أثير - ريما الشيخ
لك أن تتخيل أن قرارًا قانونيًا يخصك لم يبدأ من قراءة محامٍ، بل من إجابة أنتجتها آلة.
عقدٌ ينتظر التوقيع، أو نزاعٌ يحتاج إلى تقييم، أو استشارة قد تغير موقفك المالي والقانوني، تمر أولًا عبر نظام ذكاء اصطناعي يقرأ، يلخص، ويقترح.
تبدو النتيجة دقيقة ومرتبة، لكن خطأ واحدًا في فهم بند، أو إغفال تفصيل حاسم، أو استشهاد غير صالح، قد يحوّل السرعة إلى مخاطرة؛ فمن يتحمل المسؤولية إذا تحولت مخرجاته إلى رأي قانوني اعتمد عليه الشخص؟ وهذه الحالة ليست افتراضية، فقد وقعت فعلاً.
إحالة محامي للتحقيق
أوردت محامية سعودية في حسابها على منصة تويتر، بأن محامي اعتمد في صياغة المذكرة على المحامية المتدربة لديه التي استعانت بالذكاء الاصطناعي، ولم يقم هو بمراجعتها. وفي قاعة المحكمة تفاجأ بسؤال القاضي: أين وردت هذه المادة؟ وتم إحالته للإدارة العامة للمحاماة.
منصة موجهة للعمل القانوني
تعود هذه الإشكالية إلى الواجهة بالتزامن مع إطلاق جوجل منصة “Gemini Enterprise for Legal” الموجهة للمؤسسات والقطاعات القانونية، لمساعدتها في الفحص النافي للجهالة، ومراجعة العقود، ومتابعة الامتثال التنظيمي، إلى جانب ربطه بمنصات قانونية وتقنية يستخدمها القطاع.
وتضم المنصة تكاملات مع أنظمة ومنصات من بينها Docusign وEverlaw وHarvey وiManage وLegora وNetDocuments وRelativityOne وThomson Reuters، بما يسمح للفرق القانونية بالعمل على مستنداتها وسير إجراءاتها داخل بيئات رقمية متصلة.
كما أوردت “رويترز” أن جوجل وسعت منصة Gemini Enterprise بأدوات جديدة للمحامين ومكاتب المحاماة، في ظل تنافس شركات التقنية على تلبية الطلب المتزايد على أدوات الذكاء الاصطناعي في القطاع القانوني.
وأكدت الشركة أن بيانات العملاء وطلباتهم ومخرجاتهم تبقى داخل النطاق السحابي الخاص ولا تستخدم لتدريب النماذج الأساسية.
السرية وحماية البيانات في الواجهة
تقول جوجل إن المنصة تعمل على بنية Google Cloud ومنصة Gemini Enterprise، وإن صلاحيات الوصول التي تعتمدها المؤسسة تبقى هي الحدود التي يعمل النظام داخلها. كما تؤكد أن بيانات العملاء والطلبات والمخرجات لا تستخدم لتدريب النماذج الأساسية.
هذه النقطة أساسية في العمل القانوني؛ لأن ملفات المحاماة والاستشارات القانونية قد تتضمن عقودًا، ومراسلات، ومستندات نزاع، ومعلومات مالية وتجارية وشخصية؛ لذلك لا يتعلق استخدام التقنية هنا بالسرعة فقط، بل بالبيانات التي تدخل إلى النظام، والجهة التي تستطيع الوصول إليها، وطريقة حفظ المخرجات ومراجعتها.
المهنة منظمة بقانون ومدونة سلوك
تنظم أعمال المحاماة وما يتصل بها في سلطنة عُمان قانون المحاماة والاستشارات القانونية بالمرسوم السلطاني رقم 41/2024، واللائحة التنفيذية للقانون بالقرار الوزاري رقم 66/2025.
وتنص مدونة قواعد سلوك وأخلاقيات مهنة المحاماة، الصادرة بالقرار الوزاري رقم 34/2022، على التزامات مهنية وأخلاقية تتعلق بعمل المحامي، ومن بينها المحافظة على أسرار الموكلين والعمل، واتخاذ التدابير التي تحول دون تسربها أو اطلاع غير المصرح لهم عليها؛ وبذلك، فإن إدخال أدوات الذكاء الاصطناعي إلى مسار العمل القانوني لا يمكن فصله عن السرية المهنية، خصوصًا إذا كانت الأداة تتعامل مع مستندات عملاء أو ملفات نزاع أو بيانات ذات طبيعة حساسة.
وإلى جانب ذلك، يدخل قانون حماية البيانات الشخصية الصادر بالمرسوم السلطاني رقم 6/2022 في المسألة، إذ يتضمن القانون تأكيدًا صريحًا على موافقة صاحب البيانات قبل المعالجة، ومنح صاحب البيانات حقوقًا مثل إلغاء الموافقة، وطلب تعديل أو تحديث أو محو البيانات، والإخطار عند حدوث اختراق أو انتهاك للبيانات الشخصية.
ففي الملفات القانونية، قد تظهر بيانات شخصية داخل عقود العمل، أو النزاعات التجارية، أو القضايا الأسرية، أو ملفات التعويض، أو المستندات المالية؛ لذا يصبح استخدام أدوات الذكاء الاصطناعي مرتبطًا بسؤال إضافي: هل تتم معالجة هذه البيانات داخل نطاق آمن ومصرح به، وبما لا يخالف حقوق أصحاب البيانات؟
نقاش محلي سبق إطلاق المنصة
محليًا، طرح موضوع الذكاء الاصطناعي في المجال القانوني خلال أيام مسقط للتحكيم 2025، حيث ناقشت جلسة متخصصة الاستفادة من الذكاء الاصطناعي في التحكيم القانوني، وتطرقت إلى السرية، وحماية البيانات الحساسة، وإدخال المعلومات إلى منصات خارجية قد تخزن على خوادم في دول تختلف قوانين حماية البيانات فيها.
كما تم التأكيد بأن بقاء دور الذكاء الاصطناعي مساعدًا لا بديلًا عن المحكّم، مع بقاء القرار النهائي في يد الإنسان، ومساءلة المحكّم عن أي خطأ قد ينتج عن الاعتماد غير المدروس على التقنية.
وهذه الفكرة قريبة من مكاتب المحاماة أيضًا، فالأداة قد تساعد في القراءة والفرز والتلخيص، لكن القرار القانوني النهائي يحتاج إلى مراجعة مهنية بشرية.
ذكاء مساعد.. ومسؤولية بشرية
لرصد واقع استخدام الذكاء الاصطناعي في مهنة المحاماة بسلطنة عُمان، استطلعت “أثير” رأي محاميين عُمانيين حول المجالات التي دخلت إليها هذه الأدوات في العمل القانوني، وحدود الاعتماد عليها، والمسؤولية المهنية عن مخرجاتها.
المحامي العام والقاضي السابق سلطان بن حمود الجرادي قال بأن استخدام الذكاء الاصطناعي أصبح حاضرًا بصورة متزايدة في العمل القانوني، إذ أسهم في مراجعة المذكرات لغويًا، وإعادة صياغة الفقرات بصورة أوضح، وكتابة الخطابات، إلى جانب تقديم قراءة تحليلية أولية لصحائف الدعاوى والمذكرات واقتراح أفكار يمكن للمحامي البناء عليها.
وذكر أن استخدام هذه الأدوات يمتد كذلك إلى مراجعة العقود وصياغتها، وتحليل الأحكام ومذكرات الخصوم، والتدقيق الإملائي والنحوي، وتحويل الصور إلى نصوص مكتوبة.
وأوضح الجرادي أن الذكاء الاصطناعي يجب أن يبقى في موقع المساعد، وأن يقوده محامٍ متمكن، محذرًا من الاعتماد على مخرجاته دون مراجعة دقيقة، إذ قد يقدم معلومات أو دفوعًا غير موجودة أصلًا، وكلما زاد الاعتماد عليه دون تدقيق زادت احتمالات الخطأ.
وأشار إلى أن استخدام الذكاء الاصطناعي ما يزال يحمل صورة سلبية لدى بعض الناس، ما يدفع بعض المحامين إلى تجنب الإفصاح عن استخدامه، لكنه توقع أن تكون هذه مرحلة مؤقتة وأن يصبح لاحقًا من الأدوات الأساسية في المهنة.
من جانبه، قال المحامي أيمن بن صالح العامري إن أدوات الذكاء الاصطناعي تستخدم بصورة متزايدة في مكاتب المحاماة، لكن ضمن نطاق محدد وموجه، مشيرًا إلى الاستفادة منها في قراءة العقود واستخراج البنود الجوهرية، وتلخيص الملفات المطولة، وتوفير الوقت في مراحل البحث الأولي.
وذكر أن الاستخدام يشمل كذلك إعداد المسودات الأولية للعقود والمذكرات والردود عليها، والمطابقة الهيكلية بين المستندات، وتلخيص الأحكام، وجمع النصوص القانونية ذات الصلة.
وأكد العامري أن جميع المخرجات الناتجة عن الذكاء الاصطناعي يجب أن تخضع لمراجعة دقيقة من المحامي المختص قبل صدورها أو اعتمادها.
وأوضح أن المسؤولية القانونية والمهنية تبقى على المحامي الموقّع على المذكرة أو الصحيفة، أو على المسؤول في مكتب المحاماة، لأن الذكاء الاصطناعي لا يتمتع بشخصية قانونية أو ذمة مهنية، وبالتالي فإن استخدامه لا يعفي المحامي أو المكتب من المسؤولية عن أي مخرجات غير دقيقة.
كما حذر المحامين في بداية مسيرتهم المهنية من الاعتماد عليه مبكرًا، موضحًا أن المحامي يحتاج أولًا إلى بناء مهاراته بنفسه في البحث والصياغة والتحليل، حتى يستطيع لاحقًا تقييم ما تنتجه هذه الأدوات والسيطرة على طريقة استخدامها.
التأمين عن الأخطاء المهنية
تناولت اللائحة التنفيذية لقانون المحاماة والاستشارات القانونية تنظيم جوانب مهنية مرتبطة بعمل المحامين والمستشارين القانونيين. كما أوضحت اللائحة الجديدة إلزامية التأمين عن الأخطاء المهنية، مع الإشارة إلى وجود آلية للشكاوى ضد المحامي أو المستشار القانوني إذا تعلقت بمخالفة القانون أو اللائحة أو مدونة قواعد السلوك أو الإخلال بواجبات المهنة.
ولا يعني ذلك أن اللائحة تناولت الذكاء الاصطناعي تحديدًا، لكنها تجعل سؤال الخطأ المهني حاضرًا عند بحث أثر الاعتماد على أدوات جديدة في العمل القانوني.
ويمكن القول بأن إطلاق منصة مخصصة للعمل القانوني من شركة بحجم جوجل يؤكد أن الذكاء الاصطناعي لم يعد نقاشًا عامًا عن الإنتاجية فقط، بل أصبح يدخل في تفاصيل مهنية حساسة: مثل العقود، والفحص النافي للجهالة، والمتابعة التنظيمية، وإدارة المستندات القانونية.
وفي سلطنة عُمان، يلتقي هذا التطور مع إطار مهني وقانوني يقوم على السرية، وحماية بيانات العملاء، وواجب العناية، والمسؤولية المهنية؛ لذا لا يكفي السؤال عن قدرة النظام على التلخيص أو التحليل، بل عن حدود استخدامه، وكيفية توثيق المراجعة البشرية، ومتى تتحول المخرجات من مساعدة داخلية إلى رأي قانوني يتحمل المحامي تبعته.
لكن، إذا اعتمد المحامي على تحليل أنشأه نظام ذكاء اصطناعي ووقع خطأ، فمن يتحمل المسؤولية المهنية والقانونية؟





