توطين سلاسل التوريد في عُمان: من شعار صناعي إلى اختبار تنفيذي

يرصد المقال انتقال عُمان من سياسات المحتوى المحلي إلى تنفيذ صناعي قابل للقياس، مع تحديات التمويل والمعايير الفنية وفرص إحلال الواردات ودعم سلاسل التوريد.

توطين سلاسل التوريد في عُمان: من شعار صناعي إلى اختبار تنفيذي
توطين سلاسل التوريد في عُمان: من شعار صناعي إلى اختبار تنفيذي
أثير - محمد الدغيشي
منذ أن أوقفت سفينة عالقة في قناة السويس حركة التجارة العالمية في 2021، ثم جاءت جائحة كورونا وحرب روسيا وأوكرانيا وهجمات البحر الأحمر لتكرر الدرس نفسه، بدأت الحكومات والشركات الكبرى في العالم، تعيد النظر حول مسألة “من أين تأتي المكونات التي تقوم عليها صناعاتنا؟” في الماضي كانت الدول تبحث عن أي مصدر من الأسواق الرخيصة، أما في الحاضر تغيرت الأوضاع وأصبحت الدول تبحث عن المصادر ذات الجودة العالية ولو كانت بأعلى تكلفة. وهذا الانتقال غير من العقيدة السابقة وهي “الإنتاج في اللحظة المناسبة” إلى العقيدة الحالية وهي “الإنتاج للاحتياط”. هذه العقيدة التي لابد أن تتبع في دول الخليج لكي تستمر في الإنتاج، ويصبح لديها اكتفاء ذاتي. وفي هذا النهج فإن سلطنة عُمان ليست بعيدة عن هذا المسار.
في عام 2024م، اعتمد مجلس الوزراء ” السياسة الوطنية للمحتـوى المحلي ( 2024 – 2030 م) “، التي تهدف إلى إيجـاد منظومـة وطنيـة تـتـولى تنظيم ومتابعـة المحتـوى المحلـي فـي جميـع القطاعات، فقد أكد جلالة السلطان المعظم حفظه الله ورعاه على أهمية التركيز على كافة المستهدفات المراد تحقيقها منها، ومن أهمها: توفير مزيد من فرص العمل للمواطنين، وتوطين الصناعات، وتطوير وتبنّي رواد الأعمال، وتشجيع المؤسسات الصغيرة والمتوسطة والشركات الناشئة، وتقليل المشتريات الخارجية، ضماناً لزيادة فوائض الميزان التجاري للبلاد .
وسيراً على هذا النمط، ونظراً لأهمية تعزيز ثقافة المحتوى المحلي مجتمعياً، ولدعم المنتج الوطني والتعريف به والترويج له، بارك مجلس الوزراء برنامج الولاء للمنتج الوطني الهادف إلى تحفيز المستهلكين على اختيار المنتجات العُمانية وللإسهام في ضمان استمرار ونمو الشركات المحلية.
الغطاء الحكومي والمؤشرات الداعمة: ركيزتان لتسريع إحلال الواردات
وفي السياق التنموي، يتقاطع الحراك الصناعي مباشرة مع الرؤية الحكومية؛ وقد أكد سعادة الدّكتور ناصر بن راشد المعولي، وكيل وزارة الاقتصاد في تصريح سابق، على أن المبادرات والبرامج المتواصلة التي تطلقها الحكومة تمثل “تحفيزا واسعا للاستثمار في مختلف القطاعات ودعما لتوجهات التنويع الاقتصادي”. وأوضح سعادته أن في مقدمة هذه الجهود يأتي إطلاق السياسة الوطنية للمحتوى المحلي التي تعزز توطين الصناعة ونمو الأنشطة الاقتصاديّة، مشيرا إلى الدور المحوري للتطور التشريعي عبر حزمة قوانين جديدة، ومنها قانون المناطق الاقتصادية الخاصة والحرة الذي يستهدف “توحيد المزايا والتسهيلات والإعفاءات المقدمة للمستثمرين وتعزيز جاذبية الاستثمار في سلطنة عُمان”.
هل بدأت مرحلة التنفيذ الرقمي فعليا؟
تتحرك الإستراتيجية الصناعية في سلطنة عُمان نحو مرحلة جديدة من النضج الإجرائي، متجاوزة الأطر النظرية للتوطين لتنتقل إلى حوكمة سلاسل الإمداد وتكاملها. ويبرز هذا التحول في مستويين متوازيين؛ الأول على مستوى الشركات التشغيلية، والثاني على مستوى إدارة المناطق الاقتصادية والحرة.
فعلى الصعيد التنفيذي، قدمت شركة “فولتامب للطاقة” نموذجا تطبيقيا للمحتوى المحلي القائم على المستهدفات القابلة للقياس، عبر وضع خطة زمنية ومحددات فنية واضحة لإحلال عشرة مكونات مستوردة رئيسية وتعويضها بمنتجات محلية الصنع. وتكتسب هذه الخطوة أهميتها من كونها تنقل ملف التوطين من سياق الشعارات العامة إلى جداول أعمال تشغيلية ترتبط مباشرة بعقود التوريد الفعلية وتطوير القدرات التنافسية للقاعدة الصناعية.
وعلى المستوى الهيكلي، فإن هذه المبادرات تتقاطع مع التوجهات الحالية للهيئة العامة للمناطق الاقتصادية الخاصة والمناطق الحرة “أوباز”، والتي تركز على الحد من التنافس البيني بين المناطق المختلفة عبر تفعيل إستراتيجية “التخصص التنافسي”. وتستهدف هذه المقاربة منح كل منطقة هوية اقتصادية مستقلة تبنى على ميزاتها النسبية، وموقعها اللوجستي، ومواردها الطبيعية.
وفي هذا الجانب، أشارت مديرة ترويج الاستثمار في الهيئة، آمنة بنت ناصر الشرجي إلى أن هذه الإستراتيجية تسعى في المقام الأول إلى بناء هوية صناعية متخصصة لكل منطقة انطلاقا من نقاط قوتها التنافسية. وبناء على ذلك، فإن نجاح هذا النموذج اللامركزي يبقى رهنا بقدرة الهيئة على ضبط وحوكمة السياسات المالية والجمركية المشتركة، بما يضمن استقرار بيئة الاستثمار وتفادي تداخل آليات الجذب الاستثماري، دفعا للمنظومة الاقتصادية نحو تحقيق أعلى مستويات التكامل والإنتاجية.
الفجوة بين الحماس والقدرة الفنية
وتأتي مبادرة “وطّنها” لتي نفذتها شركة فولتامب للطاقة لتؤكد أن الشركات العُمانية، الصغيرة والمتوسطة، لا تنقصها الرغبة في دخول هذه السلاسل. لكن التوطين في قطاعات دقيقة كالطاقة والأدوية وسلاسل إمداد الهيدروجين الأخضر ليس مسألة بناء مصنع وتوظيف كوادر وطنية فحسب؛ فهو يتطلب شهادات مطابقة عالمية، ونقل تقنيات معقدة، وتمويل طويل الأجل قد لا تستطيع شركة صغيرة أو متوسطة تحمل تكلفتها وحدها في السنوات الأولى. وهذه بالضبط الفجوة التي تقف بين حماس رواد الأعمال العُمانيين وبين قدرتهم على الفوز بعقد توريد فعلي أمام منافس عالمي مؤهل من قبل.
ووعيا بهذه الفجوة، لم تترك “فولتامب” المبادرة لجهة واحدة، بل اجتمعت بجهات مختلفة كجهاز الاستثمار العُماني، وشركة “هيدروم”، وهيئة تنمية المؤسسات الصغيرة والمتوسطة، والشركة العُمانية لنقل الكهرباء، إلى جانب مجموعتي “نماء” و“ذكاء“، وهيئة تنظيم الخدمات العامة كجهة رقابية. اجتماع صانعي السياسات والمنظمين والممولين والمصنعين في مساحة واحدة هو ما يمنح المبادرة فرصة حقيقية لتجاوز مصير الملتقيات السابقة التي انتهت بمذكرات تفاهم لم يبنى عليها مصنع واحد.
كيف نقيس المنتج “المحلي”؟
كيف تقاس القيمة المضافة المحلية في الصناعة التحويلية؟ هل بنسبة التعمين في المصنع؟ أم بنسبة المكونات المصنعة فعليا داخل الحدود؟ أم بحجم رأس المال الذي يبقى يدور في الاقتصاد المحلي بدلا من أن يحول إلى الخارج ثمنا لمكون مستورد؟
إن قطاع النفط والغاز العُماني يملك منذ سنوات معيارا ناضجا ومطبقا لقياس هذا النوع من التوطين، لكن الصناعة التحويلية الأوسع لا تزال بلا مرجع موحد وشفاف. وغياب هذا المعيار لا يبدو تفصيلا فنيا بل عائقا عمليا فمن دونه، لا يستطيع مستثمر أن يقارن بين فرصة توطين في بين منطقتين مختلفتين على أساس رقمي واحد، ولا تستطيع الحكومة أن تحكم بموضوعية أي منطقة أو قطاع حقق تقدما فعليا وأيها اكتفى بالإعلان. وتشير تصريحات “أوباز” إلى وجود حوافز تنافسية وأطر تنظيمية قيد التطوير، لكن التفاصيل التطبيقية الدقيقة لا تزال غائبة عن الشركات التي يفترض أن تبني عليها قرارات استثمار طويلة الأجل.
مؤشرات نمو حقيقية
ولا تقف هذه التوجهات عند حدود الخطط النظرية، بل تستند إلى مؤشرات نمو حقيقية تدعم قدرة المصانع المحلية على سد فجوة الاستيراد؛ إذ تشير البيانات الاقتصادية لعام 2024م إلى قفزة نوعية في أداء أنشطة الصناعات التحويلية بنمو بلغت نسبته 8.5%، بالتوازي مع ارتفاع إسهام الأنشطة غير النفطية في الناتج المحلي الإجمالي إلى 72.7%. وهذا التحول الهيكلي يسانده ارتفاع الاعتمادات المالية للمشروعات الإنمائية بالخطة الخمسية العاشرة بنسبة 51.5% لتصل إلى 9.7 مليار ريال عُماني، بالإضافة إلى دخول مشروعات استراتيجية عملاقة حيز التشغيل الفعلي كمصفاة الدقم، وميناء الصيد البحري المجهز لتوطين الصناعات السمكية، ومحطة أسياد للحاويات؛ وهي أصول وبنى تحتية توفر لمنظومة سلاسل التوريد المحلية الموثوقية العالية والقدرة اللوجستية التي تحتاجها للمنافسة والاستدامة.
- حراك التصنيع السمكي والغذائي: تمكين سلاسل الإمداد وبناء القيمة المضافة
يمثل قطاع الثروة السمكية في سلطنة عُمان نموذجا تطبيقيا واعدا للانتقال من تصدير المواد الخام إلى بناء قيمة مضافة مستدامة داخل الحدود، وهو ما تترجمه الجهود الحكومية المتواصلة لتوطين مشاريع الصناعات السمكية كركيزة للأمن الغذائي الوطني. ومنها المشاركة بجناح وطني موحد لأول مرة في معرض المأكولات البحرية العالمي ببرشلونة، تضمن 3 مؤسسات حكومية و8 مصانع عُمانية متخصصة، ولم تكن المشاركة للترويج اللوجستي فحسب، بل ركز على استقطاب شراكات دولية نوعية وتقنيات حديثة.
- مدينة صحار الصناعية
نجحت مدينة صحار الصناعية خلال عام ٢٠٢٥م في تقديم برهان عملي على تسارع وتيرة التوطين، من خلال استقطاب وتوطين (48) مشروعا جديدا بإجمالي حجم استثمارات تجاوز (105) ملايين ريال عماني، وعلى مساحة تتجاوز مليوني متر مربع، ليرتفع بذلك إجمالي حجم الاستثمار التراكمي في المدينة إلى 2.3 مليار ريال عماني. ويرتكز العمل في المدينة على مشاريع استراتيجية تدعم سلاسل التوريد، من بينها مجمع الصناعات البلاستيكية “لدائن” ومجمع الألمنيوم المتكامل اللذين يمثلان قاعدة لتغذية المصانع والشركات الصغيرة والمتوسطة بالمواد الأولية محلياً، إلى جانب التخطيط لإنشاء مزرعة للطاقة الشمسية بقدرة 97 ميجاواط.
- مدينة صور الصناعية
استقبلت خلال النصف الأول من عام ٢٠٢٥م (7) طلبات استثمارية، ونجحت في توطين (6) مشاريع منها بحجم استثمارات يتجاوز (13) مليون ريال عماني. وأشار مدير عام المدينة في تصريح سابق، بأن المدينة تسير بخطى مدروسة نحو تمكين قطاعات حيوية متخصصة.
-المنطقة الحرة بالمزيونة
استطاعت المنطقة خلال عام ٢٠٢٥م توطين 15 مشروعا استثماريا جديدا بحجم استثمار تجاوز الـ (650) ألف ريال عماني على مساحة تصل إلى (10) آلاف متر مربع، تنوعت بين الأنشطة اللوجستية والصناعية ومكاتب التصدير. وأكد مدير عام المنطقة في تصريح سابق، بأن هذا التوطين رافقه نمو تشغيلي ملحوظ، تمثل في ارتفاع مناولة البضائع بنسبة 22% لتصل إلى 270 ألف طن، وزيادة حركة تصدير السيارات بنسبة 26%. وأشار إلى المشاريع النوعية التي تعزز القيمة المضافة، مثل مصنع الأسماك بتكلفة 1.6 مليون ريال عماني لتصدير المنتجات السمكية العُمانية واليمنية إلى أسواق شرق آسيا بطاقة إنتاجية تبلغ 2000 طن سنوياً وبسواعد وطنية تشكل 20% من أبناء الولاية.
هل اكتملت مقومات الانتقال نحو الإنتاج الفعلي؟
تمتلك سلطنة عُمان حاليا مقومات تمكينية نوعية؛ تتمثل في بنية تحتية متطورة بالمناطق الاقتصادية والحرة، وزخم مؤسسي تدعمه مستهدفات “رؤية عُمان 2040”، إضافة إلى سياق إقليمي يحفز على تنويع سلاسل الإمداد وتأمينها ضد الصدمات الجيوسياسية. ومع ذلك، فإن توفر هذه الشروط الإستراتيجية يمثل مرحلة تمهيدية تستلزم آليات تنفيذية لضمان تحقيق العوائد المستهدفة.
وتبدو المنظومة الصناعية في مرحلة “بناء وتطوير القدرات التنافسية” كأولوية تسبق مرحلة الإنتاج الكلي. ورغم الجاهزية المؤسسية ورغبة القطاع الخاص في التوسع، إلا أن تسريع وتيرة التصنيع الفعلي لا يزال يواجه تحديات ترتبط بوضع معايير قياس موحدة للمحتوى المحلي، وتوفير قنوات تمويلية متخصصة لسد الفجوات التمويلية. وسيكون نجاح التحول من المبادرات النموذجية المحدودة إلى الإنتاج الصناعي المستدام هو المحك الرئيسي في السنوات المقبلة لتحديد موقع عُمان في الخريطة الإقليمية: كقاعدة صناعية مصدرة للمكونات، أم كمنصة لوجستية مستهلكة لها.
المصادر:

شارك هذا الخبر