جعلان بني بو حسن الذين كانوا يعتمدون عليه في كثيرٍ من المهام، من بينها الإمامة، وجمع الزكاة، والإسهام في معالجة بعض القضايا الاجتماعية المختلفة، وإلى جانب ذلك، عُرف بكونه رجلًا موضع ثقة وأمانة، إذ كان الناس وشخصيات المجتمع يقصدونه لحفظ أماناتهم، أو للاستعانة به في قضاء حوائجهم المختلفة، وهو ما يعكس ما تمتعت به الأسرة من حضور اجتماعي واحترام داخل محيطها المحلي عبر أجيال متعاقبة.
وهكذا يظلّ مخطوط " إيضاح نظم السلوك إلى حضرات ملك الملوك" شاهدًا حيًّا على عمق الحركة العلمية التي عرفتها عُمان، وعلى ذلك الشغف الكبير الذي أولاه العُمانيون للتأليف والنسخ وحفظ المعرفة عبر القرون؛ فالكتاب لا يمثّل مجرد شرحٍ لقصائد صوفية، بل يكشف عن مرحلةٍ فكرية وروحية امتزج فيها العلم بالأدب، والسلوك بالتربية، والفقه بتزكية النفس، في تجربةٍ علمية تركت أثرها في الوجدان الثقافي العُماني.
كما تكشف سيرة مؤلفه الشيخ ناصر بن أبي نبهان الخروصي، وناسخه سعيد بن عيسى السَّمّي، عن الدور الكبير الذي اضطلع به العلماء والنُّسّاخ في صيانة التراث ونقله من جيلٍ إلى آخر، في زمنٍ كانت فيه المخطوطات تُنسخ بالحبر والصبر، وتحفظ في الصدور قبل الرفوف، وبين صفحات هذا المخطوط تتجلّى صورة عُمان العلمية؛ بلدًا احتفى بالكتاب، وفتح أبوابه للمعرفة، وأنتج رجالًا حملوا مشاعل العلم من القرى والأودية إلى الآفاق البعيدة، فبقيت آثارهم حيّة في ذاكرة التاريخ ووجدان الثقافة العُمانية حتى اليوم.
المراجع
- خالص، وليد محمود. إيضاح نظم السلوك إلى حضرات ملك الملوك ناصر بن جاعد بن خميس الخروصي، موقع مجلة نزوى الإلكتروني، 1 يناير 2010
- المكتبة السعيدية. نبذة عن الشيخ ناصر بن أبي نبهان، https://alsaidia.com/node/819
- الحسني، صلاح بن مبارك. نبذة عن سيرة الشيخ سعيد بن عيسى السميّ، مادة علمية غير منشورة.





