أثير - محمد الدغيشي
في مشهد أصبح اليوم متكررا، حيث يجتمع عليه الموظفون ليناقشوه في أماكن عملهم ليجدون الحل الذي يضمن لهم حقوقهم الوظيفية، فقد برز موضوع تأمين الإجازات المرضية وغير الاعتيادية كأحد أهم فروع منظومة الحماية الاجتماعية التي تعنى بضمان استقرار دخل العامل خلال الظروف الطارئة. فهذا الفرع التأميني لا يقتصر على تغطية فترات المرض فحسب، بل يمتد ليشمل حالات إنسانية متعددة كإجازة الزواج، وإجازة الوفاة، وإجازة مرافقة المريض، وغيرها من الإجازات المنصوص عليها قانونًا، بما يضمن للمؤمَّن عليه التغطية التأمينية اللازمة خلال هذه الفترات، ويعزز الحماية الاجتماعية والاستقرار الوظيفي.
ما أنواع الإجازات المشمولة؟
يعد تأمين الإجازات المرضية وغير الاعتيادية أحد برامج التأمين الاجتماعي التي تهدف إلى توفير حماية اجتماعية للمؤمن عليه في حالة المرض أو العجز المؤقت عن العمل، من خلال ضمان استمرار الدخل خلال فترة الإجازة، بما يُمكنه من الحصول على الرعاية الصحية اللازمة والتعافي، ويسهم في استقرار الحياة المهنية والأسرية والحد من الآثار المالية المترتبة على الانقطاع عن العمل.
ويفرق القانون بين نوعين من الإجازات؛ الأولى هي الإجازة المرضية التي يستحق عنها المؤمَّن عليه بدلا بما لا يجاوز 182 يوما في العام، تلتزم جهة العمل بتغطية أجر الأيام السبعة الأولى منها بكامل الأجر، فيما تغطى بقية المدد من فرع التأمين وفق نسب متدرجة وهي:
- 100% من الأجر من اليوم الثامن حتى الحادي والعشرين.
- 75% حتى اليوم الخامس والثلاثين.
- 50% حتى اليوم السبعين، وتنخفض إلى 35% حتى اليوم الأخير من مدة الاستحقاق.
ويتولى صندوق الحماية الاجتماعية سداد الأجر بحسب النسب المحددة أعلاه.
أما النوع الثاني فهي الإجازات غير الاعتيادية، التي تشمل حالات خاصة يستحق عنها المؤمن عليه بدلا بنسبة 100% من الأجر، وتتفاوت مددها بحسب طبيعة الحالة، من إجازة الزواج والوفاة إلى إجازة مرافقة مريض من الدرجة الأولى.
من يتحمل التكلفة؟
النقطة الأهم والتي يشدد عليها القانون في هذا الشأن، هي أن الاشتراك الشهري في هذا الفرع التأميني، والبالغ نسبته 1% من الأجر الإجمالي دون سقف محدد، تتحمله جهة العمل بالكامل، ولا يقتطع أي جزء منه من راتب الموظف، إذ تستمر جهة العمل في سداد أجر المؤمن عليه خلال فترة إجازته، على أن تتولى جهة العمل سداد الاشتراكات الشهرية للصندوق طوال فترة الإجازة، ليتولى الصندوق لاحقا وفق الإجراءات المحددة تسوية ما سددته جهة العمل خلال تلك الفترة.
وفي المقابل، يسترد صاحب العمل من صندوق الحماية الاجتماعية المبالغ التي دفعها للعمل أثناء الإجازات المرضية والإجازات غير الاعتيادية المشمولة في النظام.
خطوة نحو تعزيز الاستقرار الوظيفي ورفع الإنتاجية
لا تقتصر أهمية هذا الفرع التأميني على الجانب الفردي للموظف فحسب، إنما تمتد آثاره لتشمل بيئة العمل ككل. فمن خلال تحويل عبء تمويل الإجازات الطويلة أو الظروف الاجتماعية الطارئة من التزام مباشر على جهة العمل إلى منظومة تأمينية جماعية يديرها الصندوق، تتخفف المؤسسات في القطاعين العام والخاص من الأعباء المالية المفاجئة المرتبطة بغياب الموظفين لفترات ممتدة، وهو ما ينعكس بدوره على استقرار العملية الإنتاجية داخل المنشآت.
وبحسب ما أعلنه صندوق الحماية الاجتماعية، فإن تفعيل هذا التأمين قد سرى اعتبارا من يوليو 2026 ليستفيد منه جميع العاملين في السلطنة، ويأتي ضمن توجه وطني أوسع يهدف إلى تحويل الإجازات المرضية من عبء تنظيمي إلى حق تأميني مستقر، يضمن للعامل الأمان الوظيفي خلال فترات المرض أو الظروف الطارئة، بما يسهم في بناء بيئة عمل أكثر جاذبية واستقرارا لكل من الموظف وصاحب العمل على حد سواء.
كيف يراعي القانون الظروف الإنسانية للموظف؟
يعكس تفصيل الإجازات غير الاعتيادية في هذا الفرع التأميني حرص المشرع على مراعاة الظروف الإنسانية التي يمر بها الموظف دون أن تثقله بالقلق النفسي أو المالي. فبموجب القانون، يستحق المؤمن عليه 3 أيام إجازة بدل 100% من الأجر في حالة الزواج، و3 أيام في حالة وفاة الأب أو الأم أو الجد أو الجدة أو الأخ أو الأخت، ويومين في حالة وفاة العم أو العمة أو الخال أو الخالة، و10 أيام في حالة وفاة الزوجة أو أحد الأبناء أو البنات.
وتحظى المرأة المسلمة بسبب الظروف المتعلقة بديننا الحنيف عند وفاة زوجها بإجازة عدة تصل إلى 130 يوما بأجر كامل، فيما تمنح المرأة غير المسلمة 14 يوما في الحالة ذاتها. كما يتيح القانون إجازة مرافقة مريض من فئة الزوج، أو أحد الوالدين، أو الأبناء والبنات، أو الإخوة والأخوات، بحد أقصى 30 يوما في العام الواحد، وتصرف عن الخمسة عشر يوما الأولى منها بنسبة 100% من الأجر، ثم 50% لباقي المدة، مع إمكانية تمديد هذه الفترة بناء على طلب المؤمن عليه وفق ضوابط يصدر بها قرار من مجلس إدارة الصندوق.
يعتبر هذا التوازن بين البعد الإنساني والبعد المالي يجسد فلسفة الحماية الاجتماعية القائمة على مبدأ التكافل، بحيث يجد الموظف في أصعب الظروف الشخصية دعما مؤسسيا يخفف عنه القلق الوظيفي والمالي في وقت واحد.
الجدول الزمني لتطبيق قانون الحماية الاجتماعية
يسري فرع تأمين الإجازات المرضية وغير الاعتيادية على جميع العمانيين العاملين في مختلف القطاعات المدنية والعسكرية والأمنية بمختلف أنواع العقود، في حين تقرر تطبيقه على العمال غير العمانيين العاملين في وحدات الجهاز الإداري للدولة والقطاع الخاص الخاضعين لأحكام قانون العمل اعتبارا من 19 يوليو الجاري، بموجب قرار أصدر من قبل معالي المهندس سالم بن ناصر العوفي، وزير الطاقة والمعادن ورئيس مجلس إدارة صندوق الحماية الاجتماعية.
وكان من المفترض تطبيق هذا الفرع على العمال غير العُمانيين في يوليو العام السابق، إلا أن تطبيقه تأجل بموجب المرسوم السلطاني رقم 60/2025 ليتم تفعيله في العام الحالي 2026.
ويأتي هذا التطبيق ضمن خطة تدريجية أوسع، إذ تسعى منظومة الحماية الاجتماعية من خلالها إطلاق حزمة من البرامج التأمينية الجديدة خلال العام الحالي والأعوام 2027 -2028، تشمل تفعيل تأمين الإجازات المرضية وغير الاعتيادية لجميع العاملين في 2026، وإطلاق نظام الادخار الإلزامي لغير العُمانيين في عام 2027 بنسبة اشتراك 9% من الراتب الأساسي تتحملها جهة العمل بهدف استبدال مكافأة نهاية الخدمة التقليدية، ثم تطبيق تأمين إصابات العمل للعاملين غير العُمانيين في عام 2028 بنسبة اشتراك 1% من الراتب الإجمالي وبسقف أجر يصل إلى 3000 ريال عُماني.
وتشير الإحصاءات الصادرة عن الصندوق إلى اتساع مظلة منظومة الحماية الاجتماعية في السلطنة، إذ بلغ إجمالي المؤمن عليهم النشطين حتى يناير 2026 نحو 1,676,493 مؤمنا عليه، منهم 615,174 عُماني و1,061,319 غير عُماني، يعملون لدى 137,240 جهة عمل نشطة، فيما يقدم الصندوق خدماته لنحو 64% من السكان المشمولين بمنظومة الحماية الاجتماعية، أي ما يقارب 3.3 مليون مستفيد من مختلف البرامج والمنافع.
ويتيح الصندوق للمؤمن عليهم التقديم على طلبات التعويض عن بدل هذه الإجازات إلكترونيا عبر البوابة الرسمية www.spf.gov.om، في خطوة تعكس توجه المنظومة نحو تسهيل الإجراءات وتحقيق التكامل بين الحماية الاجتماعية ومتطلبات سوق العمل الحديث.
المصادر:





