لا للسمنة في سلطنة عُمان: هل نصنع المرض قبل أن نعالجه؟

تستعرض د. هند المجرفية مؤشرات السمنة في سلطنة عُمان، وصلتها بقلة الحركة والأمراض المزمنة، وتقترح سبع أولويات للوقاية عبر المدارس والمدن وأماكن العمل.

عن الكاتب

لا للسمنة في سلطنة عُمان: هل نصنع المرض قبل أن نعالجه؟
السمنه
أثير – ريما الشيخ
كنا نحب أن نعد خطواتنا إلى أماكن نحبها، خصوصًا أيام المناسبات، لكي نحوم حول المحلات التي نرغب في شراء حاجاتنا منها. أما اليوم، فتقودنا خطانا إلى السيارة لأقرب مشوار لنا.
هل فقدنا قدرتنا على السير، أم طاردنا الخمول، وزارتنا السمنة بغير موسمها، ليس لكثرة الأكل فحسب، بل لقلة الحركة.
وهنا يكمن السؤال عن بيئتنا اليومية: هل تساعدنا على الحركة والغذاء الصحي، أم تدفعنا ببطء نحو الخمول والمرض؟
تُشخّص د. هند بنت خليفة بن علي المجرفية، استشارية جراحة عامة وجراحة السمنة والجهاز الهضمي العلوي بالمستشفى السلطاني، أبعاد هذه المظاهر في حديثها لـ”أثير”، مؤكدة بأن السمنة لم تعد مجرد همّ صحي فردي، بل تحولت إلى قضية تنموية تمس صميم صحة المجتمع وإنتاجيته، وهو ما يتطلب تدخلًا مؤسسيًا شاملًا يتجاوز فكرة لوم الفرد على خياراته.
أرقام تكشف ما هو أبعد من الوزن
تشير نتائج المسح الوطني لعوامل الخطورة للأمراض غير المعدية (STEPS Oman 2017) إلى أن 30.4% من البالغين في سلطنة عُمان يعانون السمنة، بينما تقفز نسبة زيادة الوزن والسمنة مجتمعتين لتشمل 66% من السكان البالغين.
ولا تمثل هذه الأرقام مجرد إحصائيات، بل جرس إنذار بنظام صحي يتعامل مع قاعدة هائلة من المعرضين للأمراض المزمنة.
وتتضح الصورة أكثر مع التفاصيل؛ إذ توضح د. هند أن السمنة أكثر شيوعًا بين النساء مقارنة بالرجال، وتزداد مع التقدم في العمر، وفي السياق ذاته، كشف تقرير نشرته صحيفة ”Times of Oman“ أن ما يقارب ثلثي سكان سلطنة عُمان (64.7%) يعانون زيادة في الوزن أو السمنة، وتتركز المشكلة بصورة أكبر بين العُمانيين بنسبة 35.2% مقابل 19% بين غير العُمانيين، وترتفع النسبة بين النساء العُمانيات لتصل إلى 40.9% مقارنة بـ 28.2% بين الرجال.
والمقلق حقًا هو أن المشكلة تتضخم بسرعة، فمعدلات السمنة بين البالغين العُمانيين قفزت من 24.1% في عام 2008م إلى 35.2% في 2017م، وعلى مستوى الرعاية الصحية الأولية، أظهرت الفحوصات أن 36.6% من البالغين فوق سن الأربعين لديهم مؤشر كتلة جسم يتجاوز 30، فيما يعاني 52.6% زيادة الدهون في منطقة البطن.
أما أطفالنا ومراهقونا، فهم أيضا يمثّلون جزءًا من الظاهرة، حيث أظهرت دراسات محلية أن ما بين 17% و18% من الأطفال في بعض الفئات العمرية يعانون زيادة الوزن أو السمنة، واليوم، يعاني أكثر من 30% من الأطفال والمراهقين زيادة في الوزن، بينما تبلغ نسبة السمنة الصريحة 16.1% بين الأولاد و13.3% بين البنات.
لماذا أصبحت السمنة قضية عالمية الآن؟
المشكلة لا تقتصر علينا وحدنا، ولم تعد محصورة في الدول الغنية، فمنظمة الصحة العالمية أفادت بأن شخصًا واحدًا من كل 8 أشخاص في العالم كان يعيش مع السمنة في عام 2022م، وتضاعفت سمنة البالغين أكثر من مرتين منذ عام 1990م، فيما تضاعفت سمنة المراهقين أربع مرات.
وبلغة الأرقام المطلقة، نحن نتحدث عن نحو 2.5 مليار بالغ عانوا زيادة الوزن في 2022م، منهم 890 مليونًا يعيشون مع السمنة (أي إن 43% من البالغين يعانون زيادة الوزن، و16% السمنة).
أما لدى الأطفال، فالأرقام تشير إلى أن 35 مليون طفل دون سن الخامسة عانوا زيادة الوزن في عام 2024م، وكان أكثر من 390 مليون طفل ومراهق (بين 5 و 19 عامًا) يعانون زيادة الوزن في 2022م، منهم 160 مليونًا يعيشون مع السمنة، وقد ارتفعت نسبة زيادة الوزن في هذه الفئة من 8% في عام 1990م إلى 20% في عام 2022م، وقفزت السمنة من 2% (31 مليونًا) إلى 8% (160 مليونًا).
ولا تكتسب هذه الأرقام أهميتها من ضخامتها فقط، بل من ثمنها الباهظ، ففي عام 2021م تسبب ارتفاع مؤشر كتلة الجسم في نحو 3.7 مليون وفاة عالميًا بسبب الأمراض غير السارية، وتشير المنظمة إلى أن التكلفة العالمية للسمنة قد تصل إلى 3 تريليونات دولار سنويًا بحلول 2030م، وتنفجر لتتجاوز 18 تريليون دولار بحلول 2060م إذا استمرت حالة الصمت حولها.
أين تبدأ المشكلة في الحياة اليومية؟
نحن أمام جيل بات يرى في المشي عبئًا، فبيانات (STEPS) تُظهر أن 38.3% من البالغين في سلطنة عُمان لا يمارسون نشاطًا بدنيًا كافيًا، والمشكلة هنا ليست تقصيرًا فرديًا بحتًا، بل انخفاض في الحركة اليومية الطبيعية التي كانت جزءًا من نمط حياتنا، حيث استبدلنا المشي إلى المدرسة أو السوق بالاعتماد الكلي على السيارات والجلوس الممتد أمام الشاشات.
وهذا الخمول هو البوابة الواسعة لأمراض تنهش الجسد، حيث توضح د. هند أن 33% من البالغين يعانون ارتفاع ضغط الدم، و16% لديهم ارتفاع في مستوى السكر أو السكري، و 36% يعانون ارتفاع الكوليسترول، وهذه النسب تعني أدوية مستمرة واحتمالاً أكبر لمضاعفات كالقلب، والكبد الدهني، وانقطاع النفس أثناء النوم، وبعض أنواع السرطانات كالقولون والثدي والرحم.
الكلفة التي لا تظهر فورًا (المدرسة، المدينة، ومكان العمل)
قد لا نشعر بكلفة السمنة في يومها الأول، لكنها فاتورة تتراكم بين الأسرة ومكان العمل، حيث تشير تقديرات الاتحاد العالمي للسمنة إلى أن التكلفة الاقتصادية قد تتجاوز 4 تريليونات دولار سنويًا بحلول عام 2035م، وفي سلطنة عُمان، يعني ذلك زيادة الإنفاق على العلاج والإجازات المرضية، وفي بيئة العمل، تؤكد د. هند أن الأثر يتجاوز الغياب، فالإرهاق المزمن وآلام المفاصل واضطرابات النوم تنعكس على الأداء اليومي للموظف، وتدفعه أحيانًا إلى التقاعد المبكر.
هنا نصل إلى السؤال الأصعب: من المسؤول؟
تؤكد النظرة العلمية الحديثة أن السمنة مرض مزمن متعدد العوامل، وليست مجرد ضعف إرادة، فالفرد يتخذ قراراته داخل بيئة تؤثر عليه؛ بدءًا من المدرسة التي أظهرت تقاريرها ارتفاع معدلات السمنة بين الطلبة، وصولًا إلى ”المدينة“ التي تعد طرفًا صامتًا في المعادلة، فتصميم الشوارع وتوفر مسارات المشي الآمنة والمظللة يقرر إلى حد كبير مقدار حركة السكان العفوية.
ما الذي يجب أن يحدث الآن؟
رغم الجهود المبذولة في سلطنة عمان لتعزيز النشاط البدني والتوعية، إلا أن حجم التحدي يتطلب تكاملًا أكبر، وتضع د. هند المجرفية 7 أولويات عاجلة لمواجهة هذه الأزمة:
1. تعزيز النشاط البدني اليومي في المدارس.
2. تحسين البيئة الغذائية في المقاصف المدرسية.
3. توسيع شبكات المشي والمساحات العامة المهيأة للنشاط البدني.
4. تطبيق برامج صحة الموظفين في المؤسسات الحكومية والخاصة.
5. الحد من تسويق الأغذية والمشروبات غير الصحية للأطفال.
6. تعزيز الكشف المبكر وعلاج السمنة باعتبارها مرضًا مزمنًا.
7. دعم السياسات الوطنية متعددة القطاعات لمواجهة السمنة.
وختامًا، لا يمكن قراءة ملف السمنة في سلطنة عُمان كمجرد إحصائية طبية عابرة، بل هو مرآة تعكس كيف نعيش ونتحرك في مساحاتنا اليومية. وللإجابة عن التساؤل: هل نصنع المرض قبل أن نعالجه؟ يكفي أن ندرك أن المعركة الحقيقية لا تُحسم في الوصفات الطبية، بل في شوارع المدينة، ومقاصف المدارس، وبيئات العمل، فالوقاية لن تنجح ما لم نجعل ”الخيار الصحي“ هو المسار الأسهل للجميع، قبل أن ينتهي المطاف بالإنسان في غرف الانتظار لمحاربة أمراض كان بالإمكان تفاديها.
المصادر:
● المسح الوطني لعوامل الخطورة للأمراض غير المعدية (STEPS Oman 2017).
● Times of Oman – Rising obesity level among Omani population poses challenges.
● منظمة الصحة العالمية – Obesity and overweight.
● منظمة الصحة العالمية – Noncommunicable diseases.
● الاتحاد العالمي للسمنة – تقديرات التكلفة الاقتصادية العالمية للسمنة.

شارك هذا الخبر