رصد - أثير
في أغسطس 1919، أصدر مجلس الوزراء البريطاني تعليماته إلى إدارات الدفاع العسكرية بالتخطيط على افتراض أن الإمبراطورية لن تخوض أي حرب كبرى لمدة 10 سنوات. عُرفت هذه السياسة باسم ”قاعدة العشر سنوات“، وكانت تُجدّد سنوياً، قبل أن تصبح تجديداتها تلقائية عام 1928.
كانت هذه القاعدة أداة مالية متخفية في صورة تقييم إستراتيجي، إذ سمحت لوزارة الخزانة بموازنة الميزانيات، في الوقت الذي كانت فيه الترسانة التي انتصرت بها بريطانيا في الحرب العالمية الأولى تتلاشى بهدوء.
بعد استيلاء اليابان على منشوريا عام 1931، تم التخلي عن هذه القاعدة في العام التالي. وأضاف مجلس الوزراء تحذيراً مفاده أنه يجب ألا يُتخذ إنهاء القاعدة مبرراً لزيادة الإنفاق الدفاعي.
ثم أمضت بريطانيا سبع سنوات لتكتشف أن الأموال التي تُخصص في وقت متأخر لا تستطيع استعادة القدرة الصناعية التي تم التخلي عنها في وقت سابق. فلم تكن طائرات ”سبيتفاير“ ومحطات الرادار التي أنقذت البلاد عام 1940 جاهزة إلا قبل نحو 12 شهراً فقط من اندلاع الخطر.
وأسقطت دورية ”ناشيونال إنترست“ الأمريكية هذه القاعدة على الحالة الأمريكية في مقال لها، رصدته ”أثير“، وجاء فيه ما يلي:
النسخة الأمريكية: ثلاثة عقود من قاعدة العشر سنوات
لقد عاشت الولايات المتحدة في ظل ”قاعدة العشر سنوات“ الخاصة بها طوال ثلاثة عقود. ورغم أنها لم تُعلن بشكل صريح في فترة ما بعد الحرب الباردة، فإن عمليات المشتريات العسكرية وُجّهت وفق هذه الرؤية:
• الحروب ستكون قصيرة.
• الدقة ستغني عن الكثافة العددية.
• يمكن لخطوط إنتاج الذخائر أن تعمل عند الحد الأدنى من الاستدامة، لأن المخزونات لن تُستنزف بشكل جدي أبداً.
لكن الحرب مع إيران دفعت إلى مراجعة جدية لهذه الرؤية، وجاءت نتيجة المراجعة لتثبت فشل هذه الافتراضات.
فبحلول الوقت الذي توقف فيه القتال الشامل في أبريل، كان البنتاغون قد استهلك:
• نصف صواريخ ”ثاد“ الاعتراضية على الأقل.
• ما يقرب من نصف صواريخ ”باتريوت“ الاعتراضية.
• نحو 30% من مخزون صواريخ ”توماهوك“.
(وفقاً لتحليل مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية (CSIS)، الذي أكده مسؤولون مطلعون على التقديرات الداخلية لوزارة الدفاع).
كما انخفضت مخزونات صواريخ (SM-3) و(SM-6) و(JASSM) بنحو الخُمس لكل منها. وبعد انهيار وقف إطلاق النار لفترة وجيزة واستئناف الضربات، عاد معدل الإنفاق إلى الارتفاع.
لكن القصة تصبح أكثر قتامة عند الحديث عن إعادة تجديد المخزونات الإستراتيجية، إذ توفر جداول التسليم الحالية ما يقارب 15 صاروخ ”توماهوك“ و20 صاروخ ”باتريوت“ اعتراضياً جديداً شهرياً، مع عدم توقع تسليم أي صواريخ ”ثاد“ خلال عام 2026.
وتقدّر إيلين ماكوسكر، المراقبة السابقة للبنتاغون، أن الجداول الزمنية لتجديد المخزون تتراوح بين عامين وخمسة أعوام لمعظم الذخائر.
أوجه التشابه مع بريطانيا بين الحربين
تُعد بريطانيا في فترة ما بين الحربين أقرب نظير تاريخي للولايات المتحدة في هذا الوضع تحديداً، وتستحق أوجه التشابه أن تؤخذ على محمل الجد:
أولاً: الأولوية الاقتصادية
جادلت وزارة الخزانة خلال ثلاثينيات القرن الماضي بأن الاستقرار الاقتصادي كان بحد ذاته ”الذراع الرابع للدفاع“.
ووفقاً لهذا الرأي، ستنتصر بريطانيا في أي حرب طويلة الأمد بفضل قدرتها الفائقة على الصمود، ولذلك لا يمكن السماح لأي جهود لإعادة التسلح بأن تمس الميزانية أو قيمة الجنيه الإسترليني أو تجارة التصدير.
لم تكن هذه الحجة حمقاء، بل كانت السلف الفكري لكل ادعاء حديث بأن التعبئة الصناعية يجب أن تنتظر دورها خلف سقف الميزانية والقرارات المستمرة.
لكن بحلول عام 1939، انعكس الوضع، وأصبحت الاستراتيجية العسكرية هي التي تحدد السياسة الاقتصادية وليس العكس. وكانت الأحداث هي التي قررت متى تنتهي صلاحية هذه العقيدة.
ثانياً: معضلة القدرة الصناعية مقابل التمويل
عندما فتحت بريطانيا أخيراً الصنبور المالي بعد عام 1936، لم تكن المشكلة في المال، بل في القدرة الصناعية.
فقد أدت محدودية العمالة الماهرة، ونقص الأدوات الآلية، وسياسة الحكومة المتمثلة في عدم التدخل في التجارة المدنية إلى خنق الإنتاج، بغض النظر عن حجم الاعتمادات المالية. ولم يتم التخلي عن هذه السياسة حتى عملية ضم النمسا من قبل ألمانيا عام 1938.
التشابه الحديث دقيق للغاية، إذ ينتج خط إنتاج ”توماهوك“ نحو 90 صاروخاً سنوياً، مقابل قدرة إنتاجية موعودة تصل إلى 1000 صاروخ.
كما تمتد عقود صواريخ الضربات الدقيقة الحالية إلى تسليمات تصل إلى عام 2029.
ويعتمد إنتاج الصواريخ الاعتراضية على معادن حيوية مثل الغاليوم والجرمانيوم، التي تمر سلاسل توريدها عبر الصين. ويمكن لواشنطن أن تضاعف الميزانية أربع مرات غداً، ومع ذلك لن تصل الصواريخ قبل عام 2029.
ثالثاً: التزامات إستراتيجية تفوق القدرات
خططت بريطانيا طوال عقدين لإرسال أسطول رئيسي إلى سنغافورة في حال وقوع هجوم ياباني، ومع استهلاك بناء البحرية الألمانية والإيطالية لهامش تفوق البحرية الملكية، تقلص حجم الأسطول الموعود من قوة مناسبة إلى قوة رمزية. وبحلول منتصف عام 1939، كانت الأميرالية البريطانية تناقش إمكانية الاستغناء عن سفينتين رئيسيتين.
أما النسخة الحالية من هذا الوضع فتتمثل في سحب حاملات الطائرات ومخزونات الصواريخ الاعتراضية من منطقة المحيطين الهندي والهادئ إلى الشرق الأوسط، وقبول الإدارة بالمخاطرة بناءً على نظرية معلنة مفادها: الانتصار الحاسم في الحرب التي تخوضها الآن، بدلاً من اكتناز القدرات لحرب قد لا تأتي أبداً.
إنها نظرية يمكن الدفاع عنها، وهي أيضاً المنطق ذاته الذي طبقته الحكومات البريطانية تجاه اليابان في عشرينيات القرن الماضي، عندما بدت الحرب في الشرق الأقصى بعيدة الاحتمال بما يكفي لتجاهلها.
الخصم يراقب ويستعد
في هذا الصيف، كشفت صور الأقمار الصناعية أن الصين بنت نموذجاً ثلاثي الأبعاد بالحجم الطبيعي لمدمرة من طراز ”آرلي بيرك“ في نطاق اختبار الصواريخ ”روتشيانغ“ في صحراء تاكلاماكان، بتفاصيل دقيقة تشمل البنية الفوقية وملف الرادار لسفن (Flight IIA) أو (Flight III).
ويقع هذا النموذج بين نماذج سابقة لحاملات طائرات وأهداف متحركة مثبتة على سكك حديدية، ومحاطاً بحطام اختبارات صاروخية سابقة.
والغرض من ذلك ليس غامضاً، إذ يعمل جيش التحرير الشعبي الصيني على تحسين ”سلسلة القتل“ ضد الفئة ذاتها من السفن الحربية التي أمضت هذا العام في إطلاق صواريخ ”توماهوك“ على إيران.
وتدرس بكين معدلات الإنفاق الأمريكية في الوقت الفعلي، وتتدرب على ضرب المنصات الأمريكية بأريحية.
ولا توجد صورة واحدة تعبّر عن اللحظة الحالية أفضل من هذه: الولايات المتحدة تفرغ مخازنها في الشرق الأوسط، بينما تبني الصين أهدافاً على شكل السفن التي تحمل تلك الذخائر.
هل يجدي التحرك الفوري؟
حصلت بريطانيا على سنة السماح الخاصة بها لأن هتلر تحرك وفق جدوله الزمني وليس وفق جدول بريطانيا، ولأنه كان من الممكن ارتجال قوة استكشافية بينما صمدت القناة الإنجليزية.
لكن الولايات المتحدة لا تملك ”قناة إنجليزية“ في المحيط الهادئ، ولا ينبغي لها أن تخطط على أساس وجود فترة سماح مماثلة.
لم تُلغَ قاعدة العشرسنوات بالجدال فقط؛ فالعدوان الياباني هو الذي ألغى هذه القاعدة. وحتى بعد ذلك، خاضت الخزانة البريطانية معركة دفاعية استمرت سبع سنوات ضد التداعيات.
لقد ألغت حرب إيران للتو النسخة الأمريكية من هذه القاعدة. والسؤال المفتوح هو: هل ستقضي واشنطن السنوات السبع القادمة كما قضتها لندن بين عامي 1932 و1939، تتجادل حول القدرة على تحمّل التكاليف بينما يواصل الخصم البناء؟ أم أنها ستتعامل مع هذا التدقيق باعتباره هدية، كما هو حقاً: تحذيراً تم تسليمه بينما لا يزال هناك وقت للعمل بمقتضاه؟






