أثير - جميلة العبرية
قد يبدو مفهوم “الصحة الافتراضية” للوهلة الأولى موعدًا طبيًا عبر شاشة إلكترونية عن بعد، إلا أن الأرقام الصحية في سلطنة عمان تجعل المسألة أكبر، ففي عام 2024 سجلت العيادات الخارجية بمؤسسات وزارة الصحة نحو 15٫6 مليون زيارة، مقابل 10٫5 ملايين زيارة في عام 2020، وارتفع متوسط زيارات الفرد العماني من 3٫7 إلى 5 زيارات سنويًا، ومع هذا الحجم من المراجعين يبرز سؤال مختلف، كم زيارة تحتاج فعلًا إلى حضور المريض، وكم منها يمكن أن تبدأ افتراضيًا أو تُستكمل عن بُعد؟
في هذا السياق يأتي “المركز الوطني للصحة الافتراضية” ضمن مسار التحول الرقمي المرتبط بأولوية الصحة في رؤية عُمان 2040، فالمركز لا يقوم على فكرة العيادة المرئية وحدها، وإنما على خدمات تشمل الأشعة عن بُعد، والرأي الطبي الثاني، وفحص اعتلال الشبكية السكري بالذكاء الاصطناعي، مع التوسع في تخصصات دقيقة يمكن أن تصل إلى المريض قبل انتقاله إلى مؤسسة مرجعية، وهنا تتحول الشاشة من وسيلة اتصال إلى جزء من إدارة الخدمة الصحية نفسها.
904 آلاف تحويل: أين يمكن أن تتدخل الشاشة؟
الرقم الذي يستحق التوقف عنده هو 904,202 تحويلًا من المؤسسات الصحية التابعة لوزارة الصحة إلى المستشفيات المرجعية خلال عام 2024، وكانت التحويلات العاجلة تمثل 24% من الإجمالي الكلي، وهذه الأرقام لا تعني أن بقية التحويلات يمكن الاستغناء عنها، لكنها تفتح بابًا مهمًا للقياس، كم حالة كان يمكن أن تحصل أولًا على رأي اختصاصي عن بُعد، أو قراءة أشعة مركزية، أو مراجعة ملفها طبيًا قبل انتقال المريض فعليًا إلى مستشفى آخر؟
ويتسع السؤال أكثر مع العلاج خارج سلطنة عُمان، فقد ارتفع عدد المرضى الموفدين على نفقة وزارة الصحة من 390 مريضًا في عام 2020 إلى 1,682 مريضًا في عام 2024، وذهب 27% منهم إلى جمهورية الهند، تلتها جمهورية تركيا بنسبة 5٫2%، كما مثّل علاج العقم والتخصيب 15٫6% من الحالات، تليه أمراض العيون بنسبة 9%، ولا تستطيع الصحة الافتراضية إلغاء الجراحات أو الإجراءات التي تتطلب حضور المريض، لكنها قد تقلل بعض السفر المرتبط بالرأي الثاني، والتقييم السابق للعلاج، والمتابعة اللاحقة له.
ولهذا تبدو مبادرة سلطنة عُمان بشأن تفعيل العيادات الافتراضية للتخصصات النادرة بين دول مجلس التعاون لدول الخليج العربية أكثر أهمية من ظاهرها، إذ طُرحت ضمن مشروع مجمع صحي افتراضي خليجي للاستفادة من مراكز الامتياز في تخصصات مثل الأورام والقلب والأعصاب وزراعة الأعضاء والعقم والإخصاب، مع هدف معلن يتمثل في الحصول على الخدمة بجودة مناسبة وكلفة أقل من الإيفاد إلى دول خارج المجلس، فهل يمكن أن تتحول الصحة الافتراضية هنا إلى أداة لخفض الإنفاق الخارجي، وليس فقط لتسهيل الموعد؟
فاتورة تتجاوز مليار ريال
تظهر نشرة “إحصاءات الصحة 2025” الصادرة عن المركز الوطني للمعلومات والإحصاء أن إجمالي المصروفات الحكومية لقطاع الصحة ارتفع من 954٫1 مليون ريال عُماني في عام 2020 إلى 1٫0839 مليار ريال في عام 2024، بارتفاع 14%، وشكلت المصروفات الجارية 71% من مصروفات القطاع في 2024، لذلك فإن القيمة الاقتصادية للصحة الافتراضية لا ينبغي أن تقاس بعدد المكالمات أو المواعيد الإلكترونية، وإنما بما إذا كانت تقلل الإحالات غير الضرورية، وتكرار الفحوصات والسفر، ووقت الانتظار، وتسمح للاختصاصي نفسه بخدمة مرضى في أكثر من محافظة.
هل البنية جاهزة؟
لكن الوفورات ليست تلقائية، فدراسة منشورة عام 2025 في “المجلة الصحية لشرق المتوسط” التابعة لمنظمة الصحة العالمية أشارت إلى أن نظام معلومات الصحة الرقمية في سلطنة عُمان يدعم أكثر من 85% من مؤسسات الرعاية الصحية، لكنها رصدت تحديات في الحوكمة، والبنية الأساسية، وتنمية القوى العاملة، والتشغيل البيني، وهي عناصر تحدد إن كانت الصحة الافتراضية ستصبح منظومة فعلية أم مجموعة خدمات منفصلة.
وهنا تبدأ الأسئلة الأصعب، هل تتبادل المؤسسات العامة والخاصة ملف المريض بسلاسة؟ من يتحمل المسؤولية عندما تدخل خوارزمية الذكاء الاصطناعي في التشخيص؟ هل يصل كبير السن وسكان المناطق الأبعد إلى الخدمة بالكفاءة نفسها؟ والأهم، هل ستنشر وزارة الصحة مؤشرات تقيس عدد الرحلات والتحويلات والمواعيد التي تم تجنبها، والوفر المالي الناتج عنها؟
اختبار الصحة الافتراضية في سلطنة عُمان لن يكون بعدد الشاشات أو المنصات، وإنما بعدد المسافات التي اختصرتها، والإحالات التي لم تعد ضرورية، والاختصاصات التي وصلت إلى المحافظات، والريالات التي أمكن توجيهها من النقل والتكرار إلى علاج أكثر حاجة، وعندها فقط يمكن معرفة ما إذا كانت الصحة الافتراضية مشروعًا تقنيًا جديدًا، أم تغييرًا حقيقيًا في طريقة إدارة الرعاية الصحية.
من سبق خليجيًا؟
لا تعد سلطنة عُمان أول دولة خليجية تدخل هذا المجال، ففي فبراير 2022 أطلقت المملكة العربية السعودية “مستشفى صحة الافتراضي”، الذي تصفه وزارة الصحة السعودية بأنه الأول من نوعه في الشرق الأوسط، ووسع لاحقًا نطاق خدماته إلى ملايين المواعيد والاستشارات، إذ سجل أكثر من 16 مليون موعد واستشارة افتراضية خلال عام 2025، منها أكثر من 11٫5 مليون موعد مكتمل عبر العيادات الافتراضية، وهو ما يضع التجربة السعودية في مرحلة تشغيل واسعة.
وفي الشقيقة دولة الإمارات العربية المتحدة تطورت منصات للرعاية الافتراضية ضمن الخدمات الرقمية الصحية، بينما أطلقت دولة قطر منذ عام 2020 خدمات وطنية للاستشارات الهاتفية والمرئية والرعاية العاجلة وتوصيل الأدوية، ولذلك لا تبدو المقارنة الخليجية سباقًا حول من بدأ أولًا بقدر ما هي مقارنة في النماذج، فالمملكة العربية السعودية بنت مستشفى افتراضيًا واسع الارتباط بالمستشفيات، ودولة قطر دمجت الخدمة في قنوات الرعاية اليومية، أما سلطنة عُمان فتتجه إلى مركز وطني يربط الخبرة التخصصية بالمؤسسات المختلفة.






